بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
طائر الحرية....والصوت المقاوم في الجولان الحبيب
  11/08/2005

طائر الحرية) والصوت المقاوم في الجولان الحبيب

 عوض الأحمد

(طائر الحرية) مجموعة شعرية للشاعر الأسير ياسر حسين خنجر من مواليد قرية مجدل شمس، وشاعرنا صوت مقاوم، عرف بمشاركته في المظاهرات السنوية رفضاً لهوية الاحتلال، وكان خياره الدائم التمسك بعروبة بلدته، وانتمائها إلى وطنه الأم سورية، فنظم قصائد شعرية موشاة بالحب والحنين، هاجم مع رفاقه في حركة المقاومة السرية مراكز الشرطة وبيوت العملاء فاعتقل على إثر إحراقه مقر المجلس المحلي في مجدل شمس في 17/1/1997 وحكم لمدّة سبع سنوات ونصف.‏

مجموعة (طائر الحرية) تضم خمساً وعشرين قصيدة، يتغنى الشاعر من خلالها بالحرية وبالوطن وبالشهيد، الذي يزرع الأمل ليحقق الحلم، هذه هي المحاور الرئيسة لأغلب قصائد المجموعة، فالأرض تبقى قوية الملامح وشديدة الحضور في قصائده.‏

وفي قصيدة (بعض الحكاية.. ولا تنضب) تبرز القصيدة العلاقة الجدلية بين الإنسان والمكان، فالإنسان الذي هو صاحب الأرض مستحيل على الدخيل الغريب أن يقتلعه من أرضه، هذا الغريب المحتل جاء ليسرق كل شيء جميل في حياتنا.‏

(الذين أتوا في المساء. / ليقطفوا من كَرْمِنا كلَّ هذا النبيذ./ أتوا في المساء/ ليسرقوا منا إلاهاتنا/ عبَاداتنا.. وعاداتنا/ عباءات أجدادنا/ وزيتوننا/ ورائحة الخبز والبنّ في صبحنا) ص23.‏

هذا المحتل الغريب يقوم بفعل الهدم وبعثرة كل شيء أما صاحب المكان فيعيد ترتيبه مَرّة بعد أخرى دون يأس، وما الورد الذي سينبت وراء السياج إلا رمز النصر والخلاص من هذا الغريب.‏

(أرتب هذا المكان قليلاً / لينبت وردٌ وراء السّياجِ/ فقد بعثرت ظل هذه الحديقة / خطا الغرباء)‏

اعتمد الشاعر على الرمز في ثنايا نصه لتجسيد إحساساته وأفكاره في أشكال مادية، ثم إعادة صياغتها حتى تصبح شفافة معبرة عما تحتويه تجربة الشاعر، فالحديقة ما هي إلا الوطن الجميل، ورائحة الخبز والبن رمز للكرم العربي، والشهيد رمز العدل والسلام. وفي قصيدته (قليل من الوقت) يجسد الشاعر إحساساته ومشاعره تجاه الأرض، إن شوقه لجولاننا الحبيب يتجدد ويلتهب ولا طاقة له لإخماده، فنبض التراب يعشش بين الأصابع، ورائحة الزيزفون تفوح فوق الخدود.‏

حقاً فقليل من الوقت يكفي فلا صبر له ولا طاقة له على الاغتراب، ويتجلى شوق الشاعر وحنينه إلى الأرض وأمله كبير بمناضلي الجولان لتحريره من المغتصب الصهيوني.‏

(قليل من الوقت يكفي/ لنرجع صوب الحقول/ فمازال نبض التراب/ يعشش بين الأصابع/ خلف الكلام وتحت الجفون/ يُعشش في اللّفتات./ في الهمسات/ .. سمعْتها تهمس لي:‏

"أما أكمل الأتقياء الصلاة لنرجع؟"ص32.‏

وفي (سنابل قمح وخريف عابر) تتضح رؤيته الأصيلة النابعة من أعماق ذاته، فهو حالم بالانبعاث والخلاص من هذا الغريب وارتباطه بالوطن الأم سورية كفيل بتحقيق هذا الحلم الجميل المجيد الذي يقلق هؤلاء الغرباء.‏

(ولي جوريةٌ ربيتها بالسرّ/ كي لا يُدرك الغرباء، أنّ جذورها تمتد في جسدي/ وأني كلما صليت للشام/ انحنى غصنٌ/ يقبل غيمة جاءت من الشام/ لتملا حلمنا حُباً.. وقمح) ص38.‏

أما صورة الشهيد فقد كانت من أهم محاور وموضوعات شعر ياسر خنجر فالشهادة ومعانقة الأرض نبراس ساطع إلى الحرية والخلاص من الاحتلال. فالشهيد رمز المقاومة والنضال والمبشر بالنصر وبالمستقبل المشرق من خلال تجسيد الفعل البطولي فالهم العربي هو هم واحد عندما يعلن الشاعر وقوفه إلى جانب المقاومة اللبنانية في الجنوب ويبارك هذه المقاومة كما بارك انتفاضة الحجارة في فلسطين، كل ذلك من خلال مقاومته لعتمة الزنزانة.‏

(بكفي شال الضياء/ خيوطٌ من الشمس أجدل منها وشاحاً، بين ثناياه تعبق رائحة البيلسان/ بأجنحة الأرجوان/ أزين هذا المكانْ/ بذاكرة الشهداء/ ينبض خطاهم وهم يعبرون/ إلى المجد والكبرياء..‏

/أقاوم عتم المساء/ وعتمة زنزانتي/‏

/بكفي يثبت عشبُ الضياء/ سنابلَ ملءَ الجنوب./‏

وأرزٌ يُؤنِّثُ أيامنا/ يُظَلّلُ كلّ القلوب/ ص44‏

والجنوح إلى التفاؤل والتحرر سمة وسمات شعر المقاومة والوطنية فالشاعر ياسر خنجر واحد من هؤلاء الشعراء الوطنيين المفعمين بروح الثورة والانعتاق والتحرر من نير المحتل اللئيم، فلا غرابة أن يجنح في شعره إلى التفاؤل لأن التشاؤم والحزن ما هي إلا ميول انهزامية‏

(تذكرّ طريق الرجوع إلى حضن أُمّك.‏

لجدران بيتك/ لصوتك/ تذكّر طريق الرجوع/‏

لرائحة الخبز بين أصابع أُمّك) ص35‏

فالشاعر وهو في جوف زنزانته يقاوم عتمة الظلام بالشعر ويؤسس لوطن الحرية والحُب، فالشاعر يقاوم اليأس بالأمل والعزيمة فالروح الإنسانية والتفاؤل والصمود يبدد غيوم الانكسار والخنوع والهزيمة إنّ آماله تتراءى في ظل بندقية، وظل تجذره وظل حبيبته ماري.‏

(أمرُّ أمام الشبابيك كلَّ مساء/ وحيداً بلا أصدقاء./‏

خُطاي تُبعثرُ رملَ الطريق/ أُحِبُّك، من أيّ حلم أتيتِ؟‏

ومن أَيّ ذاكرة ترجعين/ بظلّين في جسد/ جسدين وظلِّ إله/‏

يجدِّدُ فينا الخلودَ، وخصب المواسم؟‏

مزيداً من الحُبِّ / حتى يضيءَ لنا الليلُ وحلم اللقاء) ص65‏

إن مثل هذا التوحد النابض بالحياة والتداخل مع الأرض لدليل ساطع على حق العربي بأرضه وإصراره على انتزاع هذا الحق بالمقاومة لا بالانكسار.‏

(بكفي سيفُ الضياء / أقاوِمُ عتم المساء / وعتمة زنزانتي/ أعيد لذاكرتي تفاصيلها المستعارة.‏

حرفٌ.. وقمح.. ونار) ص44‏

اعتمد الشاعر ياسر خنجر على البوح الشعري من خلال الاعتماد على التعبير بالصور القائمة على تراسل وتجاوب الحواس والاعتماد على الصور الوجدانية والواقعية إلى جانب الاعتماد على الصور الإيحائية. والحسية.‏

هكذا اتسعت التجربة التي يعبر عنها الشاعر الأسير واقتربت من القلب الإنساني، وشعره يفيض حيوية وأصالة عندما يُغرّد وينشد للأرض والحرية والشهيد.‏

جريدة الاسبوع العربي

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات