بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
فَلَسطَنة سوريا
  01/07/2013

فَلَسطَنة سوريا

في سوريا، بعد أكثر من عامين من الثورة، يمكن القول إن لغتنا باتت “فلسطينيّة”، إلى درجة كبيرة من التطابق المؤلم: أصبح عندنا نازحون داخليون وﻻجئون في الشتات، بعضهم يقيم في “مخيمات لاجئين”… مناطق فيها “كفاح مسلّح”، ويسهل أن تسمع أحد أبناء هذه المناطق يزايد على ابن منطقة ﻻ تكافح بالسلاح، ليرد الآخر على الأول باتهامه بالتهوّر أو الانتحاريّة… هذا عدا خطاب المظلوميّة الذي بات نسخة عن المنطق السائد لدى الفلسطينيين: المجتمع الدولي خذلنا، “عدوّنا”، المُحصّن في المحافل الأممية بفيتو دولة عظمى، ينتهك كل القوانين الدوليّة، في حين تركّز وسائل الإعلام العالميّة على تجاوزات سلاحنا وتُهمل استخدام كلّ أنواع الأسلحة ضدنا وارتكاب المجازر بحقّنا… وهناك خذلان العرب ودعاء أمهات الشهداء على ملوكهم، الطقس الذي ﻻ يغيب عن اللحظات التالية على المجازر بالألم نفسه الحاضر في في محطات التاريخ الفلسطيني كافة.
على أن اللغة لم تكتسب فلسطينيتها وحدها. السياسة السوريّة المعارضة أصبحت أيضاً فلسطينيّة. تبدأ المتوازيات بوجود ساسة في الخارج، ﻻ رضى داخلياً عنهم، أسوةً بالحقبة التونسيّة من تاريخ “منظمة التحرير”. ونجدها أيضاً في العراك الرمزي على منصب “الممثل الشرعي والوحيد”، والذي يُقدّم أيضاً كإنجاز ينبغي الحفاظ عليه وعدم “شقّ” صفوفه. لكن الشبه الأخطر نجده في اﻻرتكاز المُبالغ فيه على حتمياتٍ مُفترضة. فالخفّة التي دخلت بها “منظمة التحرير” مُعترك عملية السلام استقت مبرراتها بشكل كبير من الإيمان بأنه، مهما كثرت التفاصيل وتعقّدت، لا بد أن نهاية الطريق هي دولة فلسطينية عاصمتها القدس. هكذا استُبدل التفاوض اﻻستراتيجي المُحضّر له بحرفيّة، ببازار مُكتسبات رمزيّة، فقدت معناها بتبلور مآل عمليّة السلام. ألم تكن لدينا حتميّة مُشابهة مفادها أنّ انتفاضة الشعب السوري ستُسقط نظام الأسد وتمسحه بالكامل بشكل أوتوماتيكي؟
يتضح الآن أن المعارضة السورية، منذ اندلاع الثورة، تعاملت مع الواقع بالخفّة نفسها، المُستندة إلى حتميّة سقوط النظام بقوّة النضال الشعبي. وبالتالي، ليس على المُعارضين سوى العمل على تجهيز موقع جيّد للحظة سقوط النظام. لذلك، سادت اللغة الشعبويّة المُكررة لشعارات الشارع، من دون ترجمة سياسيّة ذات قيمة. وكثرت المُشاحنات الحزبيّة والشخصيّة الضيقة داخل الأجسام السياسيّة (المجلس الوطني أولاً، ثم اﻻئتلاف الوطني) والتي يُفترض أن تكون قائدة المرحلة اﻻنتقاليّة التالية على مسح المدّ الشعبي لكلّ نظام بشار الأسد، ونُقل أن جماعاتٍ سياسيّة خزّنت سلاحاً لاستخدامه بعد سقوط النظام وليس لإسقاطه.
لعلّ هذا يُفسّر واقع المُعارضة السياسيّة، المُتخبّط اليوم، جراء تغيّر الصورة بشكل كامل. المطروح اليوم هو عملية سياسيّة شاقة في ظرفٍ دوليّ صعب، وأمام خصم ما زال محافظاً على قدر كبير من التماسك ومقدرة قاتلة على الإيذاء، يُساعده في ذلك الموقف الصلب لحلفاء يراهنون عليه. هل سنسمع، مع اقتراب موعد استحقاق جنيف، تصاعداً في خطاب المعارضة حول خذلان الحلفاء وخداع الأصدقاء لتبرير التنازلات المؤلمة بعد خطاب انتصارٍ جاء قبل أوانه بكثير؟
ثمة فارقٌ سوري- فلسطيني يكمن في غياب ياسر عرفات السوري. قد يعني هذا الفارق خسارةً، بمعنى غياب الرجل القوي والزعيم ذي المكانة والتاريخ النضالي، رغم أن نهاية “أبو عمّار” ﻻ تُبشّر بخيرٍ إن أردنا لها شبيهاً. لكن في هذا الغياب معنىً حميداً وإيجابياً، يتمثل في انعدام وجود من يمكن أن يتجرأ ويتصرّف منفرداً ليقول للسوريين بعد ذلك ما يُشابه شعار عرفات الشهير:”اللي مش عاجبه يشرب من بحر غزّة”.

ياسين سويحة

المركز الاعلامي السوري

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات