بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
تشرين تنشر لقاء الأسير الشهيد كاملاً
  23/08/2005
 


الشهيد هايل أبو زيد يروي لـ «تشرين» قبل وفاته حكايا من الجولان.. الإيمان الراسخ بقضية الجولان وعدالتها وراء نجاحاتنا.. نحن ورثة تاريخ شعب وحضارة مجيدة وعريقة.. أسرى الجولان شكلوا إطاراً وطنياً عربياً سورياً.. أسرانا أمانة في أعناقنا جميعاً فلننصرهم

نشر في صحيفة تشرين الثلاثاء في 23\08\2005

الشهيد هايل أبو زيد واحد من الهامات الوطنية الشامخة التي ارتفعت في جولاننا الحبيب رافضة الاحتلال معلنة ولاءها المطلق والابدي للوطن الام سورية.

ناضل مع رفاقه ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي بكل عزم واباء.. وكان من بين عدد من الابطال السوريين ابناء الجولان الصامد الذين اسرتهم القوات الاسرائيلية ولاقوا في غياهب السجون ابشع انواع العذاب وانتهاكات حقوق الانسان الا ان كل ذلك لم يجعلهم يتراجعون قيد انملة عما آمنوا به وظلوا صامدين مؤمنين بعدالة قضيتهم والنصر القريب.

‏«تشرين» كانت قد اجرت بتاريخ 28/2/2005 حوارا مع الاسير المحرر ـ الشهيد هايل ابو زيد عبر الانترنت واذا كنا نعيد هنا نشر النص الكامل للحوار فذلك تكريما لذكراه وبطولته وفي الوقت نفسه تحية لاسرانا الصامدين في معتقلات العدو الاسرائيلي. ‏

فيما يلي نص الحوار
: ‏

بين الجولان ودمشق مسافات ، مسافات طويلة تختصرها الآمال والأحلام والتطلعات، بعد خروجي من المعتقل الإسرائيلي، وعودتي بعد أسبوعين من تحرري إلى مسقط رأسي، مرتفعات الجولان العربية السورية المحتلة،لم يخطر ببالي قط أنني سأكتب ومن وراء الأسلاك والقضبان مرة أخرى، لاخاطب واتواصل مع ابناء وطني، واخواني في الوطن الحبيب، وهذه المرة ليس مع مدحت وهدية الذين أتحادث معهما هاتفيا لبضع دقائق بعد ان تحررت، وليس مع أعمامي فارس واسعد ابو زيد ، الذين لم التقيهم، في حياتي أبدا، لكن هذه المرة مع واحد من ابناء الوطن الحبيب، لم التقيه ولا اعرفه ولم يجمعني به ، سوى هذا الانتماء الأصيل، وهذا الوجدان الحر الذي يؤجج مشاعره تجاه اخوته واهله في الأرض المحتلة، وهنا لا يسعني الا ان اقف شاكرا ومحييا كل تلك الجهود التي بذلها الاخ العزيز علي الأعور، وأسرة جريدة تشرين على مواقفها والتزاماتها الوطنية تجاه الاهل في الأرض المحتلة حين استلمت الأسئلة، وقرأتها لم اعرف كيف سأبدأ، ولكنني بدأت حيث انطلقت اولى الكلمات المستوحاة، من هذا المجهود الرائع الذي بذله الاخ علي الاعور، لتصل جريدة تشرين الى الجولان ويصل الجولان الى كل سورية وانحاء الوطن العريق. فشكرا لكم، وعميق التقدير والمحبة لاخي علي الاعور على هذه اللفته الكريمة.وكل الشكر ومن خلال جريدة تشرين الى كافة وسائل الاعلام المحلية والعربية التي وقفت جانبنا، وتبنت قضيتنا العادلة، ونشرت مقالا او تقريرا او بيانا، يكشف حجم معاناتنا، ويفضح الانتهاكات الإسرائيلية بحق أسرانا في سجون ومعتقلات الاحتلال الصهيوني.
السؤال الأول: ‏
الأسير هايل ابو زيد، حبذا لو تطلعنا عن دورك النضالي مع رفاقك في حركة المقاومة السرية والعلنية ضد الاحتلال، بشكل عام في انتفاضة الرابع عشر من شباط1982 والإضراب المفتوح؟ ‏

كانت انتفاضة الجماهير الجولانيه عام 1982 هي الحاضنة الحية والمولدة الحقيقية لكل ما تلاها من أعمال مقاومة علنية كانت أم سرية. وبالتالي فإن حركة المقاومة السرية كتنظيم عسكري جولاني، وضع نصب عينيه مقاومة الاحتلال بالطرق الكفاحية المسلحة، كأحد ارقى اشكال النضال ضد عدو لا يفهم إلا لغة القوة المعتمدة، على إيقاع اكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية في صفوفه. وعلى هذا الأساس وضعت حركة المقاومة السرية على رأس سلم أولوياتها هدف التصدي للقوات العسكرية الاسرائيلية المحتلة المتواجدة على امتداد الجولان المحتل، وتكبيده خسائر معنوية ومادية وجسدية قدر الإمكان. ‏
كنا مجموعة من الشباب الوطني الذين أنجبتهم هذه الانتفاضة المباركة، لم نتجاوز الثامنة عشرة من العمر بعد، ترعرعنا على حب الوطن وعشقه، وتقديس هذه الارض المباركة التي يدنسها الجنود الغزاة، لم نكن جنودا، او تابعين لميليشيات عسكرية مدربة، وانما أبناء لفلاحين ومزارعين، جبلتهم ارضنا، فجبلوها بعرقهم ودمهم وكبريائهم الوطني الاصيل . ‏
ان كنت سأتحدث عن الدور الشخصي في عمل المقاومة السرية ضد الاحتلال، فإنني سارتكب ظلما كبيرا بحق رفاقي والآلاف من الناس والنشطاء هنا داخل جولاننا الحبيب، لكن سانحصر بطبيعة السؤال واقول: دوري في هذا السياق كان جزءا مكملا ومتواصلا مع دور الرفاق الآخرين، لتحقيق الهدف المنشود. حيث قمنا بالاستيلاء على مخازن أسلحة وذخيرة عسكرية متنوعة،كانت متواجدة في ملاجئ تابعة للمستعمرات الاسرائيلية في الجولان، التي بنيت بحيث تحاصر القرى العربية المتبقية في الجزء المحتل من الجولان، استخدمنا هذه الأسلحة والمعدات العسكرية في عدة عمليات نضالية، اضافة الى عمليات نوعية اخرى، نجحنا فيها من اختراق مواقع عسكرية تابعة للجيش الاسرائيلي، حيث نزعنا حقول الالغام الارضية من محيطها المطل والمشرف على بيوتنا وقرانا وخاصة في منطقة " تل الريحان" داخل مجدل شمس، واستخدمنا هذه الألغام في عملياتنا ايضا، فقمنا بزرعها، وتركيب عبوات متفجرة أخرى إلى جانبها على الطرق العسكرية، على امتداد مناطق خط وقف إطلاق النار، ونفذنا عملية تفجير كبرى في أحد المخازن العسكرية الإسرائيلية في الجولان المحتل، حيث احتوى هذا المخزن على قذائف دبابات بلغت حوالي 1400 قذيفة كانت معدة كاحتياطي لدبابات العدو عند حدوث أي طارئ بين العدو وقواتنا العربية السورية، لقد شكلت عملية تفجير هذا المخزن الواقع قرب قرية بقعاثا في منطقة "بئر الحديد" قلقاً بالغاً، وهلعاً كبيراً في صفوف قوات الجيش الإسرائيلي، وأجهزة الاستخبارات العسكرية، وتفجير عدة آليات ومصفحات عسكرية تواجدت في المكان الذي احترق ودمر تماما. وساهمت مع عدد اخر من رفاقي في المقاومة السرية، في عدة عمليات استهدفت المجالس المحلية العميلة، واعوان سلطة الاحتلال، هذا بالاضافه إلى العديد من النشاطات النضالية الجماهيرية التي شملت رفع العلم السوري وتوزيع المناشير والبيانات المنددة بالاحتلال. ولا بد من الإشارة إلى إن النضال في صفوف حركة المقاومه السرية يستند إلى الجماعية وتوزيع الأدوار بطريقة تناسب كل رفيق وظروفه. كنا نمارس العمل التنظيمي المنظم ضمن قواعد العمل السري، التي حكمت علينا بالكثير من المصاعب والعراقيل، مع الأخذ بعين الاعتبار العمر الزمني لهذه المجموعة الجريئة، والتجربة البسيطة في العمل التنظيمي، لكن ما سبب لنا بعض النجاحات هو ذلك الإيمان الراسخ بقضية الجولان وعدالتها وشرعية الكفاح بكل المتاح من وسائل في سبيل تحريره، وعودته إلى حضن الوطن الام سورية الخالدة. ولكل رفيق من رفاقنا مآثره الشخصية ضمن المجموع، الذي سطر هذا العمل بآيات من العز والفخار. ‏
السؤال الثاني: ‏
وقفت مع رفاقك الاسرى الشجعان، وقفة عز واباء في قاعة المحكمة الإسرائيلية، ورددتم النشيد الوطني السوري، ردا على التهم الموجهة من قبل القضاة الجزارين، كيف تصف ذاك اليوم وتلك اللحظة؟ ‏

نحن طلاب حق، ولسنا مجرمين، نحن ورثة تاريخ شعب وحضارة مجيدة وعريقة، نعتز ونفخر بكوننا من أبنائها. وتاريخ سورية، ومنطقة الجولان خاصة، مليئة بالصفحات المنيرة والمشرقة، نحن أصحاب حق، لقضية عادلة، كيف نقر ونعترف بشرعية هذه المحاكم التي لا تمثل إلا قانون أسيادها القتلة الغاصبين. هذه المحاكم لا تملك شرعية أخلاقية او قانونية او انسانية بمحاكمتنا، فنحن حاربنا ونحارب قانونهم الباطل فكيف نتعامل بشرعيتها. لقد ذكرت سابقا اننا كنا مجموعة من الشباب التي لم تتجاوز الثامنة عشرة من العمر بعد، يعني غريزتنا ووعينا الوطني، وهذا الاندفاع الثوري في نفوسنا تجسد برفضنا الاعتراف بشرعية هذه المحاكم، فوقفنا وقفة تليق بهذا الحمل الذي ورثناه، وآمنا به. لقد مارسنا حقنا المطلق ونحن في قبضتهم، في رفض الاحتلال ومحاكمه، ورفض القانون الغاصب الذي يحاكموننا بموجبه، قلنا لهم وعلى مرأى ومسمع قضاتهم وضباطهم وكافة وسائل الإعلام الإسرائيلية التي جاءت لتحتفل بمحاكمتنا: اننا لم ولن نكون إلا عربا سوريين، ولم ولن يمثلنا إلا القانون السوري، ولنفهمهم، أننا هنا فوق أرضنا الباقون. رفضنا الوقوف لقضاة محكمة الغاصبين على امتداد كل الجلسات، التي استغرقت اكثر من ستة اشهر، وأنشدنا النشيد العربي السوري في الجلسة المقررة لاقرار حكمهم الجائر غير الشرعي، تأكيدا على انتمائنا لما يمثله هذا النشيد، وما يمثله هذا الموقف الذي عبرنا به انا ورفاقي في قاعة المحكمة الاسرائيلية. والآن عندما أتذكر تلك اللحظات أحس بهامتي وهامة الجولان تسمو فوق كل الأسلاك لتعانق سماء سورية وطننا الحر الشامخ. ان رفعة شأن الوطن هو بالأساس ارتفاع من شأن الفرد، فمتى حافظنا نحن الافراد على قدسية هذا الانتماء لهذا الوطن، سيعلو ويرتفع ويسمو هذا الوطن الحبيب. ‏
السؤال الثالث: ‏
معاناتك في زنازين ومعتقلات العدو، خلال العشرين عاماً، حبذا لو تطلعنا عليها؟ ‏

إن المعاناة في ظروف الاحتلال تمتزج بالغضب، كل جرح يزهر ثورة. وداخل أسوار السجون تزداد هذه المعانات ويزداد معها الغضب. إن سلطة مديرية السجون القمعية امتداد تنفيذي لقوات الاحتلال الغاشم، وتحاول جهدها أن تكسر إرادة الأسير الثائر، وان تنال من صموده وتلجأ للحصول على هدفها إلى أبشع الطرق. فمثلا تحاول التضييق على المعتقل وأسرته، تحاول إذلاله عن طريق استخدام القوة للتفتيش العاري، ومنعه من لقاء أهله وزيارتهم، والعبث الدائم بحاجياته الخاصة، وأيضا سياسة القتل البطيء و الإهمال الطبي المتعمد،الذي كنت احد ضحاياه، كل ذلك بهدف واحد هو كسر شموخنا وإرادتنا. ان الحديث عن معاناة الأسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، يحتاج إلى اكثر من إجابة محصورة بسؤال محدد. إننا لن نستطيع فهم أسباب هذا العذاب و التعذيب والتنكيل إن لم نستطع فهم وإدراك الطبيعية الإجرامية لقادة الدولة العبرية. فالحقد والكراهية وتدريس احدث فنون التعذيب النفسي والجسدي، في دورات خصصت لذلك، هي وسيلة من الوسائل التي تنفذ لغاية اليوم بحق الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي. عدا عن إخضاع الأسرى إلى تجارب طبية وعلاجية، وتخصيص حلقات دراسية لطواقم الهندسة البشرية داخل السجون لإجراء التجارب والبحوث على الإنسان داخل المعتقلات. إضافة إلى التقليل من شأن الإنسان واهانته، وإذلاله، وجعله مجرد كم مهمل على شعبه ومجتمعه. هذه الانتهاكات التي تجاوزت كل الشرائع والقوانين والمعاهدات، هي اليوم أساس لمعركة الصمود والبقاء والتحدي بين مديرية السجون بمختلف طواقمها وبين الحركة الوطنية الأسيرة بمختلف تنظيماتها وأسراها داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية. هذه الحركة الوطنية الاعتقالية أثبتت، وتثبت كل يوم، انها على قدر كبير من الصمود والكبرياء والبطولة الفردية والجماعية، في معارك الإرادة داخل زنازين وسجون الاحتلال . ‏
السؤال الرابع: ‏
كيف تلقيت نبأ وفاة والدك داخل السجن؟ ‏

واحدة من أكثر الأفكار المرعبة التي تقلق الأسير هي فقدان أي عزيز خاصة وان الأسير قد "فقد" بشكل أولي ومؤقت أهله ووطنه وأصدقاءه. إن وفاة والدي كانت اكبر جرح يدميني وأنا في الأسر، أن اسمع من عدوي تلك الكلمات التي مازلت أحس بثقلها في صدري، تلك الكلمات التي رفضت دائما أن أصدقها، أو تمنيت ألا أصدقها، كانت صدمة موجعة وشعرت للحظة طويلة جدا بالبرد والفراغ. لم ينتشلني من هذا الضيق إلا إصراري على ألا اترك لعدوي فرصة أن يراني انهار أو يشمت من ضعفي أمام فقداني لأقدس إنسان. كان أبي المحب الحنون والصديق الوفي حين سرقه الغياب، خسر الجولان رمزا مناضلا وثائرا، وخسرت أنا ظهري الذي كنت استند إليه، ولم أتمكن من أن أقول له آخر كلمات الوداع، لم اقل له كم سأفتقده اليوم حين أعانق أمي وأخوتي وأخواتي وانظر إليه فلا أجد إلا صوته البعيد ورائحته التي تملأ روحي. "ها قد عدت إلى البيت يا أبي، ولم أجدك بانتظاري كما وعدتني منذ 20 سنة، فافخر باني ابنك كما افخر بأنك أبي". سيبقى هذا الجرح مفتوحا، كلما سرحت عيناي في جدران المنزل الذي ما زال يفوح برائحة جسده، وأزقة الحارة، التي عرفته وجبلته. سأبقى افتقده، كلما تأملت عيناي والدتي وأخواتي واخوتي. لقد رفض هؤلاء الجلادون، كل الطلبات التي تقدم بها رفاقي، من اجل السماح لي بإلقاء نظرة الوداع الأخير على جسده الطاهر، لكن عزائي بان والدي فخور بي. لقد انتصرت ارادتي على عوامل السجن القاهرة وعامل الزمن. هذا الانتصار، في انتزاع حريتي أقدمه إلى روحه الطاهرة، هناك حيث ترقد بسلام. ‏
السؤال الخامس: ‏
أسرت «إسرائيل» ، شقيقك الأصغر حمد، بماذا تصف لنا شعورك عندما التقيته وراء القضبان، وكيف تعاملت مع الموقف ؟ ‏

‏ استطاعت «اسرائيل»، سجن الجولان كله، وعزله جغرافيا عن وطنه الام سورية، لكنها لن تستطيع حبس الانتماء والتواصل والاستمرارية والقناعة. حين علمت ان أخي الأصغر حمد قد اعتقلته سلطات الاحتلال بتهمة الانتماء الى المقاومة، شعرت بتناقض الاشياء والمشاعر في أعماقي. حمد أخي ابن الـ 6 اعوام اصبح من رجال المقاومة في الجولان، أحسست فجأة بطول الزمن الذي قضيته متنقلا داخل المعتقلات الإسرائيلية، وأحسست ببعد المسافة بين اعتقالي واعتقال اخي الاصغر. هكذا... فجأة... أرى أخي منتصبا إمامي حاملا ذات الجرح والشموخ الذي احمل، تاركا في بيتنا وراءه دمعة اخرى تسيل على وجه امي، التي انهكتها سنوات الانتظار والصبر 20 عاما، تتنقل من سجن الى سجن آخر، ومن شارع الى شارع آخر، لتراني ولو للمحة بصر خلف القضبان. كان اعتقال أخي يحمل لي تناقضا فمن جهة اعرف انه مثل كل الأسرى يرفض القيد والأسر ومكانه الطبيعي خارج هذه الأسوار، ومن جهة ثانية، إن اعتقاله سيشبع في نفسي عطش لقائه والتعرف عليه، وسأتمكن بعد 18 سنة أن أضمه إلى صدري، أن اقبله واعانقه، واساله عن كل شيء، لا أخفى عنه مشاعري وعواطفي واوضاعي، وسيخبرني عن امي واخوتي واخواتي دون حواجز وقضبان وخوف، ‏
سيتسنى لي التعرف إليه عن قرب، فقد كان عمر أخي حمد عندما اعتقلت 6 سنوات كبر دون أن أتمكن من مواكبة أحلامه وأفكاره وهمومه 18 سنة لم أتمكن مرة واحده أن أساله عن الأشياء التي يحبها أو يكرهها، لأني لم أره إلا من خلال شبك الزيارة ولدقائق قليلة، في فترات متباعدة. إن اعتقاله كان هماً يؤرقني لأني اعرف كم سيتعب وكم ستتعب أمي معه "معنا"، وكان أيضا فخراً لي لاني أحسست به ذاتي ورأيته رجلا ثائرا يمكن أن يعتمد عليه . ‏
السؤال السادس: ‏
الأسير مدحت الصالح، رفيق دربك في النضال، وزميلك في الزنزانة لفترة طويلة، حبذا لو تحدثنا عن دوركما في تعزيز الموقف النضالي لاسرى الجولان وإخوانكم أسرى لبنان وفلسطين؟

لقد شكل أسرى الجولان العرب السوريون داخل السجون الإسرائيلية إطارا وطنيا عربياً سورياً- حركة المقاومة السرية، بعد مرحلة الاعتقال. وكان هذا الإطار العربي السوري، جزءًا مكملا للساحات النضالية العربية داخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية. فحركة المقاومة السرية إطار وطني يمثل الهوية السورية للساحة الجولانية إلى جانب الهوية اللبنانية التي تمثلت بأسرى المقاومة الوطنية اللبنانية، واسرى المقاومة الإسلامية، وتمثلت الهوية الفلسطينية، عبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث توحدت الساحات العربية في الخندق الأمامي في مواجهة مديرية السجون ومختلف أجهزتها، للحفاظ على الإنسان الوطني الملتزم، الذي يتعرض الى جرائم وانتهاكات خطيرة بحقه وكيانه وكرامته داخل هذة المعتقلات. وقد تجسدت هذه الساحات في بوتقة نضالية واحدة موحدة ضد ادارة السجون. ونحن كأسرى جولان عرب سوريين جمعنا الهم الوطني، فقد كنا جميعا ومعنا الرفيق مدحت الصالح شركاء في النضال من اجل كرامة وحرية جولاننا. وشركاء في المصير والهدف والحلم والآمال والتطلعات الشخصية والوطنية والإنسانية. لقد ا انضوينا تحت راية المقاومة المسلحة، والنضال الجماهيري على الساحة الجولانية، واشتركنا في عدة عمليات للمقاومة، حتى مرحلة الاعتقال، ثم خضنا معارك وجودنا، الوطني والنضالي والإنساني، عبر رحلة الاعتقال الطويلة والأليمة. إن وجود عشرات الرفاق ومئات الاصدقاء، الذين يناضلون من اجل رفع معاناتك، والمطالبة بالافراج عنك، وتخفيف وطأة الاعتقال ولد لدينا شعوراً بالامان والراحة، وساهم في رفع معنوياتنا على إننا لسنا وحدنا في المعركة فهناك العشرات والمئات من الرفاق معنا. مدحت الصالح أسوة بباقي الرفاق وعشرات المئات من المدافعين عن حقوق الأسرى والمعتقلين، هذا يجعلنا نتمسك بأيماننا، ويخفف من شدة الضغوطات والعقوبات التي تفرضها إدارة السجون علينا كأسرى. الرفيق الصديق مدحت الصالح رفيق لم نعرفه سوى ثابتا على ايمانه، وراسخا في مواقفه، التي اشتاق جدا الى مشاكسته بها كثيرا. ‏
السؤال السابع: ‏
بماذا تصف شعورك وأنت تُستقبل استقبال الأبطال من قبل أبناء الجولان، وخاصة لحظة ترى فيها منزل والدك، الذي ترعرعت فيه على حب الوطن والذود عن حماه؟ ‏

‏ لحظات طويلة كنت احبس دموعي، بعد غياب 20 سنة ها أنا مرة أخرى اعبر فوق تراب الجولان السوري المقدس. لم أتمالك نفسي حين سمعت صوت أخشاب جسر بنات يعقوب تهتف تحت عجلات السيارة التي كانت تقلني ففاضت الدموع من عيوني لأني صدقت أخيرا حلمي الذي طال لـ 20 سنة وحين التقيت بعيون الآلاف الذين انتظروني بكيت ثانية لان رفاقي الذين حلمت معهم أن نكون سوية في مثل هذه اللحظة ليسوا معي "هل علينا دائما أن نختصر شيئا من الحلم لنبكي حين يجب أن نفرح؟ إلى متى ستظل ضحكتنا مبتورة"، وفي حالتي فإن ضحكتي مبتورة مرتين لغياب رفاقي ولاني لن أتمكن من معانقة أو تقبيل أي واحد من أصدقائي أو أخوتي أو أي إنسان أتى فقط ليقول شيئا، بسبب المرض الذي أصابني. ان تكريم الاهل في الجولان، واحتفالهم بتحرري من المعتقلات الاسرائيلية، هو تكريم لظاهرة سياسية وطنية أخلاقية من الدرجة العليا، تلك الظاهرة التي مثلها المئات من قافلة الاسرى والمعتقلين منذ سنوات الاحتلال الاولى في الجولان. ان هذا التكريم ليس شخصيا، بقدر ما هو تكريم لهذه الظاهرة الاخلاقية السامية، ظاهرة الاعتقال، وظاهرة المقاومة التي حتما يجب ان تدخل في الوعي الوطني والاجتماعي والسياسي لكافة ابناء شعبنا في المحتل من الجولان وكافة انحاء الوطن السوري الحبيب. ‏
السؤال الثامن: ‏
عندما وصلك نبأ الإفراج عنك، بماذا شعرت؟ وهل تحن إلى رفاقك في المعتقلات الذين لا يزالون تحت قبضة السجان؟

‏ هناك حين تم نقلي إلى مستشفى رمبام، بمرافقة حراس السجن، لم اكن اعلم ماذا يدور خارج القضبان، بعد أن استطاع الأهل والرفاق من زيارتي بالمستشفى، علمت منهم انهم أطلقوا حملة قانونية وإعلامية للإفراج عني. لم اكن أتوقع أن يحدث هذا الأمر بسرعة مذهلة، كنت استمع إلى وعوداتهم وتحركاتهم واتصالاتهم العديدة، لكنني في داخلي كنت على قدر كبير من الشك في استجابة السلطات الإسرائيلية لطلب الإفراج عني، الذي تقدم به محامو الدفاع، وهذا يعود لعشرات التجارب والحالات التي رفضها الإسرائيليون لمعتقلين آخرين . ‏
لكن حين اقتحم غرفة المشفى رفيق دربي وزنزانتي ايمن ابو جبل، وفي عيونه التي شاخت قبل موعدها غيوم تنتظر لفتة مني لتمطر على جسدي ووجهي وروحي، كلماته الأولى وسط دموعه المنهمرة وغير آبه لوجود السجانين وأفراد الشرطة الذين تفاجؤوا من هذا الاقتحام"هايل انتصرنا، أنت حر، حر"!!! "ضمني إلى صدره الدافئ مبللا خدودي بدمعه، وعلى بعد خطوة واحده وقف وراءه رفيق زنزانتي الآخر كنج ابو صالح، الذي اخفى عينيه عن ناظري، ربما لأنه كان يحاول أن يخبئ وراء كفه تعب سنين طويلة، وربما لان عيوني متعبة لم أتمكن من رؤية ملامح وجهه، لكني كنت اسمع لهفته وهو يشهق من فرح غير ملموس لي منذ سنوات ...كان ذلك للحظة ثم بدأت أشعر بالضيق.. برغبة أن اصرخ كأني لا اصدق, فما زالت سلاسل القيود تنهش يدي ورجلي، وما زال ظل السجان أمام وجهي على بعد همسة يصغي لهذه الصور، وهو مشتت يسمع انتصارنا في المعركة القضائية التي شهدتها المحكمة، حيث خاضها المحاميان نبيه خنجر ومجد أبو صالح، وهذا السجان لا يعرف شيئاً عما يدور. وأنا بدأت اشعر بالغضب إذا تحررت، فلماذا ما زالت يدي الحرة مقيدة، ولماذا لا يخرج السجان - الغير مرغوب به- من هذه الغرفة في مستشفى رمبام. لقد استغرقهم الأمر أكثر من أربع ساعات، ليتأكدوا من قادتهم وإدارة السجون، أنني قد تحررت فعلا منهم. وأنا لن أتحرر من عبء انتظار رفاقي هناك في الأسر إلا رؤيتي لهم جميعا هنا معي، ولكن لن اغفر "لأحد بما فيهم نفسي "إن رأيتهم يصلون إلى مثل الحالة التي وصلتها، وتحررت بموجبها من الاعتقال، إصابتي بسرطان الدم. أقول إذا استمر نسيانهم كما هو الآن أخشى أن يحررهم المرض "إن نسيانهم لا يقل بشاعة عن الأسر نفسه. ‏
السؤال التاسع: ‏
من هو أول شخص تمنيت أن تلقاه، وتضمه لحظة إطلاق سراحك أو عودتك إلى مسقط رأسك ؟ ‏

‏ تمنيت أن أضم أبي إلى صدري، ولكني رجعت إلى الجولان ولم أجده، بحثت عنه كثيرا في كل تلك الأماكن التي اعرف انه يحبها، بحثت عنه بين أشجار التفاح فلم أجد إلا وصاياه أن نحب الأرض لأنها تحبنا. رائحته ما زالت عالقة في زوايا البيت وصوته أيضا، لكني لم أتمكن من ضمه، وحدها أمي تعوضني عن غيابه وأخوتي أيضا وأصدقائي لأنهم يشبهونه قليلا ويحفظون وصاياه كثيرا. ‏
السؤال العاشر: ‏
جريدة تشرين نشرت عن الجولان المحتل خلال العام 2004 اكثر من 73 مقالاً، عن نضال أبناء الجولان ومعاناتهم، وعنك أكثر من 7 مقالات، ماذا تقول لإدارة الجريدة والمحررين الذين يواكبون نضال أبناء الجولان علماً انه من واجبهم؟ ‏

هذه معاناة أخرى.. جميلة وقاسية 73 مقالاً عن الجولان و7 عني تحديدا دون أن أتمكن من متابعتها لان الاحتلال يمنع وصولها إلينا. حتى ولو وصلت فإن إدارة السجن لا تسمح بدخولها إلى المعتقل لأنهم يخافون من نسج هذه العلاقة الثقافية بيننا. هم يعتقدون إنهم قادرون على حرماننا من التواصل مع أهلنا وشعبنا العربي السوري وينسون أن كل شيء فينا سوري: أنفاسنا كلماتنا، أفكارنا، همومنا، لم ولن تكون إلا عربية سورية حرة. إنني اشعر بفرح غامر لان أحداً ما زال يذكر الجولان ومعانات أهله الأحرار الصامدين، وأوجه دعوتي للمزيد من هذا الرصد لساحة الجولان تعزيزا لمحاربة النسيان الذي يجرحنا وتواصلا مع أبنائنا و أهلنا في الوطن، خاصة الجيل الناشئ الذي قد لا تسمح له الظروف للتعرف على جزء من وطنه، يقاوم الاحتلال الصهيوني البشع. كل التحية والاحترام والتقدير لكل الأقلام الحرة التي تحارب الصمت وتحارب النسيان، وفية لفكرها الحر ومعبرة عن ‏
الضمير الحي في هذا الوطن، تحية لكم في تشرين ولكل من يكتب حرصا على رفعة وشموخ وطننا، في تشرين وفي باقي الصحف التي تحمل أنفاس الحرية. ولكنني ومن منطلق الاخوة، ان تستثمروا كل الأقلام وكل الطاقات من اجل رفعة الجولان لان فيه رفعة لسورية والعرب جميعا. نحن ندرك ان الحرب اليوم أيضا حرب إعلامية وثقافية وحضارية ونحن رواد حضارة عريقة مجبولة بالكبرياء. ‏
السؤال الحادي عشر: ‏
ماذا تقول لأختك هدية المقيمة في الوطن، وزوجة الأسير السابق مدحت الصالح، والتي لا يسمح لها الاحتلال بالذهاب إلى الجولان المحتل، مع العلم أنها كانت طالبة في جامعة دمشق، ماذا تقول وهي المتشوقة لك كثيراً وماذا تقول لابنها جولان؟ ‏

إني افتقدها كثيرا كأخت وصديقة، اتوق جدا الى معانقتها، وضمها، فسنوات الاعتقال الطويلة سرقت من وجهها البريء الكثير، اختي الصغرى هدية اعرفها واعرف انها صاحبة رسالة مقدسة في الحياة، هديه القريبة لي كأحلامي وحدها من أسرتي لم أعانقها بعد.. لم القي برأسي على كتفها ولم أشم رائحة شعرها عندما اسمع صوتها القادم من وراء هذه الأسلاك، اشعر بألم وكأنني ما زلت أسيرا للمسافة، هذه المرة أسيرا لهذه الأسلاك التي تحرمني من عناق أختي وضمها إلى صدري، هي التي انتظرتني طويلا ولم نلتق بعد، أين الحرية إذاً... كلنا أسرى ولكن يعزيني ثقتي بأنها هناك في أجمل وأقدس ارض، مع إنسان عزيز جدا وغالي على قلبي، يبذل ما استطاع ليسعدها ومعهما طفل باسم روحي باسم الجولان الذي افديه بشبابي كله. أقول لك أيتها الأخت الحبيبة الغالية: إن الطريق الذي تعبرين عليه سماؤه عالية، وان الضوء في آخر الطريق يطلب منا أن نتعب كي يسمع كل من لا يسمع صرخاتنا وهمساتنا وآهاتنا ودموعنا وأحلامنا، لا تيأسي من صمتهم، لا تبكي أيتها الغالية على اغترابنا، وثقي أني أقدس خطاك وأدرك كم تتعبين، وانشد معك نشيد الحرية إلى أن تعم الحرية ، رفاقنا أولا، وجولاننا، وفلسطيننا، وعراقنا، وكل من يقف في وجه الظلم رافضا الذل. أختي ارغب جدا بتقبيلك وعناقك وارغب أيضا أن أراك منتصرة قبلي، جولان الصغير الذي لا يعرفني بعد، ولا اعرفه أيضا، علميه كل ما آمنت به، وآمن به والدنا، هذا الفلاح القروي السوري الأصيل، وكل الأحرار الثائرين، من فوق هذه الأسلاك التي تكسر حلمنا، ابعث لك مع أول فجر لهفتي وشوقي وغمر سنابل يدلنا إلى طريق اللقاء القريب، ألف قبلة لك ولمدحت وجولان، الذي اعرف كم سيشبهك ويشبه مدحت ويشبهني ويشبه وصايا أبي. لك مني دعواتي بالخير وصلواتي بالصبر، ومن قلبي اعمق الأمنيات باللقاء القريب على ثرى جولاننا الجريح. ‏

السؤال الثاني عشر : ‏
الأخ هايل هل ترغب في توجيه أي كلمة أخيرة ؟ ‏


نعم أخي العزيز، ارغب في توجيه نداء احمله أمانة في عنقي، إلى شعبنا والى قيادتنا العربية السورية، وكافة المسؤولين عن متابعة شؤوننا المحلية في الجولان المحتل، أسرانا هم أمانة في أعناقنا جميعا، فهم أولئك الجنود البواسل الذين مضوا إلى الواجب متى طلبتهم أرضنا المباركة، وهم أولئك الرجال الذين اخترقوا جدار الخوف والصمت، وصنعوا مآثر في البطولة والكبرياء التي صانها لنا الأجداد والآباء من ابناء شعبنا العربي السوري العريق. ارغب بتوجيه أحر التحيات إلى كافة الأصوات والأقلام والحناجر التي رافقت وما زالت ترافق معاناة الأسرى والمعتقلين وقضية الجولان، وتجعله يدخل وعي وإدراك الأجيال الشابة من ابناء شعبنا. وفي هذا السياق احيي جهود الأخ نواف الفارس محافظ القنيطرة، على ما بذله ويبذله من جهود لنصرة قضية الأسرى. ‏

واسمحوا لي أن اوجه عميق التحيات والمحبة والشوق الى رفاقي الاسرى والمعتقلين من ابناء الجولان السوري المحتل الذين ما زالوا هناك خلف قضبان المعتقلات الإسرائيلية، واسمحوا لي باستحضارهم جميعا: تحياتي إليكم في سجون الاحتلال ايها الرفاق الأصدقاء، تحية إليك يا عاصم وسيطان وصدقي وبشر وعباس وكميل وكمال وسميح ووئام وآمال وشام. وعميق التحية الى أسرى الجولان من ابناء قرية الغجر السورية ابو يوسف سعد قهموز، واحمد ويوسف قهموز ، وحاتم وحسين الخطيب، ورؤوف عيسى، وحسين قهموز على أمل اللقاء بكم قريبا على ارض الجولان المحرر إنشاء الله. ولن انسى رفاقي من الأسرى الفلسطينيين وخاصة عرب ال48، والى عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار. تحياتي لجميع اسرى الحرية في العالم. ‏

وشكرا لكم . ‏

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات