بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
تحقيق ( 2من 3):هل تحتاج الثورة السورية إلى مفكرين ولمَ غابوا؟
  11/01/2013

تحقيق ( 2من 3):هل تحتاج الثورة السورية إلى مفكرين ولمَ غابوا؟


أورينت نت – ياسر الأطرش

كنا فتحنا يوم أمس باب التساؤل حول (أين هو مفكر الثورة) لتلج الأسئلة ومحاولات الأجوبة أو الدوران في فلكها، فباب المحاولة بكل يدٍ مضرجةٍ بالثورة وحلم المستقبل يُدق .. قراءة المقدمات والحيثيات والمآلات ضرورة يفرضها خلقُ وعي جديد لمرحلة لم تكن من مكتسبات طبائعنا ولا أخلاقياتنا ، كانت سراً محروساً بالعسكر والموت والجدران التي لها آذان .. واليوم وأمام الانفتاح المباغت على هذا السر وما كان أخفى ، هل ستلد الثورة من رحمها فكراً جديداً أم ستعيد إنتاج أبناء لها لم يكونوا عاقين وإنما مغيبين في كهفهم يظنون أنهم ناموا يوماً أو بعض يومٍ .. ومرت عقودٌ أربعة بلا شمس ولا وقدة ضوء ..
أورينت نت تابعت استجلاء آراء باحثين وكتاب عرب وسوريين وتنشر اليوم الجزء الثاني من تحيققها تحت نفس العنوان .. ولكن نكهة الأجوبة جاءت مغايرة وكانت كالآتي :

 أمواج الجماهير وغيوم السياسة الباحث التونسي حسن مرزوقي: ضاع غليون بين !
يُحكى أن نيوتن صاحب نظرية الجاذبية، ترشح في انتخابات برلمانية في ألمانيا ذات مرة وأنه طيلة دورة البرلمان تدخّل مرة واحدة ليقول : "أغلقوا النافذة الجو برد..."
هل هذا قدر المفكر والعالم والمثقف دائما؟؟ أو هكذا أريد له ويراد له؟؟.. نموذج فقيه السلطان ليس ببعيد عنا.. وفقيه الثورة أيضا ليس بأكثر بعدا. ألم يتنفّذ مثقفون باسم ثورات قام بها العسكر. وكان المفكر يعتقد أنه وهو يرتدي ربطة عنق ونظارة وقلما سيدحر ضابطا يحمل مسدسا ولباسا زيتي اللون. فقضى الكثير من المثقفين أيامهم وحيواتهم ملطخين ببقع الزيت تلك وفي أخف الأضرار تكسرت أقلامهم. أما الكثيرون منهم فكانت أقلامهم وسيلة لتسريح ماسورة المسدس بعد كل إعدام للحرية.
هذا التوصيف يجرّني للحديث عن الثورة السورية التي تعج قياداتها السياسية بالمفكرين والمثقفين. وقد كان لي الشرف أن أكون أحد طلاب برهان غليون في جامعة السوربون ذات سنة غائمة بعد 11 سبتمبر. درسنا علم الاجتماع السياسي للعالم العربي. كان أستاذا مميزا ومفكرا يحسن إدارة الأسئلة ويفجّرها وتبقى أجوبته موضع نظر جلها أو جزء كبير منها.
جاءت الثورة السورية وتولى د. برهان غليون وظيفة قيادية كنت أراقب أداءه وأقارنه بدروسه في جامعة السوربون (باريس 3) الجديدة في تلك المساءات الشتوية الماطرة. أتأمل وأقول :
ما أسهل أن تخوض حروبك في النصوص بالقلم.. فتنتصر كما تريد وتفكك بنية النظام الاستبدادي وتقارن وتسدد وتقارب وتضع يوتوبيا لمستقبل الأيام.. ولكن عندما تخوض حروبك في الواقع وأنت تطل على الجماهير الهادرة التي تفتكّ إرادتها لأول مرة في حواري دمشق وحمص وحلب وغيرها من مدن سورية وأريافها، تضيع بوصلة المنظّر والمفّكر. وضاع غليون بين أمواج الجماهير المضرّجة بالدماء والشهادة، وغيوم السياسات الدولية التي تريد أن توجّه الأمطار حيث تريد مصالحها.
هل تتطلب الثورة السورية مفكرين ؟؟ الإجابة السهلة هي نعم. ولكنها تتطلب قبل كل شيء مناضلين في الشارع وفي الورق والأروقة وتحت الشمس والثلج وفي دهاليز السياسة ليلا
عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو طرح ذات مرة أسئلة تشبه ما نطرحه في هذه السطور. من قبيل كيف نفكر في السياسة بشكل غير سياسي؟ أي كيف يعيد المثقف صياغة الأسئلة السياسية بشكل علمي؟؟ وهل أن وظيفة المفكر هي دائما التفكير للذين يقرؤون له أم هي التفكير للذين يعيشون معه.؟؟
بورديو نقابي وناشط حقوقي ومدني قبل أن يكون باحثا في علم الاجتماع وأبوه أيضا كان زعيما نقابيا في سكك الحديد. رمت به الأيام على علم الاجتماع محمّلا بهموم العمال والناس وحتى العاهرات (قاد مسيرة في أواسط التسعينات للدفاع عن حق العاهرات في نقابة). دافع على استقال الجزائر. وكانت أول كتبه في نهاية الخمسينات تنقد النظام التعليمي الفرنسي الذي يعيد إنتاج الطبقية في انتفاضة الطلبة في 68 وسقوط نظام ديغول كان ثمرة لكتاباته هو وآخرون. آخر كتب بيار بورديو قبل أن يموت في 2002 هو مصنف ضخم يضم أكثر من 1000 صفحة يحمل اسم "بؤس العالم". بورديو نقد النظام الفرنسي بنفس الشراسة التي نقد بها إيديولجيته الماركسية.. فكان عالما.
ونعيد السؤال هل أن الثورة السورية والثورات العربية في تونس وليبيا ومصر واليمن في حاجة إلى مفكرين؟؟. الإجابة تظل نعم. مفكرين لهم علم –طبعا- ولكن لهم خيال اجتماعي وسياسي قادر على تحويل القيم إلى مطالب جماهيرية. كتحويل الديمقراطية ولأول مرة في التاريخ العربي إلى مطلب شعبي مثلها مثل الخبز والماء والهواء.
على النخبة السورية أن توزّع أدوارها ولا تحوم حول العرش المأمول بعد العرش الساقط تحت أقدام الجماهير، أن لا تحوم حوله كما تحوم الحشرات على المصباح فتحترق. وعندما تحترق ترفسها الجماهير بأحذيتها. ومعها ترفس قيم العلم والتفكير. كي لا تحترق عليها أن توزع أدوارها.. يعني أن تقسم نفسها إلى ثلاثة فيالق من المثقفين بالتوازي مع فيالق المناضلين والشهداء :
- مثقف مقاول (التسمية لأستاذنا الطاهر لبيب) : وهم التقنيون في السياسة والاقتصاد ويعرفون إصلاح الماكينات وتخريبها أيضا هؤلاء يشتغلون على ملفات التفاوض والمناورات والمهادنات ولكن يشتغلون أكثر على تحويل مطالب الجماهير إلى أسلحة حادة أثناء عملهم كمقاولين مفاوضين غير ناكسي الرؤوس.
- المثقف الخطيب المستشرف : على الطريقة اليونانية يتوجهون إلى الجمهور ويسمعونه ويبحثون في التناقضات والنتوءات الإيديولوجية والطائفية والجهوية وغيرها.. يحوّلون شعارات الجماهير إلى نظرية في الكلام الصادق والمقنع. يجب أن يصل إحساسهم إلى الجماهير. شغل هؤلاء في الشارع وتحت المطر لا في الصالونات. وينظرون إلى المستقبل بعيون الناس.
- المثقف المنسّق : هو المثقف الذي ينسق بين كل الأطراف المشاركة في الثورة ويحل اليسير من المشاكل والآني منها ويؤجل المزمن والصعب والعصي.
هذه الفئات الثلاث إذا تضافرات يمكن أن تجعل للمفكر وظيفة وهي تحويل الثورة إلى علم مبني على أهم قيم العلم : التخصص والتجربة والدقة.. وتجعل من العلم والتفكير ثورة مبنية على أهم قيم الثورة وهي التنوير. وبذلك يكون المفكر وفيا لعلمه ولشعبه ولثورته.
 الإعلامي شعبان عبود: جيل اليوم ينتمي للحقبة التكنولوجية وليس لحقبة الكتاب والنظرية!
أعتقد أن طرح السؤال على هذا النحو يحاكي تجارب ثورات معينة في التاريخ حيث لعب المفكرون والمثقفون دوراً ممهداً للثورات، الثورة الفرنسية مثلاً. وعليه، نحن نقيس اليوم ثورات الربيع العربي ومنها الثورة السورية وفقاً لمسطرة قديمة، متناسين أن ملامح القرن الواحد والعشرين تختلف كثيراً عن ملامح وواقع القرنين الثامن والتاسع عشر اللذين شهدا أهم الثورات في العصر الحديث وفي مختلف أنحاء العالم.
لا أعتقد أن مهمة المراقب لما يجري اليوم تنحصر في الإجابة عن مثل هذا السؤال بل الإجابة على أسئلة عديدة من بينها دور المثقف أو المفكر . لكن ما يعقد ويزيد من صعوبة فهم ما يجري والخروج بنتائج معينة هو أن الحدث ما زال مستمرا وغير منته.
في عموم الأحوال وعودة للسؤال الأساسي عن دور المفكر في ثورات الربيع العربي ومن بينها الثورة السورية فأنا أعتقد أن غياب دور المفكر مسألة بديهية ومتوقعة اليوم مقارنة بثورات القرنين الماضيين ..ملامح عصرنا مختلفة تماماً، المتغيرات التي حصلت وخاصة ثورة التكنولوجيا والمعلومات كانت تغيرات هائلة استدعت معها تغيرات في أنماط التفكير والتعامل مع الواقع وحل إشكالات الواقع..جيل اليوم ينتمي للحقبة التكنولوجية وليس لحقبة الكتاب والنظرية، ومن سمات حقبة الكتاب أن هناك دائماً كاتب وكتب، مفكر وأفكار، منظر ونظريات، ثم هناك دائماً جمهور يقرأ ويتابع ويتأثر ويستلهم .، أما في الحقبة التكنولوجية فلا يوجد مفكر أو فيلسوف ، يوجد أدوات ووسائل تكنولوجية تتيح إمكانيات أسطورية للتواصل الاجتماعي والاطلاع على ما يجري لكنها لا تسمح نظرا لطبيعتها والغاية التي وجدت من أجلها، لا تسمح بقراءة كتاب أو التفرغ للاطلاع على أفكار أحد المفكرين. الجيل الجديد يتابع ما يجري في العالم من خلال جهاز صغير بين يديه ويعبر عن نفسه من خلال هذا الجهاز إما كتابة أو من خلال الصورة..هو جيل لا يملك وقتاً ليقرأ كتابا بل عبارات ومواقف وأخبار وقصص خبرية أو للتسلية من هنا وهناك..
إن هذه التطورات الهائلة والثورية في وسائل التواصل الاجتماعي والتقنية التكنولوجية أتت متزامنة مع واقع محبط ومؤلم وظروف قاسية يعيشها الشبان في أغلب الدول العربية..لذلك شكل الفضاء الالكتروني المتوفر على مواقع التواصل الاجتماعي البيئة والحاضن لتحركات الشبان الاحتجاجية وليس اي شيء آخر..هذه البيئة سمحت للشبان والتحاور والنقاش وتبادل وجهات النظر وعقد مقارنات بين أوضاعهم وأوضاع شعوب أخرى ، وهي سمحت لهم بوضع خطط للتظاهر وتحديد أمكنة التظاهر ونوعية الشعارات وخطط بديلة في حال هاجمتهم قوات الشرطة والأمن ..
من ناحية أخرى من الخطأ الاعتقاد أن المفكرين أو المثقفين قد غابوا تماماً عن هذا الحراك الاحتجاجي..هم موجودون في ذاكرة الناشطين. إن كتابات المثقفين والمفكرين وتجربتهم في مقارعة الأنظمة القمعية الاستبدادية شكلت عاملا مساعدا في دفع الشباب لاستكمال ما كان بدأه مثقفون ومفكرون سابقون. هذه التجارب موجودة في اللاوعي وتبقى مخزنة في اللاشعور ولا يمكن القول إن الشبان انطلقوا وبدؤوا من الفراغ تماماً ...تجربة رياض الترك مثلا كانت حاضرة في عقول وذاكرة الناشطين الشبان.. ليس كلهم لكن بعضهم..قمع الأحزاب السياسية والمنظمات المعارضة، كان حاضرا في اللاوعي واللاشعور للشبان ..هم لم يقرؤوا ذلك مستندين لتجربة مفكر أو كاتب لكنهم يملكون إحاطة عامة بظروف بلدانهم السياسية وطبيعة الأنظمة الاستبدادية.
 الباحث العراقي د.أحمد خيري العمري: دور المفكرين في الثورة ليس دور موظف تشريفات!
هذا السؤال الدارج الآن ، خاصة بعدما ورد في خطاب بشار الأسد في معرض جدله بأن ما تمر به سوريا ليس ثورة ، يعكس جهلا عميقا بفكرة الثورة وبجدل التغيير وبطبيعة دور الفكر في التغيير الاجتماعي..
السؤال يفترض جدلا عدم وجود مفكرين في الثورة السورية ، وهو أمر غير صحيح ولكن سأعود له لاحقا..المشكلة الأساسية في السؤال هي تصور أن دور المفكرين في الثورة يكون كدور موظف التشريفات في القصر الجمهوري ، مفكرو الثورات عموما لا يشترط أبدا وجودهم "الآني المباشر " في أحداث الثورة ليطلق عليهم لقب مفكري الثورة ، مفكرو الثورة الفرنسية الأكثر تأثيرا في العصر الحديث ، وهم جان جاك روسو ، فولتير ، ومونتيسكو ، لم يعاصر أي واحد منهم الثورة الفرنسية ، بل ماتوا جميعا قبلها بسنوات ، لكن أفكارهم كانت موجودة في الثورة ،تفاعلت مع أشخاص قياديين تمكنوا من التعبير عن الجماهير في مرحلة ما ..أيضا شهدت الثورة الفرنسية تأثيرا لمفكرين غير فرنسيين ، مثل توماس بين –البريطاني الذي هاجر إلى أمريكا والذي كان مدافعا عن الثورة الفرنسية أكثر من الفرنسيين..
إذن لا يشترط في مفكري الثورة السورية –أو أي ثورة- أن يكونوا موجودين ضمن متظاهريها أو حتى معاصريها ، كما لا يشترط أن يكونوا من الحاصلين على الجنسية السورية ليكون ذلك معبرا للتفاعل بين أفكارهم والثوار..
كل مفكري الإصلاح والنهضة ،ممن أنتجوا باللغة العربية ، كان لهم بصمة وأثر في هذه الثورة المباركة ، من الكواكبي حتى جودت سعيد -سواء اختلفت معهم أو اتفق في هذا التفصيل أو ذاك- ، بعضهم أزهقت روحه في قطر آخر من أجل ما يناضل من أجله السوريون اليوم..أصحاب البصمات كانوا مختلفي التوجهات حتما ، لكنهم ساهموا حتما في هذه الثورة حتى لو لم يقرأ المتظاهرون كتبهم مباشرة ، لكنهم ساهموا في إنتاج نخب تمكنت من التفاعل مع الجماهير وقيادتها في اللحظة الحرجة..
بالنسبة للثورة السورية تحديدا ، أستغرب جدا أن يقال ثورة بلا مفكرين ، هل يجروء أحد على الادعاء بأن برهان غليون ليس مفكرا ؟ بغض النظر عن مستوى أداءه السياسي ..
ثم أن هذا الإدعاء يتجاهل التغيرات التي طرأت على وسائل الإعلام ووسائل التواصل في العقد الأخير ،..هناك اليوم على صفحات التواصل الاجتماعي "مفكرون" لا يجحد جدية فكرهم إلا حاقد ، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : مجاهد مأمون ديرانية ، أحمد ابا زيد ، أحمد ابو الخير ،إيمان محمد ، ياسر تيسير العيتي.....وكلهم يشتركون في تقديم فكر ثوري خالص يعبر عن ثوار سوريا..
كما أن للشيخ علي طنطاوي، المتوفي منذ أكثر من عقد من السنين ، دورا لا يمكن إنكاره ، في هذه الثورة..وبعض كتاباته تكاد تشعرك أنه في ساحات التظاهرات والقتال ضد النظام الطاغي...

 الفنانة لويز عبد الكريم: صوت العقل والمنطق غُيّبْ ..
من كان في الداخل لا يستطيع إلا أن يكون صوت عقله مسموعاً ممن حوله، ومن خلال المجموعات التي يلقاها... يعني الدائرة التي يتحرك بها .... من هم في الخارج اكتفوا بمقالات لا تصل إلى جميع السوريين للأسف.
و بما أن الثورة ثورة شعب، فصوت العقل والمنطق غُيّب ولم يسمع بالشكل اللازم .... وبما أن حجم الخراب أكبر من التوقعات ... فالناس هربت إلى الملهم ... والملهم في حالات الألم و القهر والضعف هو رب العالمين ... أيضا كان هروب المثقفين و العقلاء لأنهم يؤمنون بالحياة أكثر من الموت ... كل هذا أضعف صوتهم ..
 ومع هذه الشهادات كان يفترض أن نختتم تحقيقنا إلا أن شهادات وردتنا من باحثين وكتاب سوريين بعضها سيناقش ربما ما جاء في بعض الشهادات ،فاتحين المجال أمام جدل فكري يغني الحالة الثورية ويضعها على حافة سؤال ليس مجرد سؤال وحسب ، بل السؤال الذي يقتفي أثر الحقيقة ويستنطقها ..
فالبقية تأتيكم غداً .. وإنه لقريب ..

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات