بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
خبير اسرائيلي يكتب : مصدر قوة بقاء الأسد
  14/11/2013
style="background-color:#f2f0e8">

خبير اسرائيلي يكتب : مصدر قوة بقاء الأسد

أ.د. ألون بن مئير*


عندما قُتل باسل الأسد، الإبن البكر للرئيس الراحل حافظ الأسد وخلفه كان على ما يبدو، في حادث سيارة في عام 1994، اتجه الأب لابنه بشار الغرّ ليهيئه لخلافته في الرئاسة. وفي الوقت الذي كان فيه باسل مدرّباً في القوات العسكرية وفي الشئون السياسية وفي نشاطات الدولة، كان بشار يدرس طب العيون في بريطانيا ولم يظهر الكثير من البشائر أن بإمكانه تبني المهارات العملية في الشئون المحلية والخارجية لوالده الداهية.
لقد علمت من كبار المسئولين السوريين الذين ما زالوا في مراكز السلطة بأنّ الأب حافظ الأسد لم يرد أن يترك شيئاً للصدفة. لقد قلّص فلسفته السياسية في سبعة مبادىء حفرها في عقل ابنه للحفاظ على أمن واستقرار الدولة وضمان استمرارية سلالة الأسد في الحكم.
أولاً: يجب على سوريا الحفاظ على علاقاتها وروابطها مع حلفائها وتقوية هذه العلاقات والروابط باستمرار، مؤكداً بشكل خاصّ على أهمية الدعم المالي لإيران وإمدادات روسيا العسكرية والدّعم السياسي لكلا الدولتين. وأراد حافظ الأسد أن يتأكّد بأن إيران وروسيا تدركان بأن مصالحهما الوطنية تعتمد على طول عمر سلالة الأسد والطائفة العلوية. ولذا ستفعل الدولتان كلّ ما بوسعهما للوقوف إلى جانب النظام لأنه لا يوجد حكم آخر أو نظام يسمح لهما بممارسة نفس النفوذ في سوريا، الأمر الذي يفسّر مساندة إيران وروسيا الغير محدودة للأسد.
ثانياً: يجب على سوريا المحافظة على دورها بين الدول العربية كنصيرة القومية العربية ببقائها مخلصة للقضية الفلسطينية وأخذ دور قيادي في الشئون العربية وحجب اعتمادها على قوى خارجية. هذه كانت وستبقى تعويذة البعث السوري وقيادته العسكرية حيث يعتقد هؤلاء بأنهم سيستعيدون قواهم عاجلاً أم آجلاً من الحرب الأهلية المروّعة واستعادة دور سوريا المركزي في السياسات العربية. إنهم يظهرون ثقتهم وطمأنينتهم بموقفهم الثابت الذي لا يتزعزع تجاه الثوار وتحديهم المجتمع الدولي.
ثالثاً: على سوريا ألاّ تستفزّ إسرائيل بل عليها الإذعان تماماً لاتفاقية فك الإرتباط المبرمة مع إسرائيل عام 1974 وتجنب أية مواجهة عسكرية، وإلاّ قد تتكبّد سوريا هزيمة أخرى مذلّة شبيهة بعام 1973. بل عكس ذلك،على سوريا أن تستكشف فرص صنع سلام كما حاولت ذلك في عام 2000 وفي الفترة 2008/2009، ولكن عليها ألاّ تتنازل أبداً عن أي شبرٍ من الأرض السورية مقابل ذلك. هذا يشرح عدم رغبة الأسد في الإنتقام بالرّغم من قيام إسرائيل بخمس غارات في عام 2013 لوحده على أهداف سوريّة وقوافل من الشاحنات تنقل صواريخ متطورة لحزب الله في لبنان.
رابعاً: على سوريا الإحتفاظ بدور سيادي في لبنان والإستمرار في دعم ومساندة حزب الله بصفته القناة التي تخدم مصالحها الإستراتيجية. والمطلوب من حزب الله أيضاً أن يعمل كوكيل سوريا ضد إسرائيل وأن يبقى قوّة فعّالة تجبر إسرائيل على وضع مصادر وقوى بشريّة هامة لحماية حدودها الشمالية مع لبنان. هذا وبإمكان حزب الله بالمقابل أن يعتمد على سوريا من حيث الدعم السياسي واللوجستي لضمان أن تبقى دمشق دائماً في وضعٍ يؤثر على قيادة الحزب ويستغلها كمؤيّد أو مفسد في لبنان وخارجه حسب الأوضاع السائدة.
خامساً: نظراً لأن سوريا تتكوّن من عدّة طوائف (شاملة المسيحيين والأكراد والسنّة والدروز والأشوريين والأتراك والأرمن)، فإن أفضل ما يخدم مصالح البلد هو إثارة أو لعب طائفة ضد أخرى مستثنياً فقط العلويين.
وفي حين يقوم النظام بشكلٍ خاصّ بإخضاع الأغلبية السّنية سياسيّاً وحرمانها بشكلٍ عام من مراكز السلطة، تتمتّع الطوائف الأخرى الكبيرة نسبياً، وبالأخصّ المسيحيّون والأكراد والدروز، بحرية ثقافية لتلبية احتياجاتهم وضمان تأييدهم للنظام، الأمر الذي يفسّرعدم رغبة واستعداد هذه الطوائف للإنضمام للثوّار.
سادساً: ولضمان ولاء أكبر، يقوم الرئيس باختيار تقريباً كل زعماء الحزب والقادة العسكريين الكبار وكبار مسئولي الأمن الداخلي والمخابرات من طائفة العلويين لأنّه يُعتمد عليهم للإبقاءعلى قاعدة السلطة للحكومة. وبالمقابل يُمنح هؤلاء وسائل الراحة الماديّة ولكنهم يبقوا دائماً مرتبطين بنوايا الرئيس الحسنة تجاههم.
سابعاً: وحيث أنّ على الرئيس أن يظهر بمظهر القائد “الكريم” ولكن الحازم، عليه ألاّ يتقبّل أبداً أيّ تحدّي للنظام وقمع أية ثورة أو انتفاضة ضده. فمذبحة حوالي 15.000 مواطن في انتفاضة الإخوان المسلمين ضد النظام في حماة كانت إنذاراً لأية جماعة سياسية أو قبيلة تفكّر في تحدّي سلطة الرئيس.
لم يتوقع الرئيس حافظ الأسد يوما ً الموجة الثورية التي تجتاح المنطقة في صحوة الربيع العربي، وبقي مبدأه في الحكم هو نفسه على أية حال بدون تغيير يُذكر، وهو المنهج الذي التزم به بشار الأسد إلى حدّ بعيد. كان يجب أن يكون هذا كافياً لإعطاء الولايات المتحدة المعلومات الموثوقة التي من شأنها أن تبيّن لها كيف سيحكم الأسد وكيف من الممكن أن يتصرّف تجاه الأحداث المتنامية.
وعند توليه الرئاسة، كان بشار الأسد يميل في البداية إلى إدخال بعض الإصلاحات السياسية، ولكن عدل عن ذلك تحت ضغط من قادته العسكريين الكبار ومسئولي الأمن الداخلي الذين عارضوا بشدة أية إصلاحات جوهرية زاعمين بأنه “كلّما أعطيتهم أكثر، كلّما طالبوا أكثر” والمقصود هنا الشعب.
وبعد القمع العنيف للمظاهرة السلمية في درعا، أراد الأسد أن يمنح بعض التنازلات البسيطة لمنع المزيد من نزيف الدم، ولكنه نُصح بعدم اتخاذ أية خطوة قد تبدو نقطة ضعف. واستمرَ القمع بكامل قوته خالقاً بذلك حلقة مفرغة أدّت إلى الحرب الأهلية المأساوية المستمرة التي غيّرت للأبد مستقبل سوريا. والسؤال هو: كيف يمكن لإدارة أوباما أن تكون غافلة عن أكثر المبادىء السياسية وضوحاً لنظام الأسد؟
لم يفهم أبداً وللأسف البيت الأبيض فعلياً مصدر بقاء الأسد في السلطة وتجاهل المبدأ العملي الأساسي الذي انتقل بدقّة وبكلّ تفاصيله من الأب للإبن. لقد استخفت الإدارة الأمريكية بشكلٍ فظيع بتصميم إيران على دعم الأسد لآخر جندي سوري وأن روسيا لن تتخلّى أبداً عن حليفها الوحيد في المنطقة. لم يفهم طاقم أوباما للأمن القومي الطبيعة الهشة للتركيبة الطائفية للشعب السوري وبأنّ حرب أهلية طويلة الأمد ستؤدي حتماً لتفكك البلد.
وما يحزن أكثر هو أن البيت الأبيض قد فشل في فهم أنه حتّى لو كانت الإطاحة بالأسد عن الحكم ممكنة، لن يكون ذلك كافياً لأنّ العائق الرئيسي هو النظام الحاكم الذي يقاتل من أجل بقائه على قيد الحياة وسيستمرّ في ذلك حتى النهاية القصوى مهما كانت مرّة. أضف إلى ذلك، لقد أخفقت الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية في تقدير مدى تكاثر الثوار (بما في ذلك الإسلاميّون المتطرفون الأجانب) نتيجة استمرار الصراع وسبب عدم قبول الدول العربية السنية المذهب أي حلّ قد يحرمهم من لعب دورٍ هام في مستقبل سوريا وأن بقاء الأسد في الحكم هو قضية مركزية لحزب الله نفسه.
ما زالت إدارة أوباما تتخبّط في بحثها عن حلّ سياسي محيّر ضمن جهودها لعقد مؤتمر جنيف الثاني الذي من غير المحتمل أن يُعقد. فالثوار يرفضون المشاركة في هذا المؤتمر إلاّ إذا تنحّى الأسد عن الحكم وتم إستقصاء إيران عنه. وأما الأسد فقد استرط اشتراك حكومته في هذا المؤتمر بإنهاء جميع الدعم الخارجي للثوار. أضف إلى ذلك، ففي الوقت الذي تعارض فيه الولايات المتحدة اشتراك إيران تشعر روسيا أنه نظراً لمصلحة إيران العميقة في سوريا فإن حضورها المؤتمر أمرٌ مهم لتعزيز إمكانية إيجاد حلّ دائم.
السخرية هنا أنه حتى لو عُقد هذا المؤتمر، ليس هناك حلّ ممكن أن يُرضي جميع الأطراف في نهاية هذا الصراع بما في ذلك تشكيلات المجموعات الثورية، إيران، المملكة العربية السعودية، روسيا، الولايات المتحدة، تركيا وبلدان أخرى لها حدود مع سوريا. وإبّان ذلك، وما دام تدمير الأسلحة الكيميائية في طريق التنفيذ، على الأرجح ألاّ يتخذ أوباما أي إجراء في الوقت الذي يستمرّ فيه عدد القتلى من جرّاء الأسلحة التقليدية في التصاعد. لقد تجاوز هذا العدد حتى الآن 120.000 أي بمعدل ما يزيد عن 4.000 كل شهر، إضافة إلى آلاف الأطفال الذين يموتون من سوء التغذية وانعدام الرعاية الطبية.
زد على ذلك، أكثر من 30% من الشعب السوري (نحو 7 ملايين نسمة) قد أصبحوا لاجئين أو رُحّلوا داخليّاً بينما يقف المجتمع الدولي مكتوف اليدين في وجه هذه الكارثة المتنامية. فإذا كان هناك حتّى أملٌ ضئيل لإنهاء هذه الحرب الأهلية المروّعة في سوريا، يجب أن يتغيّر ميزان القوى على الأرض ما بين الثوار والحكومة بشكلٍ جذريّ وفوريّ، الأمر الذي تستطيع فقط الولايات المتحدة أن تحققه. هذا ويجب تزويد الثوّار المتمرسين قتاليّا ً، وبالأخصّ الجيش السّوري الحرّ ومجموعات أخرى، بالأسلحة التي يحتاجونها لاستعادة الأراضي التي خسروها وإجبار الأسد على مواجهة أحد الخيارين: فإما أن يُخطف أو يقتل أو يتنحّى عن الحكم.
إنّ الإفتقار للقيادة الأمريكيّة في هذا الصّراع قد سمحت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالأخذ بزمام الدور القيادي في الوقت الذي يظهر فيه صلابته كحليف، واضعا ً بذلك روسيا في موقع يسمح لها بتقرير مستقبل سوريا بشروطه الخاصّة.
تبيّن المأساة التي حلّت بالشعب السّوري مدى الرّعب الذي تسبّب به الإفتقار للقيادة الأمريكيّة. لقد فشلت إدارة أوباما في فهم طبيعة نظام الأسد وتصرفاته التي من الممكن التنبّؤ بها.
شئت أم أبيت، تبقى الولايات المتحدة مرساة الإستقرار الدولي. وإن أظهرت أية إدارة أمريكيّة افتقارا ً في الرؤية وفي الإستراتيجيّة لصدّ أية نزاعات رئيسيّة قبل أن تخرج عن السيطرة، فإنها ستؤدي حتما ً إلى عواقب وخيمة

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "


* أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية بجامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط بمعهد السياسة الدولية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات