بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
اليسار السوري وتخاذله مع الثورة!
  22/01/2013

اليسار السوري وتخاذله مع الثورة!


حذام زهور عدي* - أورينت نت


اشتهر المفكر والفيلسوف الأمريكي (فوكوياما) عند المثقفين العرب بكتابه (نهاية التاريخ) ذلك لأنه رأى فيه أن التطرف الإسلامي (الإرهاب) أصبح يمثل الطرف الآخر من معادلة الحرب الباردة أو الساخنة بديلاً عن المعسكر الإشتراكي المنهار والذي خرج من ذلك الصراع, وأن الصراع مع هذا الطرف الجديد (بوحشيته وهمجيته !!) يحقق نهاية التاريخ, لكنٌ كتابا آخر نشر حديثاً له هو (بداية التاريخ)* يجد من يقرؤه نوعاً من التناقض أو الاختلاف بينهما.
يرى فوكوياما أن الدولة تقوم على عناصر ثلاثة, إن اختل أحدها اختلت الدولة وتحولت إلى دولة فاشلة غير قادرة على التحكم بأمور شعبها وتسييس سياساتها وهي:
- قوة الجهاز الرادع (الجيش والشرطة وملحقاتهما)
- قوة القانون (قدرته على حل الخلافات بين الأفراد وبين المجتمع والسلطة)
- قوة الشعب في محاسبة السلطة بإدارتها للقوتين السابقتين.
في حوار بين فوكوياما والمفكر الفرنسي (ميشيل سيور) حول كتابه (بداية التاريخ) سأله الأخير عن الربيع العربي، فرد ردا إيجابيا إذ قال ما معناه: لا يمكن نيل الديمقراطية إلا من خلال تعبئة اجتماعية تستند على غضب الجماهير وسخطها من تعامل الحكومة المتسلطة معها، وهذا ما كان من حال شعوب الربيع العربي**.
لكنه عندما سئل عن الحالة السورية قفز شبح التطرف الإسلامي أمامه، محولا إياه إلى النقيض، فتوقف عند قوة الدولة على الإمساك بقوة الحكم وقوة ردعها، وغابت عنه العناصر الأخرى، ثم أبدى خشيته من تفكك الدولة السورية وفقدانها قوتها ومن سقوط نظام علماني لصالح نظام متشدد إسلامي،. بالطبع لم يهتم فوكوياما بعناصر نظريته الأخرى (القانون، الشعب الذي يحاسب) المفقودة كليا في الدولة السورية، وبالتالي فإن هذه الدولة عرجاء تقف على رجل واحدة، حسب نظريته نفسها، مما سبب اختلال توازنها وسقوط سلطتها!
 اليسار العالمي: برود وخذلان!
قد لايكون فوكوياما على معرفة بتفاصيل الحال السوري، أو إذا أحسنا الظن قلنا: إن مجال الحوار لم يتسع لها، لكن ما لفت نظري هو موقفه الذي استدعى لدي موقف اليسار العالمي، كما استدعى صور الساحات العربية والأوروبية والعالمية التي كانت تكتظ دوما بالهتاف للحرية والعداء للعنف والعنصرية والأنظمة الفاشية، وكيف تعاملت مع الحالة السورية ببرود غير متوقع، بالرغم من الوحشية المفضوحة لتعامل النظام مع شعبه.
بدءا ظننت أن المنظمات السرية لها الدور الأكبر في مثل هذا البرود، لكن نصرة (غزة) التي ملأت معظم هذه الساحات سابقاً جعلتني أدفع هذا السبب إلى المؤخرة, وأعمل التفكير في الأسباب الأخرى. نحن نلمس حقاً الشعور بتعاطف الشعوب العربية لكنّه لم يصل لمســـــتوى المظاهرات العارمة المؤثرة في حكوماته وفي الرأي العام، كما نلمس تعاطف شعوب العالم لكنّه أيضاً لم يصل إلى الضغط على حكوماتهم لتبديل مواقفها أو جعلها أكثر فعالية تجاه الثورة السورية، أمّا في الولايات المتحدة فقلّة من شعبها يعرف ما يحدث حقاً وفي روسيا مثل ذلك.
قد يكون للإعلام يدٌ في إيصال هذه المعلومات مبتسرة أو مهمشة لكن لا شكّ أنّ هناك عوامل أخرى.
أولاً: مازالت في العالم شعوب كثيرة تحت تأثير الصراع التاريخي بين الامبريالية الأميركية والإتحاد السوفيتي سابقاً ومايزال إدراكها قاصرأً لتعدد مراكز الإمبريالية المتوحشة وتنقلها بين الشرق والغرب. وفي ظنّي أنّ الإعلام الخارجي المصدّر للنظام السوري والذي يستند على معطياتٍ تتجاوب معظم شعوب العالم معها، منها إدعاء مقاومة السياسة الأمريكية بما تمثّل من عدوانية واستغلالٍ لتلك الشعوب وتفقيرها وتجهيلها وممارسة الاستعلاء عليها ومنها: اختطاف شعارات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي ورفع شعارات قومية (عدم توقيع معاهدة مع إسرائيل)، ومنها الظهور بمظهر علماني من خلال الشكل العصري لرئيس الدولة وعقيلته والمسؤولين المرافقين له.
ثانياً: العلاقات التي أقامها حزب البعث وسلطته مع كثير من المجموعات الغربية الناشطة وعلى رأسها الحركات الاشتراكية بدعوى أنّه حزب اشتراكي تقدمي، واستقبال وفودها التي لم ترَ من تقدّمية السلطة إلا ما أحبّت السلطة نفسها أن تُريها إياه، وقد استفاد الحزب كثيراً من عصر الاتحاد السوفيتي الذي أقام معه صداقات متميزة دعمها الحزب الشيوعي السوري الموالي لحزب السوفييت وحزب السلطة السورية الحاكمة.
ثالثاً: توظيف حافظ الأسد معركته ضدّ الإسلاميين (بخاصة حماة) على أنها من معارك محاربة الإرهاب الإسلامي، ممّا جعل الغرب والشرق يغضّان النظر عمّا أصاب المدينة من خراب والإنسان من دمار، وقد أعطى هذا التوظيف نتائج أكبر بعد حادثة الحادي عشر من أيلول الأميركية المشهورة وأنتج تعاوناً واضحاً بين أجهزة الأمن السورية والأميريكية.
رابعاً: محاولة توازن السياسة الخارجية للنظام السوري من خلال إشراع أبواب العلاقات مع تركيا والغرب وفتحها على مصراعيها (الاتحاد الأوربي – الشراكة الأوربية – الإتحاد من أجل المتوسط) (والتفاهمات السرية مع السياسة الإسرائيلية – الأوربية – الأميريكية)، وتحقيق نفوذ إقليمي ماكان ليتمّ لولا تلك التفاهمات السلطوية والشعارات الشعبويّة.
خامساً: ضعف المعارضة الشعبية الداخلية وتحولها إلى همسات خافتة بين أفراد الشعب وإلى صوت متواضع لدى النخبة التي دفعت غالياً ثمنه من سنوات حياتها وضيق معيشتها، هذا الصمت سمح للنظام بالظهور بمظهر من يحقق الأمن والأمان لشعبه في عصر يمور بالاضطراب والفوضى.
سادساً: قدرة النظام الأسدي على إنتاج حبوب الديماغوجيا القومية التي نوم فيها الشعب السوري والشعوب العربية, فأثرت على معظم العامة ولم يفضحها من مثقفي الخاصة إلا القليل الذي قُيّض له التّماس المباشر مع نظام الأسد وعناية الله التي عصمت نزاهته من إغراء البيع والشراء الذي كانت أجهزة النظام تجيده بأشكال مختلفة.
سابعاً: الإحباط الذي أصاب معارضي الخارج وأضعف نشاطهم عن تجييش الرأي العام المحيط بهم، إذ لم يملكوا الأمل بالتغييركما لم يملكوا الشجاعة لمواجهة القمع غير المحدود الذي كان يطال أسرهم حتى الدرجة السابعة وقت الأزمات ويقتصر على الدرجة الثالثة وقت استرخاء السلطة وشعورها باستقرار أحوالها، بل خوفهم في - كثير من الأحيان - من مواقف الأنظمة المستضيفة لهم، والتي غالباً ما كانت متأثرة بالعوامل السابقة، فإنّ أية سلطة لا تحبّذ اضطراباً ماعلى أرضها لصالح دول وشعوب غريبة عنها ولا سيما الشعوب الخامدة الخاملة.
ثامنا: تداخل مصالح البرجوازية السلطوية السورية الصاعدة بمصالح مثيلاتها من أصحاب الأنظمة العربية والعالمية، وقد لعب العامل الاقتصاي هذا ولا زال دوراً مهماً في منع الجاليات السورية شرقاً وغربا من التعبير الحرّعن مشاعرها ومن العمل على تحشيد الشعوب المضيفة لصالح قضيتها.
 اليسار السوري: تفتت وبعد عن الثورة؟!
إنّ الأنظمة الديمقراطية العالمية تبني سياساتها على آراء شعوبها ومواقفهم ولا يخفى أنّ القضايا الإنسانية تحتلّ قلب تلك المواقف، وبالرغم من كلّ ما سبق فإنّ كثيراً من دول العالم - وأخصّ التي ليس لها مصلحة مباشرة مع التغيير في سوريا – ما كانت لتتخذ حتى المواقف الكلامية لولا أنّ قضية الثورة السورية هي قضية إنسانية بالدرجة الأولى وهي على يقينٍ بأنّ شعوبها ستحاسبها على مواقفها منها، ومن هنا تأتي أهمية التحرك الفعّال للجاليات السورية وبخاصة اليسار العربي والعالمي لدعم وبناء المواقف المناصرة للثورة السورية، إنّ تفتّت اليسار السوري وعدم قدرته على إقامة تحالفات قوية مع أمثاله بالعالم ومع مجموعات أخرى كمجموعات الخضر أو مجموعات حقوق الإنسان المتنوعة، يعتبر سبباً مهمّاً من أسباب تراجع الموقف العالمي تجاه الثورة السورية، فمثل هذه التحالفات هي التي تشكل النواة الأولى لأيّ تحشيد جماهيري في العالم.
إن موقف بعض اليساريين السوريين المتأخر أحياناً والبعيد عن الثورة أحياناً أخرى يلعب دورا في هذا المجال، وهو راجع لأسباب مختلفة من بينها تماهيهم مع ادعاء النظام للعلمانية!! ولست أدري كيف يقتنع مثقف بعلمانية تعتمد على الطائفية والحركات الصوفية وقوانين عثمانية في المحكمة الشرعية, إلا إذا كانت علمانيته خوفاً وجبناً..إلخ..أو انفصالا وعزلة عن نبض الشعب.
إنّني أستغرب حقّاً مواقف مثقفين غربيين أمثال فوكوياما من الثورة السورية، وأرفع إصبعي بقوة بوجه المثقفين السوريين والعرب الذين لم يستطيعوا بذل الجهد الذي تستحقه القضية السورية، ولم يتغلغلوا بمفاصل الحياة للمجتمعات التي يقيمون بين ظهرانيها، فالشعب السوري في محنته لا يحتاج منهم تدبيج مقالات يخاطبونه فيها فهو أعلم بمعاناته منهم. وليس بحاجة لتنازعهم على مناصب تمثيله السياسي، إنمّا هو بأشدّ الحاجة لأصوات جماهير العالم وشعوبه تكتظّ في ساحاتها منادية بالحرية له متوعدة بالحساب العسير جلّاديه محرجة حكوماتها ودافعة لها لمواقف أكثر جدّية وفاعلية.
إن نشاط الجاليات السورية بجمع التبرعات والعمل الإغاثي واضح وملموس، كما يمكن أن يكون أكثر تنظيماً وفاعلية، لكن تحشيد جماهير العالم وشرح القضية السورية لهم لا يقل أهمية عن ذلك النشاط إن لم يفقه تأثيراًوالثورة اليوم تحتاج بشدة إليه.
بحرقة دماء الشباب الأحرار أُناشد تلك الجاليات يمينها ويسارها التوحّد وبناء استراتيجية نشطة وفاعلة لتوزيع العمل من أجل تحشيد الرأي العام العالمي بما يليق بالثورة السورية وتضحياتها وليتركوا عجين الداخل لخبّازيه الثوريين، وليبدؤوا بخبز عجينهم بعد أن فاحت رائحته.

هوامش
*الاسم الذي اختارته دار النشر الفرنسية عند ترجمتها للكتاب المذكور
** نقلا عن صبحي حديدي في مقالة له، القدس العربي 2 ديسمبر 2012

لتبقون على تواصل دائم معنا والاطلاع على موقعنا تابعونا على الفيس بوك عبر الضغط على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/jawlan.org?ref=hl

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات