بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
في اللاذقية طفلة تنام بلا عشاء وقبلتها تضيء القلب
  19/11/2012

في اللاذقية طفلة تنام بلا عشاء وقبلتها تضيء القلب


هيفاء بيطار

قد تكون الصدفة وحدها وضعتني في طريق هبة، أو وضعتها في طريقي، متسلحة بشجاعة وهمية وقلب منفطر من الألم أتجاهله كل لحظة. تسكعتُ في شوارع وحدائق المدينة الرياضية في اللاذقية حيث غصّت بخيم بائسة تضم النازحين، مئات الأسر الفقيرة التي نزحت من حلب وقراها. تلتقط عيناي البؤس الإنساني لشعب روّعه القهر والذل والموت، فيما روحي تصارع محيطاً من اليأس والحزن. تلتقط عيناي صورة طابور طويل طويل من رجال ونساء وأطفال يحمل كل منهم طنجرة عتيقة أو جاطاً من البلاستيك، بانتظار حصته من طعام الغداء… بعض الأطفال يبكون من الجوع إذ لا طاقة لديهم لانتظار دورهم في الطعام، والبعض أصابه الملل فلبس الطنجرة في رأسه كقبعة…
ثمة باعة يفردون بضائعهم على الأرض. بضاعة من أرخص أنواع البسكويت والحلي التقليدية، وشحاطات النايلون، وحفاضات الأطفال… أحد المسؤولين عن النازحين في المدينة الرياضية قال لي إن العدد فاق أربعة آلاف نازح، وأن عدد الأطفال فيهم فوق الألف…
أتلصص على الخيم البائسة، محتواها يكاد يكون مجرد فرشات رقيقة من الإسفنج، وبين الخيم حبال علقت عليها ثياب مهترئة مغسولة…
ثمة امرأة بدينة تخبز على الصاج فطائر بالجبن والزعتر والفليفلة، رائحة الحياة هي رائحة الخبز. كنت وسط لوحة البؤس الإنساني السوري، أبتلع المرارة، وأكرر وأنا أشعر أنني أتبخر من الألم، أهذا حال الشعب السوري! أهذا حال أحبائي الأطفال…
برودة الخريف صريحة، ولا تبالي بشمس لا تزال تتوهم أنها تدفئ النازحين الحفاة. ثمة امرأة كالشبح تعبر بجانبي حاملة رضيعاً عارياً، وقد التهم الصمات مؤخرته ووصل حتى فخذيه، وهو يئن من الألم إذ لم يعد يملك القدرة على البكاء… سألتها: ما به… تابعت مسيرها وقالت: كيف سيشفى هنا.
تفتق عنوان رواية عبد الرحمن منيف في ذاكرتي: الآن هنا. رواية روعتني حين قرأتها عن السجون في الوطن العربي… هذه المرأة ألهمتني كي أجري مقارنة بين رواية الآن هنا، وبين الآن هنا في سوريا…
قد تكون محض صدفة تلك التي جعلت نظرتي تتقاطع لبرهة مع نظرة طفلة في التاسعة من عمرها ترنو إلى المرأة البدينة التي تخبز الفطائر على الصاج… لم تكن طفلة، كانت حزناً ناعماً حياً، كانت جميلة على نحو لا يوصف، في وجهها هدوء ووداعة، وفي عينيها العسليتين شرود، كما لو أنها تتأمل في ما وراء لوحة البؤس السوري…
استقطبت نظرتها كياني كله ولم أعد أرى سوى عينيها، أعترف أنني عاجزة عن التعبير عن نظرة هبة بعبارة، حتى لو أعدت صياغتها ألف مرة… هل كانت ترنو إلى الخبز ورائحة الحياة التي كانت تعيشها قبل أن تقذفها قذيفة وتطيرها من بيتها الآمن في حلب، وترميها في خيمة عتيقة… إلى ما كانت ترنو تلك الطفلة؟ كانت نظرتها تتجاوز الفطائر الشهية، وتتجاوز طوابير النازحين، وتتجاوز الأشجار التي بدأت أوراقها تتساقط… وكما لو أنها شعرت بتحديقي المفتون بها، التقت نظرتنا لبرهة، ابتسمت ابتسامة خجولة، ربما أنا من بادرت إلى الابتسام… اندفعت إليها، رغبتُ أن أركع أمامها وأقبـّل قدميها الصغيرتين القذرتين المحشورتين في شحاطة بالية من النايلون… لكن خفتُ أن تجفل، وضعتُ يدي على كتفها، هزتني صدمة نحولها الشديد، كانت هيكلاً عظمياً، ومن دون أن أسألها إن كانت جائعة اشتريت فطائر وقدمتها لها، أخذتها بتردد وخجل، قلت لها وأنا أقاوم غصة حديد هرست حنجرتي كيد حديدية، كتلك اليد التي انتزعت حناجر تجرأت وصدحت بالحرية:
كلي، كلي حبيبتي، ما اسمك.
ردت بصوتٍ عذب خافت: هبة …
شعرتُ أنها مترددة وترغب أن ترفض الفطائر. شعرتُ بالصراع في روحها الطفولية لكن ذل الجوع انتصر فبدأت تأكل على مهل تقضم قضمات صغيرة…
قلت لها هل تمانعين أن نجلس هنا؟، أشرتُ إلى مقعد حجري، قالت: لا.
جلسنا متجاورتين وبيننا كيس الفطائر … كانت تأكل وكنتُ ألتهم كل حركة تقوم بها بعينين عاشقتين لكل أطفال سوريا النازحين، كانوا كلهم هبة ، كنتُ روحاً ، ترى روح طفلة نازحة ، كنتُ أراها بقلبي …
لا تعرف هبة أن في روحها الطفولية جرحا عميقا …
لا تعرف هبة أن ما يجعل صوتها واهناً هو حزن وحشي يعجز قلب طفلة عن استيعابه …
كان شعرها ملبداً كأنها لم تستحم منذ شهر، سألتها من أين هي؟ قالت باختصار: من حلب، ثم صمتت… وأخذت تجول بعينيها في الحديقة كما لو أنها تبحث عن ملاذٍ ما، وأنا ألحق نظراتها، يا إلهي أتمنى لو أعرف المضمون الحقيقي الذي تعبر عنه نظراتها، لكني شعرتُ أنني أرى من خلال عينيها، وبدت الأشجار حزينة حزناً لا يوصف، كانت أوراقها دموعاً عملاقة متخثرة …
لا تعرف هبة أنها تعيش في بلد الموت… لا تعرف ما يجعلها عاجزة عن الكلام إلا بمشقة وبأنها فقدت صفة الأطفال السعداء وهي الثرثرة. لا تعرف أن ما أخرسها هو الألم الكاسح الذي هرس براعم الطفولة في روحها، كما هرست آلات الدمار والقتل الوحشية منزلها ومدرستها، وحديقة أحلامها، ودفاترها المدرسية ووسادتها …
كنتُ أحاول ألا أستسلم لشعور العبث الطاغي الذي بدأ يكتسحني، كنتُ مصممة أن أحقق معجزة، أن أجعل هذه الطفلة تبتسم… وكنت مستعدة أن أموت في وطن عشقه الموت، من أجل أن أنتزع ابتسامة من هبة …
سألتها في أي صف هي، قالت بايجاز: الثالث.
هل تحبين المدرسة، ردت: جداً.
وهل تدرسون هنا، قالت: أجل، الساعة الرابعة بعد الظهر نذهب للمدرسة.
وماذا تريدين أن تكوني في المستقبل، قالت وابتسامة حزينة شعت من عينيها: طبيبة أطفال.
قفزت هبة فجأة ولحقت قطة، حركة أدهشتني، ذكرتني أنها طفلة حقيقية، وليست تمثالاً للحزن الطفولي. هربت القطة ولم تتمكن هبة من التقاطها أو مداعبتها…
سألتها: هل تحبين القطط؟
فجأة تدفقت بالكلام، لم تكن تكلمني، بل تكلم القطة صديقتها…
قالت: كنتُ أحبها جداً، اسمها جميلة، أنا سميتها جميلة لأنها كانت جميلة جداً، كان عمرها شهرا حين وجدتها في الحديقة قرب منزلنا، جائعة ووحيدة، ورجوت أمي أن نصحبها إلى البيت، لكن أمي رفضت، فتوسلت إليها وبكيت، فسمحت لي أن نصحبها معنا. سميتها جميلة، ياه ما أجملها، كنت أطعمها، وتنام إلى جانبي… وكنتُ أشتري لها شامبو خاص بالقطط وأحممها… صدقيني كانت جميلة أجمل قطة في العالم…
صمتت هبة، كانت تقاوم شعوراً بالاختناق وصلني، من حركة عفوية قامت بها، أخذت أصابعها النحيلة تمسد عنقها، صمتت لأنها اضطرت أن تسكت، إذ وصلت إلى حافة البكاء… كانت تريد أن تبكي في حضني لكنها تعلمت أن تدفن مشاعرها كما دفنت أحلامها تحت أنقاض بيتها…
سألتها بمرح مصطنع: وأين هي جميلة الآن؟
قالت بمشقة: لا أعرف، لقد نزحنا من حلب، كنتُ أريد أن أصحبها معي لكنها اختفت قبل نزوحنا بساعات، لعلها ماتت…
ارتعش فم هبة رعشات قصيرة سريعة، ثم سيطرت على انفعالها ولم تذرف دمعة. ثم أخذ جسدها يتمايل قليلاً كما لو أنها تستسلم لهدهدات الحنين والشجن… كان كل توقها لحياتها الآمنة القصيرة، قد تجسد في شوقها لقطتها جميلة…
جازفتُ وسألتها إن كانت قد شاهدت الدبابة والطائرة والقصف…
نظرت إليّ تتفحصني، ولما اطمأنت إلى حبي الكبير لها، قالت كما لو أنها تردد كالببغاء ما قلته: هل شاهدتُ دبابة وطائرة ؟ أجل رأيت الدبابة تقصف بيوتاً قرب بيتنا… كانت تتكلم والحروف تنزلق من فمها، تنزلق من مكان ما في داخلها المهشم، لم أكن في حضور طفلة، كانت هبة تمثل حالة من الثمل بالذعر، هذا ما كانته تماماً وإلا ما وصلني هذا الشعور. طفلة السنوات التسع كانت ثملة بالمأساة، مروعة وعاجزة عن الاستيعاب، عاجزة عن فهم معنى دبابة تقصف وطائرة تقصف… وبشر يموتون أمام نظرها… عاجزة عن استيعاب لماذا تهدّم بيتها الآمن، ولماذا تنام في خيمة…
أمسكت يدها وقلت: هيا نتمشى، فالحديقة جميلة أليس كذلك.
هزت رأسها موافقة…
قلتُ لها: تعالي نشتري بعض الأشياء، هل تحبين الأساور.
هزت رأسها موافقة…
كانت فرحتها بالأساور الرخيصة الملونة واللماعة تفوق الوصف، ثم ملأت كيساً بأنواع البسكويت وقلت لها: هذا لك.
شدّت يدها النحيلة على يدي شاكرة، وفجأة قالت لي: نحن لا نتعشى، ننام بلا عشاء…
كل كلمة تقولها تتحول إلى طعنة في قلبي…
سألتها: لماذا؟
قالت: يقولون أن عددنا صار كثيراً، نحن نفطر فقط ونتغدى.
وماذا تفطرون: بيضة أو قطعة جبنة مثلثات.
هممتُ أن أسألها إن كانوا يأكلون فاكهة… فتراجعت عن سؤالي الغبي، أية فاكهة وهم ينامون بلا عشاء !
كنا وجودين مترعين بالألم نمشي متشابكي الأيدي في حديقة تنزف أوراقها. شهداء في خريف الثورة، يا للثورة التي سيكون ثمنها موت آلاف الشبان ونزوح الملايين… يا للثورة التي سيكون ثمنها أن تقصف الطفولة وتنتهك وتذبح، يا للثورة التي سيكون ثمنها أن تنام هبة بلا عشاء، وأن تحس بالذنب كونها لم تستطع حماية قطتها…
وقفنا أمام بائع أحذية رخيصة من النايلون، قلتُ لها جربي حذاء… ترددت، هبة لا تطلب، أذهلني تهذيبها ورقيها، قلتُ لها هيا جربي…
نزعت شحاطتها العتيقة وأخذت تجرب، عادت طفلة، فرحتُ فرحاً لا يوصف حين وصلتني سعادتها أنها اختارت حذاءً من النايلون زهريا ومزينا بزهور صغيرة ملونة. كانت سندريلا حقيقية. فرحتُ فرحاً طاغياً وأنا أدرك أن جانباً في قلبها ما يزال ينبض بطهارة الطفولة وحب الحياة… وأن آلات الدمار لم تقصف كل زهور روحها الطفولية…
قالت وهي تبتسم: شكراً…
شع وجهها بابتسامة، ضممتها وأخذت أقبل رأسها وشعرها الملبد…
وحين أعدتها إلى خيمتها ضممتها بقوة إلى قلبي وتمنيت لو أهديها روحي.
كانت تحمل بيد كيس الفطائر، وباليد الأخرى الحذاء الجديد الرخيص…
وقفت أتأملها تمشي بجسدها الشبحي، بخطوات ثابتة بطيئة كأنها تجرجر خلفها حزناً ناعماً رقيقاً مثلها، وقبل أن تدخل الخيمة البائسة التفتت إليّ وأرسلت لي قبلة في الهواء، قبلة طيرتها براحتها فشعرتُ برشقة من نور إلهي أضاءت قلبي…
قلت لها: سنلتقي، سنلتقي يا هبة…
لوحت لي بكيس الفطائر مبتسمة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات