بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
"سنعود بعد قليل"... "فيَا قلبُ كمْ شرّدتنا رياح، تعالَ سنرجعُ هيّا بن
  20/07/2013

 "سنعود بعد قليل"... "فيَا قلبُ كمْ شرّدتنا رياح، تعالَ سنرجعُ هيّا بنا"

فاطمة عبدالله / النهار

تقول القصة ان الأب في سوريا يقهر الموت بالبقاء، وأولاده في لبنان غارقون في تيه قاتل. الشخصيات امتداد درامي لما يبقى من الأوطان المدمَّرة: التسكّع، التشوّه المعنوي، رفض الواقع، وعقاب الذات كرغبة عبثية في سحق الحنين.
ما عاد سرد التفاصيل ضرورياً بعد العموميات الموجعة، فأمام آهات الوطن، نحن الأفراد نحلّ ثانياً. المسلسل السوري اللبناني، "سنعود بعد قليل" (LBCI، و MBC)، اجتراح لمكان آخر لا يتراءى في العقول جدراناً تنهار على ملايين البشر. تبدو الشخصيات وكأنها مسار لا يتشابه، بيد ان التمعّن في بنيتها الفكرية والنفسية والعاطفية، يجعلها جميعاً موضوعاً واحداً: سوريا الكهل والأم والعامل والمثقف الضائع، والتفكك الذهني، والعلاقة الأحادية بنشرات الأخبار و"الفايسبوك" كتعويض ملموس عما تنتجه الحروب: اللقاءات اليومية المستحيلة.
ثمة عود كبريت يشعل رأساً يضجّ بصراخ الثكالى. المخرج الليث حجو يتوق الى الاشتعال، ربما تشبّهاً بسوريا. يُمسك النص ويشيّع قتلاه، فتكون البداية من شاب قتلوه ومثّلوا بجثته. هاء الغائب لئيمة، براثنها تغرز في جسد الضحية، قبل الموت وبعده. حجو ورافي وهبي (كاتب النص المستوحى من عمل إيطالي) ثنائي قرر ان السياسة والانسان يجمعهما الفشل وأمور أخرى. فإذا بسامي (عابد فهد) الابن البكر لنجيب (دريد لحام)، يدفع ثمن اخفاقات الحزب من علاقته بعائلته، وماله وصحته. يعنينا التوقف عند ضرب الأُسر (العلاقات المتينة)، الركيزة البنيوية للمسلسل. ليس اختراعاً كيميائياً القول ان أسرة نجيب، الصامد في الشام، تكثيف لشرذمة وطنية اختارت لبنان ملجأ. الجميع سوريون، ولكن السوريين ما عادوا جميعاً اسرة واحدة، كما ان سامي شقيق فؤاد (قصي خولي) وكريم (باسل خياط) وراجي (رافي وهبي)، أخوة مع التحفّظ.
متعب ان بعضهم من حولنا يفشل كل يوم. تغني أم كلثوم "الأمل" وبشر يقتلون بشراً. نروح نبحث عن شخصية متماسكة، والبحث كما هو معلوم، سلوك يصيب بالأرق. لا أحد! حتى ريم (كارمن لبّس) التي تبدو من عشاق الحياة، تجد نفسها تتعلّق بكريم المتزوّج من لينا (سلافة معمار) الآتية بالقهر من الشام الى بيروت.
هروبٌ آخر، انها حكايات نرويها عن وطن يتعذّب. دينا، ابنة نجيب (نادين الراسي)، كالمرأة حين تعوّض غياب الزوج والأب والأخ والصبي الذي لم تنجبه، بأول رجل افتراضي يغازلها عبر "الفايسبوك". تهدّم كل شيء، فصار البحث عن السعادة بمثابة جريمة أخلاقية ترتقي أحياناً الى مرتبة الخيانة العظمى. بعضهم موظف في دور جابي الضرائب.
تُكتب في دريد لحام كلمات ذكية، كأن يكون رمزاً لرغبة السوريين في عقل حبذا لو رأى في امتصاص المطالب حلاً بديلاً للعنف، وإنما الحلول البديلة هي الأخرى ميتة. رسائلك تصل يا حجو، وأشكالها مرعبة. وكثير من الواقع السوري الموجوع يقف حزيناً أمام كاميرتك مثل لوحة طغى عليها الطلاء الأحمر.
ليتنا لم نذكر الرسم واللوحات. ألا تكفينا رؤية راجي الرسام (أداء رائع لرافي وهبي) يتحطّم؟ تبدع تلك الشخصية اختزال اليأس: التدخين والمشروب، العجز أمام اسقاط المشاعر على اللوحة، التمسّك ببقايا علاقة عاطفية فاشلة، والقلق الوجودي على هيئة شابة تطرق الباب بعنف كل ليلة: "افتح لي. الله يخليك". ينهض ليجد الشارع خالياً من الوجوه والوحشة مهلكة، فينهار باكياً. لا يبقى من الصوت شيء. لكن البسمة التي سيرسمها على ثغر بائعة الورد الفلسطينية المشرّدة، قد تساوي الدنيا للحظات.
"سنرجع يوما" غنّت فيروز. "سنعود بعد قليل" ردّد الليث حجو بتفاؤل أكبر. تمرّ الأغنيات بمثابة ابتسامة، وتوق الى أمل لم يتحقق، لا في فلسطين، ولا في موطن دريد لحام... منذ زمن وسوريا لم تبتسم. في المقابر الجماعية أسنان بيض عاطلة عن العمل.



شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات