بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
مسيرة الشهيد هايل أبو زيد كما ترويها شقيقته
  15/08/2005

 

مسيرة الشهيد هايل أبو زيد كما ترويها شقيقته: أبو زيد ليس حالة خاصة بالنسبة للجولانيين.. لكن استشهاده المأساوي رفع من سقف المواجهة مع العدو

دمشق
صحيفة تشرين
محليات
الاثنين 15 آب 2005
أدهم الطويل
ما تعرفه هدية أبو زيد عن شقيقها الشهيد هايل أبو زيد هو ذلك النوع من المعرفة الحميمية والمتخيلة في بعض جوانبها، متخيلة لكنها واقعية صادقة، وإن اتسمت بتلك المشاعر التي تنتاب أي راو لسيرة الأبطال. صحيح ان هايل لم يكن يتجاوز الـ 17 عاماً عندما اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني وساقته الى سجونها النازية، فيما كانت هدية تصغره بـ 3 سنوات، لكن رغم هذا القطع التعسفي الارهابي لحياة الشقيقين امتلكت الأخت الصغيرة حتى ذلك التاريخ من الذاكرة المشتركة معه ما يكفي لمتابعة وفهم كل التفاصيل والمعلومات الشحيحة التي كانت تصل الأهل عن بطولات هايل ورفاقه المستمرة داخل السجون الصهيونية، وهي كانت أساسا قبل ذلك قد عاشت معه السنوات الثلاث الأهم من مرحلة المقاومة المسلحة السرية التي قضت مضاجع العدو الصهيوني.
ما كانت تعرفه وروته عن صفات هايل ومواقفه المقاومة خلال سنوات المقاومة المسلحة التي خاضها مع رفاقه قبل دخوله السجن كانت تسرده بايقاع بطيء وبروية هادئة حيث توحي للمستمع انه امر عادي طبيعي رغم ما فيه من بطولة وجرأة، لكن ما ان بدأت برواية تلك التفاصيل الساخنة عن مراحل اعتقاله ومحاكمته وسجنه ومواقفه حتى بدأ ايقاع انفاسها بالتصاعد وازدادت الحدة في نبرات صوتها ولمعان البرق في عينيها، هي كانت تتوقع سلوك هايل وصموده داخل السجن وقدرته على ابتداع اساليب جديدة للمقاومة، لكن توقعها هذا لم يكن يقلل من شعورها العارم بالنشوة والعز الشعور الذي شكل على الدوام وجها ثانيا لشعور آخر مختلط بالالم والشوق والحنين لرؤية هايل المحكوم بالسجن 27 عاما وتوقعها ايضا لم يكن يكفي لاستيعاب حجم صمود هايل ورفاقه الذين كانوا دائما يفاجؤون الجميع بتماسكهم في مقاومة الجلاد الصهيوني، يفاجؤون الاهل في الجولان وبعض من تصله أخبار هذا الصمود في الوطن تاركين هنا وهناك انطباعا غريبا فيه من شعور النشوة والفرح بقدر ما فيه من الغضب والحزن لانه صمود لم يكن يلقى الاهتمام الوطني المطلوب . ‏



سيرة الشهيد هايل المكثفة كما ترويها شقيقته هدية تعود الى بداية الثمانينيات حيث كان العدو الصهيوني على وشك إعادة احتلال قرى الجولان بيتاً بيتاً وشارعاً شارعاً، وقد خصص لكل مواطن جولاني اكثر من جندي صهيوني بهدف فرض الجنسية الاسرائيلية عليهم.. في تلك الفترة العصيبة لم يكن من المقبول «وطنياً» لوعي طفلة يافعة مثل هدية أبو زيد أن يأخذ وقته الطبيعي في النمو والاستيعاب، كان هذا الواقع المرير يفرض على كل جولاني حتى لو كان صغيراً القيام بعملية حرق مراحل فكرية لإيجاد سبل جديدة لمواجهة تفاصيل ومخططات سياسة الصهاينة التي اتسمت آنذاك بأقذر وأسوأ صفات يمكن لمحتل أن يحملها، والتي هدفت الى تهويد الجولان أرضاً وشعباً عبر قانون الضم الذي أصدرته عام 1981. ‏

هو هايل حسين أبو زيد
الشهيد هايل أخو هدية زوجة المناضل الأسير المحرر مدحت الصالح،هو أولاً ابن الشيخ الجولاني المقاوم حسين أبو زيد الذي لم تسمح السلطات النازية الصهيونية للابن بإلقاء النظرة الأخيرة على والده قبل أن يوارى ثرى الجولان، وكأنها أرادت بذلك أن تنتقم من الرجلين معاً من حسين وابنه هايل.. ولماذا ؟ ربما بسبب حكاية، من بين كثير من الحكايات، حدثت ذات يوم يعود الى بدايات عام 1982حيث كان الجولان على وشك الاشتعال. ‏
تقول الحكاية التي سمعناها من اكثر من راو: توقفت عربة عسكرية اسرائيلية أمام بيت من الطراز القديم، وارف الظلال، نزل منها جنود مدججون بأسلحة فتاكة، وأحاطوا مداخل البيت، فيما تقدم قائدهم الى الباب الرئيسي، بقوة وعنف مفتعل يوحي بالثقة قرع الباب فخرج على الفور رجل متجهم الوجه اسمه حسين أبو زيد، نظر أمامه والى الأسفل فوجد ضابطا اسرائيليا متأبطا سلاحه،خاطب الضابطَ بثقة عميقة: ماذا تريد؟، «مط» الضابط رأسه الى الأعلى وأجاب:أحضرنا لكم بطاقات الهوية وعليكم استلامها...لقد امتلك الضابط الصهيوني «حقنة» كافية من الشجاعة لينهي جملته، لكن كان واضحاً آنذاك أنه لم يعد يملك أي نوع من الشجاعة لنطق كلمة أخرى ولا حتى الاتيان ولو بحركة، كل ما استطاع فعله انه ثبّت يديه في مكان قريب من سلاحه وصمت.. ثوان من الصمت الرهيب مرت عليه بدت كأنها طويلة جداً، كان ينتظر الرد أياً كان هذا الرد، المهم أن ينتهي مأزقه .. تقدم الشيخ أبو زيد خطوة واحدة ومد ذراعه التي كانت طويلة جداً بالقدر الذي يتناسب مع طول قامته، فأمسك الضابط من ازرار بدلته ورفعه عن الأرض نصف متر حتى تقابلت عيونهما أفقياً الرجل الجولاني الطويل الاعزل والضابط الصهيوني المسلح والمذعور، فيما انتقل الذعر الى عيون الجنود ففغرت الافواه وارتجفت الايدي بالسلاح وبلغ الذعر بأحدهم (كما أقسمت على ذلك هدية أبو زيد) حد البكاء. قال الشيخ الجولاني للضابط الإسرائيلي المعلق في الهواء: ما طلبته مستحيل أن يحدث وأنا على قيد الحياة أحسن لك أن ترحل فوراً أنت وجنودك وإلا...ثم ترك الشيخُ الضابطَ يسقط من بين يديه، واضاف بنفس اللهجة الحاسمة: اعرف أنك قد تعود بكل قواتك المحتلة، لكن جوابي لن يتغير حتى لو هدمت هذا المنزل على رأسي...انتهى الحوار بينما واصل ابو زيد وقوفه كالطود يراقب هرولة الضابط وجنوده مسرعين باتجاه السيارة التي انطلقت تاركة وراءها غبار الذعر والخيبة. ‏
هذا المشهد الذي لعله تكرر في كثير من بيوت مجدل شمس وبقعاتا وعين قينة ومسعدة.. كان حاضراً فيه وشاهدا عليه كل أفراد أسرة حمد أبو زيد بمن فيهم هدية وشقيقها هايل، وبينما كانت دموع أحد الجنود الإسرائيليين هي الجانب الأكثر اثارة بالنسبة لهدية في هذا المشهد، كان الأمر بالنسبة لهايل مختلفاً كلياَ.. حيث شكلت الحادثة وما رافقها وتلاها من تصعيد واستفزاز دائم لسكان الجولان بداية مرحلة جدية لانطلاق المقاومة المسلحة التي انشأ هايل مع بعض رفاقه النواة الأولى لخلاياها السرية.

لم يكن من الممكن، بعد الدخول في هذه المرحلة،التراجع عنها بأي شكل من الأشكال، لذلك قرر هايل، وكأي سوري بالغ،الدفاع عن وطنه، لكنه فعل ما أعتقدُ ان احدا لم يفعله قبل ابو زيد،اذ قام بكتابة وصيته، نعم وصيته وهو لم يكن قد بلغ الـ 15 عاماً، وقد خاطب فيها الأهل والوطن والحبيبة وختمها بتمني أمنية تأخر تحقيقها أكثر من 20 عاماً، أمنية الاستشهاد في سبيل الدفاع عن الوطن. ‏
تقول هدية: كنا نعلم تماماً تعلق هايل بكل رمز من رموز سورية، نشيد حماة الديار و العلم السوري الذي كان يرسمه على كل دفتر من دفاتره وقد صمم منه أيقونة كان يعلقها في رقبته.. لكن ان يكتب وصيته فهذا كان فوق التصور والاحتمال. ‏
في سنوات المقاومة الثلاث التي خاضها قبل اعتقاله نجح هايل ورفاقه في تنفيذ الكثير من الأعمال العسكرية التي اربكت سلطات الاحتلال وجعلتها تعتقد بما يشبه اليقين أن ما يجري يتم بدعم وتخطيط من دمشق! كان المقاومون الشبان الذين لا يكبرون أو يصغرون هايل كثيرا في العمر يدمرون منشآت العدو العسكرية في الجولان بأسلحته نفسها، اذ تمكنوا من تفكيك عشرات الألغام الإسرائيلية المزروعة على الطرق الترابية وحتى قرب البيوت والأسلاك الحدودية الشائكة وأعادوا زرعها أو تفجيرها بآليات هذا العدو ومستودعاته، كما استولوا في مرات كثيرة على أسلحة فردية وقنابل وأدوات قتال وحاربوه بها، هذه الأعمال العسكرية المباشرة التي كان يوازيها تحد يومي شعبي متواصل عبروا عنه في التظاهر الدائم رغم الحظر العسكري، وبرفع الأعلام السورية في أماكن مختلفة وكتابة الشعارات الوطنية المتحدية لوجوده.

سنوات كانت قصيرة بالنسبة للمقاومة السرية المسلحة في الجولان اذ انتهت باعتقال أفراد هذه الخلايا.. لكنها كانت بالنسبة للعدو كابوساً رهيباً، هز أركانه وأفقده صوابه وحوله الى كلب مسعور مارس كل ما علم وخبر من أساليب الكَلَب والتوحش خلاله. ‏

أي قانون يعرفه اللصوص والقتلة؟


بدأ هايل المقاومة المسلحة فتى لما يتم الـ 15 من عمره وعندما ألقي القبض عليه كان في الربيع الـ 17من عمره، وأقتيد الى مايسميه العدو، محاكمة عسكرية، بتهمة المقاومة والتنظيم والمشاركة في أعمال مسلحة.. وأثناء تلك (المحاكمة) كان الجميع يتساءل: ماذا يمكن لفتى وزملائه أن يقولوا وبماذا سيتمسكون؟، لكن هايل ورفاقه كانوا كالعادة يفعلون عكس أي توقع، إذ لم يشأ الشهيد أبو زيد آنذاك أن يدخل مع العدو الصهيوني في التفاصيل التي توحي بأن شيئاً طبيعياً يجري داخل المحكمة. الامر ببساطة إنه مواطن عربي سوري يرفض الاعتراف بشى اسمه «اسرائيل» وتالياً باحتلالها لأرضه وأرض أجداده ومن هنا ففعلُ المقاومة كان أمراً طبيعياًَ، في حين أن ما يفعله هؤلاء مجموعة المحتلين الذين يجلسون خلف (قوس المحكمة) هو الكذب والتزوير بعينه.

مجموعة من اللصوص والقتلة والمحتلين الذين لا تاريخ لهم يزعمون أنهم يعرفون القانون والمحاكم.. يريدون محاكمة مجموعة من الفتيان الذين يدافعون عن ترابهم السوري الذي يمتد عمره عشرات الآلاف من السنين.. هذه هي الصورة التي كان هايل أبو زيد ورفاقه مدحت الصالح، عاصم محمود الولي، بشر سليمان المقت،صدقي سليمان المقت،سيطان نمر الولي،وئام محمود عماشة، كميل سليمان خاطر، وبعدهم آمال مصطفى محمود،سميح سليمان سمارة،شام شمس،عباس عماشة،كمال الولي،قد حددوا شكلها الحقيقي، ولذلك من البدهي ان لا يعنيهم أي شخص من هؤلاء القتلة، ولا أي شيء يقولونه أو يفعلونه في اطار تلك المحاكمة المزعومة.. دخل (القضاة الصهاينة) فبقي هايل ورفاقه جالسين مسترخين، رغم الأوامر بالوقوف، ولما جلس القضاة، وقف الفتيان المناضلون وبدؤوا بترديد النشيد العربي السوري، واستمروا بأصواتهم ينشدون رغم الهروات الإسرائيلية التي انهالت عليهم بالضرب المبرح حتى اتموا النشيد. هذا عملياً أهم ما حدث في (المحاكمة).. ولم تكن المراحل الأخرى التي جرت تاليا،بما فيها اصدار الحكم بسجن كل واحد منهم 27 عاماً، سوى نوع من التفاصيل التافهة التي لا تعنيهم، بل ما كان يعنيهم هو دخولهم في مرحلة جديدة من المقاومة تستند الى الصمود في وجه قضبان السجن وممارسات سجانه النازية الذي كان يعتقد أنه انتصر عليهم وعلى مقاومتهم بزجهم في زنازينه. ‏
ان رجلاً قديماً قدم التاريخ كهايل أبو زيد مقابل تلك المجموعة من المستوطنين الارهابيين القتلة كان يعرف أنه سينتصر كما ينتصر التاريخ على كل الأقزام الذين يحاولون العبث به. هايل كان يعرف معنى الوطن ويمارس وطنيته بكل مداها، وكان يدرك أن وطنه ليس أي وطن أنه سورية، وأكثر من ذلك كان هايل مفعماً برائحة سورية ورجالها وعرق شهدائها وأبطالها عبر التاريخ، فيما كان الصهاينة في المقابل لا يعرفون سوى مجموعة من الصفحات الملفقة اسمها التلمود.. ومن هنا بدا هايل منذ الأيام الأولى لسجنه ناضجاً بقدر سنوات عمره الـ 17 ثلاث مرات، وجاهزاً للرد على كل شيء من هذا العدو،ومدركاً في الوقت ذاته أهميته وسمو ما فعل ويفعل لمقاومة ومواجهة أساليبه النازية في التعذيب والتنكيل والإرهاب.

لن ندخل في تفاصيل وأشكال تلك الممارسات التي استخدمت بحق هايل حتى آخر يوم لخروجه من السجن، فالشرح يقلل من بشاعة هذه الأساليب ويقلل في الوقت ذاته من حجم وأهمية صمود هايل ورفاقه في وجهها.. يكفي أن نحكي عن النتائج التي حققها كلا الطرفين ضد الآخر. ‏
تقول هدية أبو زيد: دخل هايل الى السجون الصهيونية فتى كأي جولاني منتصب القامة، قوي البنية، متعافياً يفيض نضارة وشباباً وعنفواناً، دخل وفي جسده قلب ينبض بالحياة، يخفق لمئات الأسباب أولها ولعه بالحرية الوطنية، وبتحرير الجولان، ثم تطلعه وشوقه الدائم لرؤية دمشق وشم ياسمينها المعطر... دخل السجن بكل هذا الحب للحياة والوطن والحرية، وبكل هذا التمسك برموز الحياة وفرحها وضميره لا يعرف اليأس أو الخوف أو التردد، بل كان قد كتب وصيته التي تمنى فيها الشهادة قبل ذلك بثلاثة أعوام ( مت واقفاً كالأشجار) ويقينه أن الحياة خلقت لأجله وأنه بالمقابل خلق من أجل الدفاع عن الوطن وحريته.. هنا تماماً واستناداً الى هذا الوعي الوطني الناضج مبكراً، رسم هايل كل أشكال المواجهة التالية التي خاضها مع رفاقه ضد العدو من داخل قضبان السجن. ‏
في تلك المواجهة كان هم الصهاينة قتل هايل ورفاقه في حركة المقاومة المسلحة، قتلهم الى ما قبل الموت بدرجة، وهدفهم الأساسي من ذلك انتزاع حالة المقاومة من نفوسهم وكسر منظومة المفاهيم الوطنية التي بنيت على أساسها هذه المقاومة. من حيث الشكل حقق الصهاينة ما أرادوا، فخلال السنوات العشرين التي قضاها هايل في سجنه أصيب بأمراض عدة خطيرة بدأت بضعف البصر وانتهت مع سرطان الدم الذي لعله زرع في جسد هايل بشكل متعمد، لكن من حيث النتيجة استشهد هايل ولم يتمكن الصهاينة وعبر سنوات التعذيب الطويلة التي مارسوها بحق هايل وزملائه من تحقيق ولو اختراق واحد لمنظومة هؤلاء الأبطال القيمية الوطنية والدفاعية، ولا إشعارهم للحظة واحدة بالهزيمة.. هذه ليست خطابات «قومجية»، انه واقع اعترف به الصهاينة قبل الجولانيين.. والدليل كما تشرح شقيقة أبو زيد متسائلة: ما معنى أن يحاط هايل بثلاثة من جنود الحراسة الصهاينة وهو على سرير المرض في المشفى، ورجليه مقيدة بسلاسل من الحديد؟ بل إن الصهاينة وقبل أن يقرروا الإفراج عنه ليمضي الأيام القليلة الباقية من حياته بين أهله، طلبوا منه التندم على ما فعل مقابل الإفراج الفوري عنه و(تعويضه) بكل ما يريد.. لكن هايل بجسده المتهالك المريض وبإرادته الصلبة لم يكن إلا ليسخر من أولئك الصهاينة .وقد واصلوا محاولاتهم البائسة في هذا المجال حتى أيام هايل الأخيرة.. إذ حتى فترة وجوده في المشفى للعلاج الكيماوي من السرطان حولها الصهاينة الى فرصة لابتزاز مشاعر أهله وأحاسيسهم ومحاربته بهم، فكانوا يمنعونهم من رؤيته طويلاً ويواصلون حراسته بشكل استفزازي ومهين. ‏
لقد حاول رفاقه وأهله عبر المنظمات الدولية والإنسانية إخراجه من سجن المشفى وإعادته الى البيت، فيما كان الصهاينة يصرون على إبقائه في السجن وهم يعلمون أنه يعيش آخر أيام حياته. ‏
لكن كالعادة كان لهايل رأي آخر، إذ كان همه في تلك المرحلة قهر المرض والتغلب عليه، بوصفه عدواً شرساً زرعه العدو الصهيوني داخل جسده، من هنا لم يكن يقبل أولاً أن يكون خروجه من السجن مقابل أي تنازل معنوي للعدو وكذلك لم يكن يقبل ثانيا سماع عبارات المواساة، بل كان يتمنى على أهله دائماً ألا يحزنوا أو يبكوا، بل أن يقاوموا، وخاطبهم علنا بالقول: «تحياتي الى الجميع في الجولان الحبيب والوطن الغالي، الى الاهل وكافة الرفاق ،أطمئنكم ان معنوياتي كفولاذ إرادتكم، واعدكم بان قضيان السجن ستصدأ قبل ان تصدأ إرادتي وعظامي إنشاء الله التقيكم أيها الاهل ومعي كل أبنائكم محريين من قيود السجن واسجان. وسواء عدنا احياء أم اموات، سيبقى جولاننا حيا في ضمائركم أيها الأهل الأحباء. لن يكسرني المرض كما لم يكسر السجن يوما مناضلاً من مناضلي الجولان. ‏


قصة هايل مع ياسمين الشام


خرج هايل من سجنه الإسرائيلي ليقضي آخر ستة أشهر من حياته في مقاومة جسده ومرضه، وهي فترة تضاعف فيها اصراره على الحياة، زار الجولان بكل قراه وسهوله وبيوته كان يُعبّأ صدره بأكبر قدر ممكن من هوائه ورائحته العطرة، وامتص ما استطاع من شمسه، لثم ترابه وعانق أشجاره. ‏
لعل هذه المرحلة من أقسى المراحل مأساوية في حياة أبو زيد، ولولا ما كان يملك من جبروت وإرادة لانهار قبل أن يفتك السرطان بجسده..معاناة هايل هذه كان يمكن تلمس بعض جوانبها من معاناة شقيقته هدية ومن نبرات صوتها الحزينة وهي تروي آخر أخباره بعد خروجه من السجن، تقول هدية بحزن طاغ: وقف أمام صورة والدي طويلا هذا أول شيء فعله بعد دخوله الى البيت،هكذا اخبرني اهلي،وتضيف هدية وهي تمسح دموعها : لعله بكى لكن احدا لم يرى دموعه .ان هايل رغم كل تلك القسوة في شخصيته وسلوكه كان من داخله حنوناً شديد التعلق بالعواطف والوجدانيات، بل كان رومنسياً، يحب الزهور كثيراً، وأكثرها الياسمين الدمشقي وكم كان يتمنى السير في شوارع دمشق ليتنشق عطر ياسمينها ورائحة حاراتها القديمة هذا ليس شعراً، بل «واقعية وطنية»، كان يتطلع الى رؤية الوطن كما يتطلع الى رؤية حبيبته، وكان شديد الانتباه الى كل خبر أو معلومة أو صورة تأتي من الوطن، هل تصدق ـ تضيف هدية ـ وكان عشقه لأغاني فيروز مضاعفاً لتلك التي تغني للشام وبردى وأغاني سميح شقير .. وتتابع هدية :بعد خروجه من السجن طلب مني أن أرسل له من دمشق عطراً دمشقياً برائحة الياسمين، وعندما وصله العطر قام برشه في كل غرف المشفى وأرجائها ومحيطها حيث صار يشم رائحته أنّا حل. ‏
أكثر ما كان ينغص على هايل فرحة خروجه من السجن الصهيوني هو الحالة الصحية التي فرضها عليه المرض، كان يشعر بالقهر الشديد من هذا العدو الجديد لأنه لا يستطيع أن يلثم يدي أمه ووجها ويعانق أفراد أسرته وأقربائه وأصدقائه، كان كلما اشتد عليه الشوق يلجأ الى التراب والأشجار ويشم روائحها ويخزّن في ذاكرته ما استطاع من مناظرها الرائعة بقدر ما كان يتيح له بصره الضعيف جداً، ويبثها آلامه. ‏

الأشجار تموت واقفة


في آخر أيامه دخل هايل في غيبوبة، كانت جرعات الدواء الذي أكثر منه لعلاج اللوكيميا قد أتلفت معدته وكبده، وبلغ تلف الجسد الواهن أساساً من سنوات السجن الصهيوني حداً مأساوياً، ومع ذلك استمرت روحه حرة وقلبه وعقله متمسكين بحب الجولان والتراب العربي السوري، اذا راح في هذه المرحلة الخطيرة ما قبل استشهاده يوصي أهله ورفاقه بالصمود والصبر ومواصلة المقاومة قال لهم: سأبقى بينكم، لن أموت، لا تيأسوا.... ‏
استشهد هايل لتستقر روحه وكلمـاته ومواقفـه في نفوس أهل الجولان كلهم، خاصة الجيل الشاب الذي حوّل خطب الشهيد ومقاطع الأغاني التي كان يسمعها خاصة أغنية الفنان سميح شقير (الأشجار تموت واقفة) الى شعارات وطنية راح كل بيت يرددها،وتحول مأتمه الى عرس وطني لمواطني الجولان بكل قراه والأراضي العربية المحتلة بما فيها أراضي الـ 48، وانتشرت صوره في كل مكان وعلى صدور الجولانيين وتحولت زيارات العزاء لمثواه الى ترجمة عملية مباشرة لمواقفه والى نوع من الصمود والتحدي تحت شعارات جمة: «هايل لن ننساك، الأشجار تموت واقفة، إن عشت فعش حراً أو مت كالأشجار وقوفاً وقوفاً كالأشجار». ‏
مرض هايل (المدبر) بأيد صهيونية، ثم استشهاده تحول الى حالة وطنية ساخنة رفعت سقف التحدي والمواجهة مع عدو يتمنى لو باستطاعته أن يفرغ الجولان من كل مواطنيه العرب السوريين، والحالة الوطنية التي تصاعدت باستشهاد هايل ما كانت لتتصاعد بتلك الحدة لو لم تستند الى واقع جولاني وطني مقاوم منذ اليوم الأول لدخول الاحتلال، حالة هايل في استشهاده كانت نوعا من التذكير العنيف لمن ادعى الصمم أو العمى وزعم أن الجولانيين يهادنون أو يساومون، بل على العكس هم اليوم يعدون لمواجهات جديدة مع هذا العدو هدفها إرغامه على كشف كل الأساليب والممارسات اللاإنسانية التي يقوم بها بحق السجناء العرب والسوريين خاصة في سجونه. ‏

مناضل يتحدث عن مناضل ‏


مدحت الصالح رفيق هايل في المقاومة المسلحة اعتقل مع أفراد المقاومة السرية ورافق هايل في السجن 12 عاماً، إنه الجولاني الذي خرج من الأسر مرتين، مرة من سجون الاحتلال ومرة أخرى من أسر سلطاته القمعية المفروضة على الجولان ليأتي الى دمشق منذ 7 أعوام والهدف الأسمى الذي وضعه نصب عينيه العمل للإفراج عن هايل ورفاقه الأسرى في السجون الصهيونية...مدحت زوج شقيقة الشهيد هايل يعرف واقع المقاومة في الجولان يعرفه عملياً ونظرياً وإحصائيا فهو لم ينقطـع يوماً عن أخبـار ذلك الواقـع وتطوراته، وعن التفاعل معه، ولم يتوقف أيضاً عن شرح واقع وتفاصيل وظروف رفاقه الأسرى في السجون الصهيونية تلك الظروف القاسية التي تؤكد أنها السبب الرئيسي في إستشهاد هايل وهي الظروف نفسها التي تقف الآن وراء كثير من الأمراض التي يعانيها أبناء الجولان المحتجزين في الزنازين الصهيونية. لم يتوقف مدحت عن شرح تلك الظروف وأثارتها أمام المهتمين بهؤلاء المناضلين رغم اكتشافه المؤلم أن هؤلاء المهتمين كانوا قلة خاصة على المستوى الرسمي. ‏
يقول مدحت: مع الأسف اضعنا وقتا كثيرا ونحن نحاول لفت الانتباه لقضية اسرانا في السجون الصيونية،واليوم رغم الاهتمام الرسمي الذي ازداد مؤخراً بأهلنا في الجولان وأوضاعهم تحت الاحتلال الإسرائيلي، مازال أمامنا الكثير لنفعله،إننا في بداية الطريق علما أن ما نفعله أو نحاول فعله لهم ليس مقابلاً لنضالهم على الإطلاق فهم هناك يعرفون أنهم يقومون بواجبهم تجاه الوطن، تجاه الأرض،إنما هو أيضاً واجب الوطن تجاه أبنائه، تجاه جزء من مواطنيه؟ أولئك الذين يقاومون أعتى وأبشع وأسوء قوة احتلال عرفها التاريخ، وقد دخل ربعهم سجون هذا الاحتلال الاسرائيلي عبر الاعتقالات او التحقيق او التوقيف او السجن. ‏
ويرى الصالح ان للمقاومة في الجولان ظروفاً مختلفة عن أي نوع آخر من المقاومة،إذ تتحكم فيها عوامل كثيرة بشرية وجغرافية واجتماعية وسياسية، ‏
حتى الظروف الدولية تلعب دورا في ذلك،وقد استخدمت «اسرائيل» لمحاولة تثبيت احتلالها وطمس هوية الجولان وقلع جذور المقاومة فيه اساليب شتى لا تخطر على بال الشياطين بدءا من القتل الارهابي مرورا بالاعتقالات والحصار والتجويع ومنع الماء ووسائل الزراعة ومصادرة الاراضي وصولا الى اللعب بعواطف الجولانيين وابتزازهم في مشاعرهم وتقطيع اواصر القربى الاجتماعية والعائلية بينهم وبين الوطن الام سورية.لكن ومع كل مناسبة وطنية مرت على اهلنا في الجولان اثبتوا دوما انهم مازالوا يدا واحدة وجبهة متماسكة في وجه الممارسات الصهيونية وفي مقاومتها،متمسكين بهويتهم العربية السورية وبكل حبة من تراب ...واحدث دليل دامغ في هذه المرحلة المستمرة هو تلك الحالة الوطنية التي شهدها الجولان في مناسبة تأبين الشهيد هايل أبو زيد،حيث شكل استشهاده محرضا استثنائيا للمشاعر الوطنية،قبل ان يكون محرضا لمشاعر الحزن،وبدا ان تعلق الجولانيين بالمناضل ابو زيد وامثاله هو تعلق ابدي بالمقاومة فكرا ومنهجا،علما ان هايل شكل مثالا متفردا بشخصيته واقواله وافعاله،رغم انه لم يعش خارج السجن بينهم أكثر من 6 اشهر،وقد تحول اليوم بعد استشهاده إلى صفحة جديدة مشرقة في ضمير كل جولاني تشعل جذوة المقاومة فيهم وتطالبهم بإكمال مسيرة المقاومة . ‏
ويقول المناضل صالح :ان الوضع الذي تبلور بعد استشهاد رفيقي هايل ألقى بظلاله على الجميع في الجولان حتى هنا في الوطن،ودفع بقضية الاسرى السوريين الى السطح،من النواحي الإنسانية والقانونية والسياسية،هو اولا صعد من درجة المواجهة الاهلية مع سلطات السجون الاسرائيلية،و دفع لبدء العمل على صعد جديدة لكشف حقيقة الممارسات الصهيونية ضد الأسرى السوريين و العرب في «إسرائيل»، وناشد الصالح كل الهيئات والمنظمات الدولية و الإنسانية و القانونية للوقوف على حالة الاسير السوري سيطان الولي الذي يعاني وضعا صحيا دقيقا ومحرجا،وسط إهمال متعمد من سلطات السجون الصهيونية، وتعتيما على حقيقة مرضه،وهذا الوضع الذي يشبه المعاناة التي مر بها الشهيد أبو زيد يؤكد بشكل صارخ الاستهداف المباشر لأسرانا من قبل العدو، اذ لا يخفى ان معظم العمليات الجراحية التي اجريت لـ هايل اثناء فترة مرضه في السجن كانت فاشلة وادت الى تفاقم حاله المرضية،ثم أي عناية مزعومة تلك التي يتحدث عنها الصهاينة امام منظمات حقوق الانسان، هذه التي لم يكشف خلالها عن اصابته بسرطان الدم الا بعد بلوغه مرحلة متقدمة في جسد هايل ؟. ‏
ويتابع الصالح : بالمقابل أدى استشهاد هايل الى تصاعد حدة مواقف أسرانا في السجون الصهيونية وفتحهم للمواجهة مع السجان الاسرائيلي على كل الاحتمالات الى حد عدّوا فيه أنفسهم مشاريع شهادة، دون ان يعني ذلك توقع ان يغير هذا السجان من الأسس الثابتة لسياسته النازية بحق معتقلينا وأسرانا، وقد شكل هذا الأمر مصدرا جديدا لقلق أهلنا في الجولان الذين يقاتلون الآن على كل الجبهات للحصول على المزيد من فرص زيارة أبنائهم ومعرفة أوضاعهم الصحية . ‏
واقع اسرانا داخل السجون الإسرائيلية المقلق والمؤلم،إضافة إلى اوضاع أهلنا في الجولان وآلامهم وآمالهم وطموحاتهم و خيباتهم كل هذا كان محور الحديث الذي دار خلال استقبال السيد الرئيس بشار الأسد لهدية أبو زيد الشهر الماضي . الاستقبال الرائع (كما تصفه أبو زيد ) الذي استمع خلاله الرئيس الأسد لكل ما كان يجول في صدرها وقلبها من افكار وهموم ومعاناة تخص الجولان وأهله وأسراه وأكد فيه اهتمامه الشخصي المباشر بكل ما طرح في اللقاء الذي لم يكد ينتهي حتى بدأت مفاعيله التنفيذية تظهر على ارض الواقع . ‏
تقول هدية : لقاء السيد الرئيس بشار الأسد شكل حقيقة نقطة تحول مهمة بالنسبة للعمل من اجل الجولان، ليس لأنه استكمل بلقاءات مع السادة رئيس مجلس الوزراء ووزيري الخارجية والإعلام فحسب بل لان مجرد اللقاء مع الرئيس الأسد هو نوع من التكريم لأهلنا في الجولان و لأسراه وشكل دفعا معنويا كبيرا لهم ظهر في الاتصالات والرسائل الالكترونية التي وصلتنا بعده،والأمر الآخر الذي لا يقل اهمية هو اننا تأكدنا ان كل شؤون وطلبات ومعاناة الأهل هناك قد وصلت الى حيث يجب أن تصل، بدليل ان كل الأفكار التي طرحتها في اللقاء مع سيادته وضعت على الفور موضع التنفيذ وكان اول الغيث إنشاء مكتب لشؤون الجولان يتبع مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء ليشكل صلة وصل واضحة وسهلة وفعالة بين الجهات المعنية في الدولة وبين اهلنا في الجولان والمهتمين بشؤونهم هنا من الجهات المعنية. ‏

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات