بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
"أفلاطونيون" في مواجهة الثورة السورية
  01/04/2014

"أفلاطونيون" في مواجهة الثورة السورية


أورينت نت - فؤاد المداد


لابد من التنويه قبل كل شيء أن هذا المقال لا يسعى بأي حال من الأحوال إلى إيجاد المسوغات لمرتكبي الأفعال الجرمية والانتهاكات التي شابت مسيرة الثورة السورية والتي ارتكبها مع كل أسف محسوبون على الثورة ، ولكن تهدف إلى طرح التساؤل التالي : هل كانت سوريا قبل الثورة السورية مدينة فاضلة ؟ ولماذا يصر البعض على اعتبار هذه الانتهاكات هي من مفرزات الثورة ولا يتم التعامل مع الفاعلين كأشخاص مسؤوليين فكما نعلم الثورة فكر قبل كل شيء ، كما أني لا أطلب أن يتوقف النقد ، جل ما أريد قوله هو أن نضع الأمور في سياقها ونتفهم الظروف التي تكتنف الثورة السورية.

تُعرف الثورة بأنها حركة سياسية واجتماعية تبدأ بخروج الشعب مدفوعاً بحالة من الغضب وعدم الرضا عن وضعه الراهن ،ساعياً من أجل تغييره واستبداله بوضع أفضل وإسقاط النظام الذي يرى الشعب بأنه المسؤول الأول عن هذا الوضع ، وغالباً ما تفترض الثورات استبدال النظام الحاكم بنظام آخر أفضل وأكثر تعبيراً عن التطلعات الشعبية.

من خلال هذا التعريف نجد بأن الثورة ترتقي بمفهومها وتعريفاتها إلى حد يصعب معه على كثيرين من جمهور الثورة التصديق بوجود أخطاء تشوب مسيرتها ، فهي بالنسبة لهم مقدسة ومترفعة على الأخطاء التي يفترض أن الثورة قامت أساساً ضدها ، فيبالغون في الاعتقاد بمثالية الثورة والنظر إلى الثوار على أنهم ملائكة وقديسين يجب ألا يرتكبوا أي خطأ أو جريمة ، ويبدؤون عن قصد أو غير قصد بترصد أخطاء الثورة والثوار حتى يصلون إلى مرحلة تجد أن مفهومهم للثورة وحرية التعبير ينحصر فقط في انتقاد الثورة والثوار، لأنهم يظنون أن الثورة يجب أن تكون بيضاء نقية خالية من العيوب والنواقص حتى تنتصر ، وإلا فأنها ستتحول في نظرهم إلى وجه آخر من أوجه النظام ، وهنا مكمن الخطر.

والحال ، أنه نجد أنفسنا مضطرين في كل مرة للرد على هؤلاء المشككين الدائمين بالثورة والمتربصين بأخطائها وعثراتها خاصة تلك المتعلقة بتصرفات الثوار والناشطين وعناصر الجيش الحر ، والتذكير بأننا في ثورة وبأنه من الطبيعي لحركة اجتماعية سياسية مماثلة مستمرة على مدار ثلاث سنوات أن تشهد أخطاء قد ترقى في بعض الأحيان إلى جرائم ، وأنه لابد من فهم هذه التصرفات ضمن سياق تطور الظروف المحيطة بالثورة وأنماط مواجهتها من قبل النظام .

أيها المارُّ من هنا لا تحزن على موتى لأني لو كُنت حيّا ً لكنت أنت ميتا ً ..
لابد للقارئ لتاريخ الثورات أن يستذكر هذه المقولة التي أوصى روبسبير المعروف تاريخياً بسفاح الثورة الفرنسية بأن تُنقش على قبره ،ومن لا يعرف روبسبيرفهو أحد قادة الثورة الفرنسية ، الذي قتل أكثر من 6000 فرنسي خلال مدة لا تزيد من أسبوع تلت اندلاع الثورة الفرنسية جلهم من الثوار ،ممن كان يراهم أعداء للثورة الفرنسية ، وكان معروفاً بأنه من أشد المناهضين لأفكار مونتيسكيو وجان جاك روسو وغيرهم من كبار فلاسفة ومفكري الثورة الفرنسية ، ولنهجهم السلمي في الثورة وأحداث التغيير في المجتمع الفرنسي.

والطريف أن روبسبير هذا كان رجل قانون وكان من بين آخرين شاركوا في صياغة إعلان حقوق الإنسان الشهير والذي اتخذ أساساً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشكله الحالي المعروف اليوم .والقارئ لتاريخ الثورة الفرنسية سيتفاجئ بأن الفرنسيين يذكرون ما قام به روبسبير ومن معه بشكل كامل دون مواربة أو خجل ، لأنهم يعتبرون أن ما قام به جزء من تاريخ ثورتهم ، والتي شارك بها جميع فئات المجتمع الفرنسي ، يذكرونه احتراماً للتاريخ ولأنفسهم ، وليكون عبرة للأجيال القادمة فيما لو قرروا يوماً أن يثوروا من جديد ، ويعتبرونه أحد المجرمين الذين أفرزتهم الثورة الفرنسية ولهذا فإنه استحق عقوبة الإعدام فيما بعد.

ولن تجد فرنسياً يقول لك لو أننا كنا نعلم بأن الثورة الفرنسية ستنتج أمثال روبسبير هذا ، ولو كنا نعلم بأنه سيقتل هذا العدد الكبير من الفرنسيين خلال زمن قياسي ، لما ثُرنا ولبقينا آمنين في ظل حكم الملك ، لكنهم لماذا لم يقولوا هذا؟ لأنهم يعلمون جيدا ً بأن ما قاموا لأجله أكبر من كل شيء وبأنه يستحق التضحيات التي قدموها لا بل أكاد أجزم أنهم كانوا سيقومون بثورتهم حتى لو علموا مسبقاً بكل ما حدث بعد ذلك ، وقد تأكدت من هذا بنفسي عندما سألت أحد الرجال الفرنسيين : هل أنتم نادمين على ثورتكم التي جاءت بروبسبير وبعده دكتاتورية نابليون ، فقال لي : لا ، وأنه كان يسمع جده يقول لو تكررت الثورة الفرنسية عشرات المرات لشارك بها جميعها ، حتى بعد علمه بكل ما حصل بعدها ، وتأسف بأن جده لم يعش ليرى على أرض الواقع ما حققته الثورة الفرنسية على أرض الواقع من نتائج لم يبدأ الفرنسيون حقيقة بتلمس نتائجها إلا بعد عشرات السنين التي تلت الثورة الفرنسية.

ما أريد قوله أن منطق الثورات على سنوات طويلة من الظلم والقهر والفساد واحد ، وبأنه من الطبيعي أن يصاحب الثورات خاصة تلك التي تطول مدتها بعض الأخطاء ،لا بل وبعض الجرائم ايضاً ، فأي جريمة تضاهي قتل ما يزيد عن ستة آلاف شخص خلال أقل من أسبوع واحد ، هي حركة مجتمع كامل للتحرر والعودة إلى آدميته الأولى ، العودة أحراراً كما ولدتهم أمهاتهم .

ومن هنا فعلينا ألا نبالغ بالغضب والحزن على بعض المشاهد أو الصور أو الأفعال التي قد تتسرب من هنا وهناك خلال الثورة السورية ، فهي حتى اللحظة أقل مما هو متوقع قياساً لما وُوجهت به الثورة السورية من عنف متطرف من قبل النظام ، ومن عمليات قتل وإبادة لشعب لم يفعل شيئاً سوى أنه طالب بحريته وآدميته وكرامته بشكل لم يسبق لشعب أن تعرض له من قبل فقط لأنه ثار طالباً الحرية والحياة الكريمة .

كلمات اكتبها لكل من يبدأ باللطم والندب خوفاً على مصير الثورة السورية وعلى مصير سوريا المستقبل من خطأ هنا أو جريمة هناك . ثورة يريدونها مخملية، بيضاء ناصعة في وقت كل ما تواجهه لايمكن أن يتصور العقل إمكانية مواجهته أو الرد عليه إلا بالعنف ولا يمكن أن ينتج عنه إلا الصخام.

من جهتي أرى أن الثورة لا تزال بخير و عافية رغم كل ما تمر به من مخاض ولادة لا تزال حتى اللحظة طبيعية ،وحتى لو احتجنا إلى ولادة قيصرية ما الضير في ذلك ، فالمولود المنتظر يستحق هذا يستحق كل هذا الألم والعذاب ، كما يتطلب منا التحلي بالصبر ، والنفس الطويل ، بذلنا ما بذلنا ،ولن نعود إلا والحرية معنا ولو كره الكارهون. أما من يرتكبون هكذا أفعال ويرتكبون الجرائم باسم الثورة ،سينالون ما ناله روبسبير على يد أصحاب الثورة الحقيقيين ، آجلاً آم عاجلاً ،وهنا يحضرني مقولة للصديق الدكتور طه شحود : كلي ثقة بأن الوسخ و القاذورات التي أفرزتها الثورة من الشعب ، مصيرها مجارير الصرف الصحي و سترجع سوريا ، حتى و لو بعد 50 عاماً، سوريتنا التي عشقتنا و عشقناها.


1/4/2014
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات