بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
يساريون سوريون ضد الثورة
  14/04/2013

 

يساريون سوريون ضد الثورة


خطيب بدلة- أورينت نت


فوجئنا، منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة السورية، بأن (معظم) القوى اليسارية السورية ليست مع الثورة، مع أنها تُصَنَّفُ في خانة القوى (الثورية).. وليست مع الحرية! (مع أنها- يُقال- تحررية!) وليست، كذلك، على الحياد، وإنما أعلنت دعمها غير المحدود للنظام القائم، ذي السجل الحافل بالقمع والإرهاب ومصادرة الحريات.
صديقي المرحوم، الأديب تاج الدين الموسى، لم ينتظر ليسمع رأي الحزب اليساري الذي ينتمي إليه بالثورة، وسرعان ما انخرط فيها، كما هو معروف.
التقينا، تاج وأنا، ذات ليلة خميس، في بدايات الثورة، بأصدقاء من الحزب الشيوعي السوري، في مزرعة أحد أصدقائنا بإدلب.. ومنذ لحظة دخولهم، أراد الرفاق أن (يأخذوا قلبنا)، مثلما يفعل الضبع في الشتاء حينما يرشقُ الوحل على فريسته لكي (يأخذ قلبها)، فقال أحدهم:
الآن حضر رفاقٌ لنا من جبل الزاوية، أعلمونا أن أهل الجبل يُحَضِّرون لمظاهرة ضخمة غداً الجمعة، وسينزلون إلى مدينة أريحا، لكي يُحرجوا أهلها ويُجبروهم على التظاهر.
وأضاف: وقد أكد لنا رفاقُنا أن المشاركين في المظاهرة هم من القوى الظلامية! (هكذا قال حرفياً).. فانبرى تاج الدين يقول: هذا الكلام مدهش. انظروا المفارقة.. فالقوى (الظلامية) خرجت تطالب بالحرية، بينما نحن (اليساريين، الديمقراطيين، التحرريين، التنويريين) ندعم نظام الحكم الشمولي (الظلامي(!
والحقيقة أن دهشة صديقي تاج من موقف الرفاق الشيوعيين مما يجري في بلادهم كانت، ليلتئذ، مبنية على عاطفته النبيلة، أكثر مما هي مبنية على الوقائع.. فإذا تركنا جانباً الأساسَ النظري للشيوعية الذي يقول بـ (ديكتاتورية) البروليتاريا.. (مع مراعاة الخلافات التي نشأت حول هذا المبدأ الاستبدادي بعد البرويسترويكا).. يمكننا أن نتوقف عند بعض المواقف ذات الدلالات الواضحة التي تغني الموضوع. ففي التسعينيات من القرن العشرين، أيام البرويسترويكا، أخذت صحيفة "أنباء موسكو" تتبنى الديمقراطية على نحو لا لبس فيه، وسرعان ما نهى (بعضُ) القادة الشيوعيين السوريين رفاقَهم في القواعد عن شراء الجريدة، أو متابعتها، موضحين لهم أن هذه الصحيفة صهيونية، ماسونية، تسعى لتقويض النظام الاشتراكي في روسيا خاصة، ودول الاتحاد السوفييتي عامة.. وضرب الآمال الاشتراكية عند الشعوب المستضعفة!
ومما نشر- تلك الأيام- في "أنباء موسكو" أن الرفيق البروليتاري الأممي العظيم جوزيف ستالين، قَتَلَ، أثناء إجبار الناس على اعتناق الشيوعية، حوالي (20) مليون إنسان من قوميات وأديان مختلفة ضمن نظاق دول الاتحاد السوفياتي..
اشمأزَّ قائدُ أحد الأحزاب اليسارية السورية من هذا الخبر، واشمأنَطَ، وزعل، وغضب، وسخط، ونخط، وكان متكئاً فجلس، ثم وقف، وضرب الجريدة بالأرض، ثم داس عليها ومعسها مثلما يمعس عقب السيجارة المنتهية، وهو يقول:
بالفعل هذه جريدة صهيونية!.. أولاد الكلب.. يقولون إن الرفيق ستالين قتل (20) مليون بني آدم؟!!.. وكأننا لم نقرأ التاريخ.. الرجل لم يقتل سوى ستة ملايين إنسان!.. والله على ما أقول شهيد. (بصراحة، الرفيق المناضل لم يقل "والله على ما أقول شهيد"...

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "

روى لي الصديق (ع. أ).. وهو شيوعي قيادي قديم فُصل من كافة الأحزاب الفصائل الشيوعية بسبب ولعه بـ (الديمقراطية)، واقعة يمكن أن تلخص موضوعنا الذي نحن فيه. قال:
رشح الحزبُ الشيوعي لعضوية مجلس الشعب السوري في أوائل التسعينيات زوجةَ الأمين العام (لاحظوا الطبيعة العائلية التي اتخذها هذا الحزب الأممي!).. وقد جرى (تعيينُها) عضواً في المجلس باعتبار أن اسمها نزل في قائمة الجبهة الوطنية التقدمية..
(كان صدور قائمة الجبهة يعني معرفة أسماء الناجحين قبل بدء الانتخابات بأسبوع على الأقل، وكان الفائزون بالقائمة يحتفلون بالنجاح قبل الانتخابات، ويدبكون، ويصفقون، ويلقون أشعاراً وأزجالاً، ويطلقون النار في الهواء..!!!)..
في أول جلسة لمجلس الشعب، ألقى الأعضاءُ الذين جرى (تعيينهم) لهذه الدورة، كلمات عبروا فيها عن امتنانهم للقائد التاريخي حافظ الأسد، وكنا نحن الشيوعيين نتفرج، ونستهجن ما يجري، وننتظر كلمة رفيقتنا التي- لا ريب- ستكون مختلفة.
ولكن الرفيقة.. ويا للكارثة!.. ويا للعار!.. ألقت كلمة استطاعت، من خلالها، أن تتغلب على الآخرين كلهم، بما فيهم جماعة المنافق الكبير صفوان قدسي، في كيل المدائح للديكتاتور حافظ الأسد.
أجريتُ على الفور، اتصالات مع بعض رفاقي، فوجدتهم منزعجين مثلي وأكثر، وفي أول اجتماع للقيادة تقدمنا بمذكرة طالبنا فيها الرفيقة بالاعتذار لقواعد الحزب وكوادره عما بدر منها في مجلس الشعب.
الخلاصة، وبلا طول سيرة، لم تعتذر الرفيقة، وحينما راجعنا الأمين العام، لم يشأ أن تطلع زوجته بالخجلة، فقال لنا إن ما قالته الرفيقة كان بعلمه، بل وبالاتفاق معه. وحينما وجد الأمين العام أن الحزب سينشق، بناء على هذا الموقف.. لم يأبه لذلك.
ومن يومها، يا صديقي، أصبحت الأحزاب الشيوعية وغير الشيوعية (الجبهوية) تتبارى في تأليه الديكتاتور حافظ الأسد، ومن بعده ابنه. وأصبح القائد يأمر، والأحزاب تنفذ. والعوض بسلامتك.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات