بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
تحريك للجبهات السورية أم "فقاعات إعلامية"؟!
  29/11/2012

تحريك للجبهات السورية أم "فقاعات إعلامية"؟!


 ناجي س. البستاني



منذ أشهر عدّة، تسقط قذائف مدفعيّة وقذائف هاون في الأراضي التركية ومصدرها الأراضي السورية. وبعض المحلّلين الغربيّين يعزوها إلى نتيجة طبيعية وغير مقصودة للمواجهات الدائرة في الداخل السوري، بين الجيش النظامي والمعارضة المسلّحة. لكن البعض الآخر، يدخلها في سياق محاولات النظام السوري إعطاء بُعد إقليمي للنزاع عبر إستدراج تورّط عسكري تركي في النزاع، خاصة وأنّ الجيش التركي ردّ دورياً على سقوط القذائف على أراضيه. وعلى الرغم من تكرار هذه الأحداث الحدودية بين الجانبين، فإنها لم تتوسّع أبداً إلى مواجهة فعلية واسعة، حيث بقيت مجرّد مناوشات قتالية حدوديّة محدودة، تقلّ كثيراً عن مستوى التهديدات التركية الإعلامية، وعن الإستعراضات العسكرية لأنقره على الحدود.
خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية، توجّهت الأنظار إلى جبهة ثانية تفصل ما بين الجيش السوري والجيش الإسرائيلي هذه المرّة، إثر سقوط قذائف هاون محدودة في الجولان السوري المحتل، بفعل المواجهات بين الجيش النظامي والمعارضة المسلحة في ريف محافظة القنيطرة السورية الحدودية. وتكرّرت أسطوانة التحليلات بشأن ما إذا كان القصف السوري متعمّداً أم غير مقصود. والمضحك – المبكي أنّ إسرائيل التي تحتل نحو 1200 كلم مربّع من أصل 1710 كلم مربّع من هضبة الجولان السوري منذ حرب العام 1967، والتي ضمّتها في العام 1981 من دون أي إعتراف دولي بهذه الخطوة، قامت بردّ مدفعي على مصادر النيران السوريّة، بحجّة الدفاع عن "أراضيها". وهنا أيضاً، تكرّر "السيناريو" الذي كان قد دار بين سوريا وتركيا، حيث تصاعدت اللهجة الإسرائيلية ضد سوريا، لكن من دون أن يُترجم ذلك ميدانياً، إلا ببضع قذائف ذكرت تقارير إعلامية غربيّة أّنها أخطأت أهدافها عمداً، ووقعت أخيراً سلسلة من المناوشات الطفيفة بين الجانبين، مثل إطلاق نار من هنا وتوجيه قذيفة من هناك.
وعمّا يمكن أن يجنيه النظام السوري من أي حرب خارجية، يمكن تعداد ما يلي:
أولاً: في حالات الحرب مع "الأعداء الخارجيّين"، يتقدّم الحسّ الوطني الداخلي على سواه، خاصة في صفوف أفراد الجيش والقوات المسلّحة النظامية.
ثانياً: يتمّ تحوير الأنظار عن المواجهات الداخلية، بشكل يتيح للنظام ممارسة قبضة حديدية أقوى من دون أي تغطية إعلامية تُذكر.
ثالثاً: يُمكن التنصّل من تبعات كل الأعباء الإقتصادية والإجتماعية الناجمة من الصراع الداخلي، واعتبارها نتيجة طبيعيّة للمواجهات الخارجية.
رابعاً: تَزداد فرص إستعادة الدور الإقليمي، مع تصاعد إحتمال حصول مفاوضات وتسويات متوازنة لوقف المواجهات الخارجية والداخلية في آن واحد.
خامساً: تذكير الجهات الخارجية المعنيّة بقدرة الجيش السوري على إلحاق الأذى بهم، وعلى تعكير أجواء الإستقرار لديهم، في محاولة لوقف التدخّل الخارجي بالشأن السوري.
لكن هذه النظريّات التي يتم ترداداها في سياق تحليل الأهداف الممكنة للقصف السوري، إن نحو تركيا أو نحو الأراضي السورية المحتلّة من قبل إسرائيل، تتجاهل حقيقة مهمّة جداً تتمثّل في كون الجيش السوري الموزّع على ثكناته النائية، والمُنتشر في مختلف المدن والبلدات السورية، غير جاهز حالياً للدخول في حرب فعليّة لا ضدّ تركيا، ولا ضد إسرائيل، نتيجة بُعده الجغرافي عن الجبهات المُفترضة، وبالتالي عدم جهوزيّته اللوجستية، إضافة إلى كونه قد أُنهك نتيجة المعارك الداخلية المستمرّة منذ سنة وتسعة أشهر تقريباً. كما أنّ من شأن التأخّر الزمني الكبير في قيام النظام السوري بلعب ورقة الحرب مع الخارج، أن يؤدّي إلى نتائج عكسيّة، بحيث قد تجد الكثير من الوحدات القتالية السورية الفرصة مؤاتية للخروج من كل هذه المعمعة الدموية.
ومما تقدّم، لا يمكن وصف القصف الحدودي المتبادل، من الجانب السوري ضدّ الخارج، إن مع الجيش التركي، أو مع الجيش الإسرائيلي في هضبة الجولان المحتلّة، إلا بالقصف المحدود جداً والذي لا يتجاوز "الفقاعات الإعلامية" التي ترمي إلى لفت الإنتباه، فسوريا الغارقة بوحولها الداخلية ليست بوضع الدخول في حرب فعلية مع أي جهة خارجية.
في المقابل، إنّ تركيا التي تواجه مشاكل بالجملة، بدءاً بالحساسية الإتنيّة والمذهبيّة الخطيرة نتيجة إرتفاع عدد العلويّين والأكراد الأتراك، مروراً بالنزاع المتصاعد مع مسلّحي "حزب العمّال الكردستاني"، وبغياب الدعم الجدّي لها من قبل الغرب والحلفاء، وصولاً إلى رفض أكثر من ثلثي شعبها أي مغامرة عسكرية مع سوريا، لن تدخل في أي نزاع عسكري مع الجيش السوري. وأكثر ما يمكن أن تتورّط فيه هو تأمين قصف مدفعي عنيف للمواقع السورية، لتسهيل سيطرة المعارضة السوريّة المسلّحة عليها، على غرار "السيناريو" الذي تكرّر أخيراً أكثر من مرّة.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فهي مرتاحة تماماً للوضع الداخلي المتأزّم في سوريا، كونه يُضعف موقع دمشق في المواجهة العربيّة – الإسرائيليّة. وهي بالتالي غير راغبة في تغيير معادلة الإستنزاف الدموي والإقتصادي المفتوح على مصراعيه في سوريا. وكلّما طال أمد الأزمة، كان مكسب إسرائيل أكبر. والأوان لم يحن بعد لتتعامل تل أبيب بجدّية مع مسألة إحتمال تبدّل النظام، وتغيّر الوقائع الثابتة القائمة مع سوريا منذ عقود. وبالتأكيد الحكومة الإسرائيلية لن تقدّم خدمة مجانية للنظام السوري، من خلال الدخول في مواجهة عسكرية معه، من شأنها ربّما أن تبدّل في المعطيات القائمة في الشرق الأوسط حالياً، فلا التظاهرات السورية نحو الجولان في السابق، ورّطتها في النزاع السوري، ولا إطلاق النار وقذائف الهاون في الأيام الماضية ستورّطها، لأنها راغبة تماماً بإفشال نظريّة "أمن إسرائيل من أمن سوريا"، والتي كان قد أطلقها رامي مخلوف، إبن خال الرئيس السوري بشار الأسد، في حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" بُعيد إندلاع الأحداث في سوريا.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات