بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
سورية، إلى أين؟
  10/11/2013

سورية، إلى أين؟


د. يحيى العريضي: كلنا شركاء



سورية إلى أين ؟ سؤال انطلق قبل آذار 2011 , و عاش خلال انتفاضة أهل سورية، ولا يزال معنا , و سيبقى . البعض سأله بداية على أرضية الحذر و الخوف و الحرص ( أين تذهب البلد؟ … نريد تغييراً؛ ولكن…..)؛ و آخرون أطلقوه تطلعاً إلى خلاص من ربق عقود من الظلم والمواجع ( كيف يستمر الاستبداد؟ …. كفى؛ نريد قطع دابره….) ؛ و فريق ثالث غاب السؤال عنه كلياً لأن المسافة الزمنية عنده بين الولادة والمماة تساوي الصفر فلا مجال لديه إلا لملء المعدة و إفراغها و التوالد . ورابع طرحه العنصر الخارجي وتراوحت أطياف تطلعاته وإجاباته من ( حريص على النظام أو خراب البلد… اسرائيل…) إلى (مرعوب من وصول لهب الثورة إلى رعاياه … دول الخليج وآخرون) مرورا بالمتنافسين على الجغراسيا السورية (… إيران وتركيا …) وصولا إلى المحفل الأعلى وأدواته الأساسية أمريكا وروسيا وتجاذبهما القديم-الجديد. يبقى أخطرها الذي اغتال السؤال لحظة بروزه ؛ فقرر ألا يكون لسورية إلا أحد مصيرين ( له أو تُحرَق )

لا دخول في تفاصيل الطحين و خيمة الشتاء و المدرسة الغائبة و ضياع الأحلام صغيرها قبل كبيرها . و هذا واقع لا يحتاج إلى تسليط الضوء عليه أكثر فهو يصرخ في وجه و عقل كل آدمي على وجه هذا الكوكب .

ضمن هذه التجاذبات يبرز السؤال الأهم : هل مصير سورية بيد أهلها أو بيد السلطة؟ إذا كان وليد المعلم لايزال يتحدث عن السيادة، فقد يستبشر المرء بالخير أن مصير البلد لايزال على الأقل بيد السلطة ؛ و لكن يستغرب المرء أيضاً أن هناك من لايزال يتحدث عن السيادة و لايدرك أنه منذ أول لحظة أطلق جندي سوري رصاصة على مواطن سوري؛ على العاقل أن يترحم على السيادة . هذا ولم نذكر أن تسليم السلاح الاستراتيجي الذي يخلق توازن رعب مع محتل الأرض إلى المحتل ذاته و إلى داعميه. رغم كل ما يبذله النظام من جهود ورغم العمل الخيالي لإعادة تأهيله، فإن القبول به غدى مستحيلاً. أما الشعب وثورته ( رغم تعرض الثورة لكل أنواع التآكل) فإن وجوده وفاعليته وحقه كالشمس التي لا تحتاج إلى تأهيل ؛( فقط، مطلوب إعادة إطلاق الشعلة )

***

لنعد إلى تلك الأطراف التي ابتُليت بها سورية وثورتها؛ وكل ذلك الفعل الخارجي لم يكن إلا بتدبير خبيث من النظام، كي يمنح نفسه ذريعة للقتل، وفي الوقت ذاته ليتهم الآخرين بمد اليد إلى الخارج

سعت الإدارة ألأمريكية بكل بلادة للاجابة عن سؤال ” سورية إلى أين ؟” و لكن بطريقة تلميذ فاشل في المدرسة الكارثية البريطانية . المدرسة البريطانية تقول لفريق : “أنت على حق ؛ و لكن ….. ” و للفريق الخصم : ” أنت مخطىء , لذا ….. ” لتأكل من الجانبين . أما منهجية التلميذ الأمريكي الفاشل فتقول : ” أنت مخطىء و الثاني مخطىء و اسرائيل صح ” ومن هنا استعصاؤها و استعصاؤنا بالمعية . من هنا تراها أراحت نفسها ورمت بالملف السوري بيد روسيا التي ضمنت أنها لن تخرج عن تطلعات قاصرة تجاه مستقبل سورية، وفي الوقت نفسه منسجمة مع التطلعات الاسرائيلية للملف بناء على علاقات مافيوية تربط إدارة بوتين بمن يحكم اسرائيل.

أما القيادة الروسية التي نرى نصف مصيرنا بيدها فتتصرف في مقاربة ” سورية إلى أين ؟” كعربيد أترع معدته ببرميل من الفودكا فصار يرى” شيشنيا ” في دمشق و يرى أطفالنا ملتحين و كل ذلك أيضاً خدمة لاسرائيل و تثبيت تقديم أوراق اعتماده لدى المافيا الصهيونية التي سبقته إلى تل أبيب عام خمسة و ثمانين من القرن المنصرم .

ومن هنا؛ فإن كان العالم صادقا في رغبته بوقف عملية القتل الدائمة في سورية ، فإن عنوان موسكو واضح ؛ إن من أعدَّ صفقة تسليم سلاح النظام الكيماوي الذي قتل به الشعب السوري، يمكن أن يعد صفقة وقف قتل الشعب السوري بالسلاح التقليدي. يرى أحد الباحثين ان روسيا هي الوحيدة القادرة على ترويض الأسد؛ ولكن على العالم أن يتحمل مسئووليته في إقناعها بذلك. أما الاكثر أهمية ؛ فإن البعض يرى أنه على المقاومة السورية أن تعتبر أي شيء روسي هدفاً مشروعا لها. فإن لم تكن هي رأس الأفعى فهي على الأقل سمّها.

ايران من جانبها حددت اتجاه سورية منذ عام 2000 ؛ وزاد الترابط عام 2005 بعد اغتيال الحريري ، وعام 2006 إثر توقيع الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين؛ وتحديداً شراء البلد التي تفاجأت بمن يلعب بمصيره بكل رعونة و غباء . من أجل أطفاء حرائق ( البلد الصفقة ) أحرقت ايران خزينتها و أحرقت ورقة القدس و ورقة حزب الله ؛ و لكن أخيراً قررت أن تلعب فوق الطاولة، فهي بصدد بيع ما تبقى من صفقتها \ سورية \ فوق الطاولة ؛ ولمن ؟ ( لأعدائها ) اسرائيل .

تركيا أيضا حلمت أن تشتري سورية عن طريق بشار الأسد؛ و قطعت شوطاً من السمن والعسل إلا أن ايران كانت بالمرصاد , فهي قد أسست منذ زمن الأسد الأب صفقتها و من هنا أتى اصطفافها بطريقة معاكسة للحالة الايرانية – لم يسعفها علاقتها الواضحة المتينة مع أمريكا ولا مناكفتها لاسرائيل تطلعاً لكسب العالم الأسلامي – هناك من خرّب عليها في دمشق، فقررت إزاحته علّها تعود و تظفر بصفقتها عبر من يرثه . أما ” سورية إلى أين ؟” بالنسبة لها، فمسألة ثانوية .

العر ب ، وبحكم امتزاج العاطفة و المشاعر و المواقف الشخصية و الثارات و الخوف الغريزي على مستقبل إماراتهم و مشيخاتهم، والرعب الذي قد يصل بالعدوى إلى شعوبهم ؛ فلم يزد الدور في تحديد ” سورية إلى أين ” عن زخم عاطفي مادي ، والتراقص بين صفيح الحامي الأمريكي ، ورماد الاستنفار العاطفي الداخلي ، وجمر المستقبل المجهول .

***

الكل الآن يجد نفسه أسيراً لمفردة أضحى استخدامها أكثر من مفردة “سورية ” و تحديداً ” جنيف ” . المشكلة في كل هؤلاء أن مقاربة المسألة تنطلق من الأساسيات التي بنوا عليها مواقفهم ؛ فليس هناك من جهة تمكنت أخلاقياً من تجريد نفسها من عاهات مواقفها السابقة التي بنت عليها منهجيتها في مقاربة مصير سورية . ومن هنا الاستعصاء .

لتكتمل خارطة المفكرين بمصير سورية لابد من ذكر من قرر أنّ ينصب من نفسه ناطقاً باسم سورية و أهلها و يتصدى لذاك العابث بمصير سورية ؛ النظام .

في دراسة سابقة , ميّزت بين ” المعارضة ” و ” الثورة ” و سعيت أن أدافع عن (المعارضة) تلك المصابة بعلل ما أنزل الله بها من سلطان , فوجدت أفضل عذر لها انها / طفل هرم / لعب الكل به حتى نظام الاستبداد؛ فعداه بهذه الميزة . يتطور هذا الطفل بناء على درجة حرارة مصالح الراعي و الجو العام داخلاً و خارجاً , أعتقد مؤخراً أنه لم يعد طفلاً هرماً ، بل أصبح هرماً مسناً و عليه أن يكتب وصيته و ” يعطي الخبز لخبازته “

وما أحوج سورية للسليم الصحيح من أعضائه الفاعلة الحية الصادقة ذات الرؤي و العمل الصادق الأبيّ الفاعل ……

يبقى المؤهل الوحيد الذي يستطيع أن يجيب على تساؤل “سورية إلى أين؟” بمعانيه البلاغية وبترجماته الواقعية ، هم أهل سورية الذين يتحدث عنهم الجميع بما في ذلك النظام المجرم – ولكن بخبث. أهل سورية الذين أقصد هم من قضوا بسلاح الغدر والأنانية والإجرام … هم الشهداء؛ ولكن للأسف لم يبق منهم إلا صوتهم وهو أمانة في أعناق من سيتصدون إلى تحديد مصير سورية غدا. انهم هؤلاء المتواجدون خارج بيوتهم, في المخيمات, داخل غصات فقدان الأحبة, الذين ضاعت مدارسهم، الذين يحاصرهم جوع وعطش وعري نظام الاستبداد، هم من لم يدخل تحت أي مظلة ؛هم من يوجد في تنظيمات معارضة قائمة ويصرخ صادقا وحرا وشريفا: “سورية لأهلها” ، هم تجمع أحرار يكونون جميعا على قلب واحد وبصدق وشرف وتخطيط وعمل. إن تكلموا مع الخارج، تكون الندية معيارهم ؛ ومع الداخل فإنه – بالنسبة لهم – تعادل روح وقدم أي طفل سوري الكون كله وبصدق…

ينطق باسم هؤلاء من لاغاية له إلا سلامة سورية ووقف صوت الرصاص ولهيب الحرائق فيها وتبييض معتقلات الاستبداد والخلاص منه ؛ اولئك الذين لا يلهثون وراء أحد, ولايستجدون طلقة أو وجبة أو رحلة طائرة أو دولار؛ آولئك الذين سيتداعون بقلوب صافية وعقول نقية ورؤية سياسية واضحة المعالم لسورية المحبة والأخوة والقانون والحق والواجب والتضحية والتفاني في العمل. آولئك الذين يديرون ظهرهم لنظام الاستبداد أولا، لانهم لايرون فيه الا محتلا, ويديرون ظهرهم ثانيا لأي جهة لا ترى سورية كما يرونها . ان استلزم الأمر يقاتلون بما لديهم من سلاح, ويقاتلون بالدرجة الأولى بنواياهم الصافية وعقولهم المتوازنة الراجحة وتفكيرهم ورؤاهم الخيرة ويقدمون مشروعا فكريا يستند على أسس دولة المواطنة المدنية الديمقراطية التي تأخذ من أفكار الإسلام في الانسانية والحرية منارة ومن الشباب وعقولهم وإرادتهم المتوقدة الوطنية نقطة ارتكاز ونبراس لسورية الغد. عندها، يعرف الجميع ” سورية إلى أين “.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات