بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
سوريا تفقد أبناءها.. بين الرصاص والهجرة
  21/05/2013



سوريا تفقد أبناءها.. بين الرصاص والهجرة

طارق العبد


لم تعد قسوة الحياة في سوريا تتوقف عند حدود حمامات الدم اليومية، فهناك مشاهد أخرى لا تقل قساوة، وتبدأ من الحشود أمام مقار الهجرة والجوازات وصولاً إلى البحث عن دول تستقبل السوريين من دون تأشيرة دخول، ومعها ازدحام يومي على المعابر الحدودية والمطارات لترتسم صورة عن أكبر موجة هجرة شهدتها البلاد. قد يبدو ذلك عادياً أمام مشهد الدم والقتل اليومي وتراجع المساحات الآمنة، ما يفرض على كثيرين حزم أمتعتهم وشد الرحال إلى دول امتدت من المنطقة العربية إلى أوروبا وغيرها. وباختصار سوريا تودع مواطنيها، إن لم يكن بالموت فبالهجرة.
البحث عن جواز السفر
الازدحام هو الحاضر الأكبر في مختلف مراكز الهجرة في سوريا. وفي دمشق تحديداً تجد ثلاثة مراكز تابعة لوزارة الداخلية لإصدار جوازات السفر، جميعها يشهد ازدحاماً غير مسبوق من ساعات الفجر الأولى وحتى منتصف الليل. ويعمل الموظفون فيها حتى ساعات متأخرة، وحتى في أيام العطل، حيث يطبع حوالي 4500 جواز سفر يومياً.
ولا تتراجع حدة الازدحام الهستيري، حتى وإن كانت عملية الحصول على الجواز العتيد معقدة، وخصوصاً بالنسبة للشباب الذي يواجه الخدمة الإلزامية، إذ يتطلب الأمر في البداية الحصول على موافقة شعبة التجنيد في منطقة الشاب مُقدم الطلب، بالإَضافة إلى إثبات أنه طالب جامعي أو موظف، ليستطيع من بعدها تقديم أوراقه لمكتب الهجرة والجوازات.
وبسبب الازدحام الشديد، أصبح الأمر تجارة رائجة، فإذا أراد طالب الجواز الحصول عليه بسرعة، فإنه يجد من يتعهد بتأمينه مقابل مبلغ قد يصل إلى 50 ألف ليرة سورية (500 دولار).
وتتنوع أسباب السفر، ولكنها جميعها يصب في خانة واحدة، وهي فقدان الأمان، والكلام لطالب جامعي يدعى عادل (23 عاماً).
ويقول عادل «لا يوجد مكان آمن في البلاد، فكل المناطق أصبحت تحت رحمة الصواريخ أو القذائف العشوائية، فيما يقترب القتال من العاصمة شيئاً فشيئاً، وبالتالي لم يعد من السهل التوجه إلى الجامعة». ويضيف «فقد والدي مورد رزقه، ولم يعد أمامنا سوى السفر إلى الخارج».
هذا الموقف الصعب يشرحه الطبيب عبد الله (28 عاماً) بالقول «أعرف جيداً أن صوت العقل يتراجع في البلاد بين اعتقال وقتل وتهجير لتترك الساحة أمام الأصوات المتطرفة، ولكن ما السبيل أمام حملات القصف اليومية والاعتقالات التي قد تكون تهمتها فقط الانتماء إلى محافظة تعيش الاضطرابات والمعارك».
ويبدو وضّاح (26 عاماً)، وهو مهندس، أكثر تشاؤماً. ويروي قصته قائلاً «تخرجت من الجامعة قبل سنتين وبدأت العمل فوراً، ولكن الحياة أصبحت مأساوية مع تراجع الدخل وخطر فقدان العمل في أي لحظة». وقد انتظر وضاح ثلاثة أشهر قبل أن يحصل على جواز سفره أخيراً. ورحلة جواز السفر لم تكن بسيطة، فقد تخللها الوقوف في طوابير الانتظار ست ساعات متتالية.
وللمدرسة رويدة (30 عاماً) قصة طويلة، تبدأ بالنزوح وتنتهي بالهجرة. والشابة نزحت في البداية من حمص إلى الرقة، ثم دير الزور فدمشق، لتحسم قرارها بالمغادرة مع أسرتها البلاد. وهي تتوقع أن تزيد موجة الهجرة بمجرد أن تنتقل المعارك إلى قلب العاصمة دمشق، التي لم يعد فيها مكان لنازح واحد، بحسب قولها.
وتوقع موظف حكومي، فضل عدم ذكر اسمه، أن تشهد الأيام المقبلة ضغطاً كثيفاً إثر إعلان وزارة الداخلية توقف إصدار جوازات السفر طيلة عشرة أيام بسبب تعطل الأجهزة، ما يعني أن أزمة جديدة ستضاف إلى مشاكل البلاد.
لبنان ومصر المحروسة أولاً
لا وجود لأرقام واضحة عن عدد المغادرين للبلاد، ولكن الرقم الأخير الذي تحدثت عنه الأمم المتحدة وصل إلى مليون ونصف مليون لاجئ، وهذا الرقم يعتمد فقط على المسجلين في وكالات اللاجئين.
ويتصدر لبنان وجهة المغادرة الأساسية سواء للاستقرار فيه أو للانطلاق منه عبر مطار بيروت إلى باقي الدول، بحسب الأمم المتحدة.
وتعتبر مصر الوجهة الأكثر رغبة بالنسبة للباحثين عن الاستقرار (حوالي 67 ألفاً)، على اعتبار أنه يمكن الدخول إليها من دون تأشيرة، بحسب ناشطين سوريين في مصر. كما أن قرار الرئيس المصري محمد مرسي الذي ينص على معاملة الطالب السوري كما الطالب المصري، فتح المجال أكثر أمام الطلبة لمتابعة حياتهم الجامعية.
وتستضيف الجزائر حوالي 25 ألف سوري، فهم أيضاً ليسوا بحاجة إلى تأشيرة دخول، بحسب ناشطين سوريين في الجزائر. والمشهد ذاته يتكرر في منطقة كردستان العراق التي تضم 70 ألف شخص، معظمهم دخلوا عبر المعابر الحدودية في شمال شرق سوريا.
 

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "


وتبدو الأرقام بالنسبة لتركيا والأردن ضبابية، على اعتبار أن بعض السوريين قد دخلوا بصفة لاجئ، واستقروا في المخيمات، فيما دخل آخرون بجوازات سفرهم واستقروا في المدن التركية والأردنية. والدولتان أيضاً تستقبلان السوريين من دون تأشيرة دخول.
ولكن حكومة عمان بدأت في الفترة الأخيرة بفرض إجراءات مشددة على القادمين من سوريا سواء عبر المطارات أو عبر المنافذ الحدودية. الأمر الذي ينسحب أيضاً على دول الخليج.
ومن بين الدول الأوروبية، التي تفرض قيوداً أكثر تشدداً، يبدو أن ألمانيا هي الأكثر تساهلاً تجاه استقبال السوريين، وذلك بالرغم من انتقال الكثير منهم، وخصوصاً المعارضين، إلى القارة العجوز، وفرنسا بشكل خاص، في الأشهر الأولى من عمر الأزمة.
ظاهرة أخرى بدأت بالظهور، وتتمثل بعودة جزء من السوريين إلى بلادهم، ولكن ليس لمعاودة حياتهم بل للانضمام إلى المعارضة المسلحة والقتال في صفوفها. وهؤلاء يدخلون البلاد أما بطرق غير نظامية أو عبر المنافذ التابعة لسيطرة المعارضة المسلحة، وعددهم ليس بالقليل، ولكن لا وجود لأرقام واضحة حيال هذه المسألة.
وفي المحصلة تفقد سوريا يومياً أبناءها إن لم يكن بالرصاص والقذائف فبالهجرة إلى الخارج. وأبناء الوطن يعلمون جيداً أن عودتهم إلى بلادهم ليست قريبة، وربما لن يعودوا قبل انتهاء الحصرم الشامي ويوميات الدم والنار.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات