بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
البرجوازية السورية تتغذى على دماء الشعب
  19/11/2012

البرجوازية السورية تتغذى على دماء الشعب

فاتح الشيخ

بدءاً من ثمانينيات القرن الماضي عمدت السلطة الحاكمة إلى إقامة شراكة إستراتيجية مع برجوازية القطاع الخاص الطفيلية ، هدفها نهب الشعب واقتسام ثرواته ، و المتجسدة عمليا ً بالتحالف الأمني – التجاري والتحالف العسكري- التجاري ، تحت عنوان اقتصادي أطلق عليه التصحيح الهيكلي أو التحرر الاقتصادي ، و إخفاء مضمونه الاجتماعي المتمثل بإعادة توزيع الدخل الوطني لصالح النخبة الحاكمة والبرجوازية المتحالفة معها .
وكانت النتائج المترتبة على المسار الاقتصادي – الاجتماعي المذكور ، انسحاب السلطة من أدوارها الاقتصادية والاجتماعية بشكل تدريجي ، والتي بررت أصلاً استيلاءها على السلطة من أجلها ، وهو التحالف مع العمال والفلاحين وذوي الدخل المحدود ، ودعمهم من حيث توفير فرص العمل والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي والسكن والمواد الغذائية الأساسية ، ولكنها عملت على تنفيذ السياسات الضارةِ بمصالحهم من قبيل ( السوق الاجتماعي - التعليم الموازي – إضعاف القطاع العام … وصولا ً إلى الخبز السياحي ) ، وبذلك باتت سلطة عارية دون أية فاعلية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كونها لا تمتلك أصلاً سوى شرعية القهر والغلبة .
إن البرجوازية السورية المرتشية التي تعيش في كنف بيئة سلطوية استبدادية تقتات على الفساد وعدم الشفافية و المساءلة والتهرب الضريبي ، وعقد الصفقات التفضيلية للمنتجات الوسيطة مع القطاع العام بيعاً أو شراء ً ، و الحصول على الإجازات الرسمية للاستيراد والتصدير والتسعير وشهادات المنشأ ، على شكل هبات وأُعطيات لمواد ضرورية يحتاجها الاقتصاد السوري ( المواد الغذائية الأساسية – مواد البناء – الطيران المدني الخاص – السيارات – المعدات – الآلات – شبكة الهاتف النقال – فنادق الخمسة نجوم … ) واقتصار هذه الاحتكارات الاستيرادية على فئة محدودة جدا ً للمقربين من مراكز القرار السياسي و العسكري الأمني ( على شاكلة مخلوف ) والتي كان لها تأثيراتٌ مدمرة على القطاع الصناعي بشكل عام والصناعات الحرفية التقليدية بشكل خاص ، لهذا كان من الطبيعي الأخذ بنظر الاعتبار القوة الاقتصادية للبرجوازية السورية لا العددية للأشخاص ( الكيف لا الكم ) باعتبار المال سلطة .
إن جميع الأعطيات والهبات الممنوحة من قِبل النظام الحاكم وتحت مسميات شتى كانت مقابل التزام البرجوازية التجارية باشتراطات ضمنية أربعة هي :
الأول / اقتسام ثمرات النشاط الاقتصادي مع النخبة الحاكمة ( الجاه المفيد للمال – ابن خلدون ).
الثاني / توفير العملات الأجنبية للقطر من خلال صادراتها للخارج (حاليا ً توفر 85% منها ) .
الثالث / عدم التدخل في رسم السياسات الاقتصادية والاكتفاء بصفة المراقبة وتنفيذ الدور المناط بها .
الرابع / الامتناع عن القيام بأي دور سياسي أو نقابي ( الثروة مقابل الصمت ) .
وقد تساكنت في حاضنة السلطة ثلاثة أنواع من البرجوازيات الماصة لدماء الشعب :
البرجوازية البيروقراطية السلطوية – البرجوازية الكمبرادورية المرتبطة بالخارج – البرجوازية الطفيلية (الهباشة) ، والتي تضخمت ثرواتها بشكل يفوق التصور بالنسبة لمجتمعنا ، وعلى حساب إفقار وتهميش أبناء الشعب ( ما جاع فقير إلا بما متع به غني- علي بن أبي طالب ) وبروز حالة من الاستقطاب الطبقي الحاد الذي لم تشهد له سوريا مثيلا ً في العصر الحديث، حتى قـُبـَيْلَ تطبيق قانون الإصلاح الزراعي وصدور مراسيم تأميم المنشآت الصناعية والتجارية للقطاع الخاص خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي .
ومما يبرز الدور غير المنتج للرأسمالية التجارية السورية هو عدم ولوجها مجال التحديث المادي الزراعي والصناعي المُنتـِج لسد العجز في ميزان المدفوعات وخلق قاعدة إنتاجية وطنية توفر متطلبات الاقتصاد الوطني ، وفي مقدمتها توفير فرص العمل للمواطنين ، بل يقتصر عملها الحالي على الأعمال التجارية غير المُنتـِجة من خلال فتح مكاتب الاستيراد والتصدير(وكلاء تجاريين) ، والجري وراء تحقيق الربح السريع والحصول على العمولات ، وتحقيق عوائد تفوق ثلاثة أضعاف ما تحققه البرجوازية الصناعية في القطر .
وكانت النتائج المترتبة على هذا النهج أن تجاوزت نسبة العاطلين عن العمل 25 % من مجموع القوى العاملة السورية ، مع بيان أن أكثر من (300) ألف مواطن سوري يدخلون سوق العمل سنويا ً ولا يستطيع الاقتصاد توفير أكثر من (150) ألف فرصة فقط .
ونتيجة للثروات الضخمة التي تتحصل عليها هذه البرجوازيات المتخمة بسرقة أموال الشعب كان من الطبيعي وقوفها إلى جانب السلطة والقتال في خندقها ضد خندق الشعب المقهور الهادف إلى إسقاط نظام الاستبداد والاستغلال المزدوج وإقامة نظام سياسي ديمقراطي عنوانه الحريات والعدالة الاجتماعية ، حيث لا مكان لمثل هذه البرجوازيات الفاسدة في ظله .
وبالنسبة لتوزيع الدخل الوطني بين الفئات الاجتماعية المتعددة ، تتحدث الإحصاءات السورية شبه الرسمية أن 10% من السكان يحوزون على 60% من هذا الدخل ، في الوقت الذي يحوز فيه 90% من السكان على 40% منه فقط ، وهذا ما يبرز التناقض الفاقع بين الأطروحات الرسمية للنظام (الدستور والمنطلقات النظرية للحزب الحاكم ) المدعي تحالفه ودفاعه عن حقوق العمال والفلاحين وصغار الكسبة !! والواقع المعاش فعلاً على أرض الواقع في المدن والأرياف بالتضامن مع الفئات الاجتماعية الأخرى المنضمة إليها ، والتي تضررت مصالحها بشكل كبير نتيجة السياسات الاقتصادية و الاجتماعية الخاطئة للنظام والتي كانت بمثابة الشرارات الأولى للثورة .
أما بالنسبة للقطاع الخاص التقليدي ( البرجوازية الصغيرة ) ، والتي تضررت مصالحها بشكل واضح نتيجة لتفشي الفساد والممارسات المنحرفة للنظام، والمكتفية بالمراقبة والصمت حتى الآن لا نعلم متى ستتحرك ضده ؟ ، وتصطف إلى جانب الثورة السلمية – المدنية للشعب ومستذكرة في الوقت نفسه الدور الوطني المشرف للبرجوازية الوسطى السورية في دعمها وقيادتها للثورة الوطنية ضد الانتداب الفرنسي خلال النصف الأول من القرن الماضي .
وتاريخيا ًفقد لعبت البرجوازية الغربية بدءا ً من القرن السادس عشر دور الرافعة الديمقراطية من خلال اصطفافها إلى جانب القوى الديمقراطية ومطالبتها الأنظمة الملكية المطلقة بالمزيد من الحريات والمساءلة والشفافية ، ورفعها لشعار لا ضريبة تـُدفع للنظام دون تمثيل سياسي ، في حين أن البرجوازية التجارية السورية ليس لها أي دور سياسي ضاغط على النظام لتوسيع هامش الحريات ، بل تلعب دور الكابحة الديمقراطية وبالضد من الثورة الوطنية التي فجرها شعبنا المجاهد في 15-3-2011 .
وأخيراً / إن النظام السوري الشمولي يقوم على منظومة متعددة من المصالح والدعائم :
الأيديولوجية – العسكرية – الأمنية – الاجتماعية – الاقتصادية – المالية .

إن المطلوب من البرجوازية السورية الشريفة دعم الثورة المدنية – السلمية للشعب وإسقاط الدعامة الاقتصادية – المالية التي يقوم عليها النظام الفاسد ، واستهداف تجفيف موارده المالية ، والتمرد عليه من خلال عدم إرجاع العملات الأجنبية للقُطر والمتحققة من خلال صادراتها للخارج تمهيداً لإسقاط النظام.
الوطن ليس درهماً ولا ديناراً


كاتب سوري مقيم في المانيا
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات