بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
الأرض أرضنا..
  27/06/2007

الأرض أرضنا..

 د.اسكندر لوقا

لم تكن الجولان يوماً، مجرد تعبير يتصل بالجغرافيا وحدها. الجولان تعني الأرض، والأرض تعني الشرف والكرامة والكبرياء. ومن هنا كانت الجولان وتبقى هاجساً وطنياً في عقل وضمير كل مواطن من أبناء شعبنا العظيم. نقول ذلك لأن "الجغرافيا" وحدها، عندما تنفصل عن معناها الوطني، تفقد وهجها وتألقها، وقد تخضع في مثل هذه الحالة إلى شروط المساومة على واقعها ومستقبلها.‏
ولهذا الاعتبار، يأتي وصف الأرض في قاموس سورية الوطني بأنها الكاملة التي كانت مدخلاً لكل المعارف في الذات الوطنية وما حولها.‏
والأرض الكلمة، تكبر في عقل الرجل الكبير، وتتسع حتى تغطي الآفاق كلها. وهي في مثل هذه الحال، تغدو الهاجس اليومي لديه. ومن هنا تتخذ مقولة الأرض عند أبناء شعبنا، شكل المقدمة لدخول عالم الغد.‏
ولهذا الاعتبار، جاءت الدعوة لسلام غير منفصل عن الأرض، عندما أطلقت سورية شعار السلام القائل: الانسحاب الشامل مقابل السلام الكامل.‏
ولا نعتقد أن أحداً يمكنه القول بأن معادلة كهذه، تتصف بالمنطق والموضوعية تحتمل التأويل الخاطئ. فالأرض لا تنفصل عن السلام ومن المستحيل، ولا نقول بالصعوبة فقط، بل من المستحيل أن يساوم الإنسان على نصف أرضه، أو أن يناقش خياراً كهذا الخيار. وإذن علينا أن ندرك كم هي الأرض غالية ومقدسة في قاموسنا السياسي، كم هي مؤثرة في مسألة الحرب والسلام، سواء على المدى المنظور أو على المدى الأبعد من زماننا هذا.‏
ولا نعتقد أن أحدنا يتخطى معطيات الواقع حين يدعو إلى التلاحم بين الأرض والإنسان، وذلك لأن الأسباب الخارجية إذا كانت تفرض مسافة بين الواقع والطموح، فإنها تفرض، في الوقت ذاته إمكانية دفع هذا الواقع وتطويره نحو الطموح، وبمعطيات الواقع قبل أي شيء آخر.‏
وتأسيساً على مبدئية التلاحم بين الأرض والإنسان، وأثر هذا التلاحم في تحديد مسارات الحرب أو السلام، هل تسمى الأرض أرضاً إذا ما قيست بالأمتار فقط أو كانت مطوقة، أم أنها تنقلب إلى قضية لا يجوز لأحد أن يساوم عليها؟ وهل الأرض، ضمن هذه الرؤية، سوى التاريخ والوجود كله.‏
لأنها ليست الجغرافيا وحدها، ولا التسمية وحدها، فهي إذن، التاريخ والشرف، وهي العرض أولاً وأخيراً.‏
وحين يردد أحدنا "إن كرامة الإنسان مرتبطة بكرامة أرضه، بكرامة وطنه، فإنه يطرح ذلك، كمقدمة لكل الأمور الأخرى التالية. إنه يحدد الإطار العملي للوظيفة الوطنية. ولا نظن إلا أنه يحذر من مخاطر التساهل في هذه المسألة، لأن من يفقد أرضه ويرضى بأن تنقلب المسألة أمراً واقعاً، سيفتقد كرامته.‏
وعندئذٍ لن يساومه الآخرون على كرامته فقط، بل سيفعلون ذلك حتى بالنسبة إلى هويته الوطنية. وماذا يفوق الخيانة بعداً في انهيار الإنسان أمام عدوه، إذا هو قبل بمثل هذا المصير؟‏
ولأن أرض الوطن تبقى غالية، وتبقى عنواناً لصمود الأهل فيها، فمن البديهي القول إنه أمر مستحيل أن يذهب أحدنا ليجد الحل عند من اغتصب الأرض. وإذا حدث ذلك يوماً في التاريخ، فمن قبيل السقوط بين أيدي الأعداء، يتلقفون مصيره ويتلاعبون به على هواهم.‏
لقد طرحت سورية في الماضي وتطرح الآن معادلة: "المهم ألا تبيع الشعوب قرارها". مثل هذه المعادلة، ماذا تمنح المرء في وطنه غير الشعور بالكبرياء والشموخ وتجاوز جدار الخوف والتردد؟‏
قد لا تكون وسائل حماية الأرض من الغزوات على المستوى المطلوب، لسبب من الأسباب، ولكن كل الشعوب، التي استعمرت، قاومت الاستعماريين بالوسائل التي لديها. وحين يستذكر أحدنا هذه الصورة، فلكي يضع أبناء هذا الجيل والأجيال المقبلة أمام الحقيقة القائلة إنه لا يجوز في القضايا الكبرى، التوقف عند أول عقبة نصطدم بها. وهنا، قد نواجه عجزاً في أي نوع من أنواع الوسائل المادية، من المسدس إلى الطائرة النفاثة، إلاَّ الإنسان حين نبنيه على علاقة التلاحم مع الأرض، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، لابد أن تكون الكلمة الأخيرة كلمته لا كلمة الاحتلال. قد تطول المعارك وصولاً إلى الكلمة –القرار في المسألة الوطنية، ولكن متى كانت المعارك الخاسرة تقضي على الشعور الوطني في بلد ذرة التراب فيه تساوي الحياة؟..‏
على هذا النحو، تأخذ مقولة الدفاع عن الأرض، بعداً جديداً في نفوسنا، وهي أنه، مهما بنى الإنسان من أمور، إذا لم يكن قادراً على الدفاع عن أرضه وعن ذاته، لا تجدي هذه الأمور نفعاً. وبلادنا، إذا لم تكن القدوة في السياق، فهي من بين البراهين التي أثبتت أن الدفاع عن الأرض ليس رهن توافر الإمكانات المادية فقط، بل أيضاً، ربما في المقدمة، يأتي الإنسان المؤمن بأنه في النهاية، قضايا الشعوب العادلة، تنتصر.‏
حين يضع المتحدث مثل هذه الحقيقة أمام القارئ، أو أمام المستمع، فليقينه بأنه من الصعب أن نتصور عملاً مرتبطاً بمسائل الحياة ويسير عكس اتجاه الحياة. فأين هي الحجة الأقوى؟‏
ولعلنا لا نضيف جديداً إلى ذاكرة الإنسان العربي في المنطقة عموماً، وفي قطرنا تحديداً، إذا أعدنا القول مرة ومرات إن العنصر الأهم في أية معركة يبقى إيمان الإنسان بقضيته، ذلك لأن الإنسان، يبقى هو الأساس بين جميع عناصر المواجهة. وهنا لا تنتهي عند حد معين، مواصفات العدو الذي تقتضي المصلحة الوطنية أو القومية مواجهته. فالعدو، هو أيضاً، التخلف والجهل والمرض وما يندرج تحت هذه العناوين الكبيرة من تفرعات، كل منها يتطلب مواجهة حقيقية.‏
وبطبيعة الحال، إن مسألة المقاومة، على كل الصُّعد، لا تتوقف عند رغبة ، نريد أو لا نريد، لأن المسألة هنا تتخطى الإرادة الذاتية، باعتبارها تتعدى حالة التمنيات. هنا، دفاعاً عن التقدم أو دفاعاً عن الأرض، على حد سواء، يأتي الوجوب عملاً مطلوباً لا غنى عنه ولا مفر منه، حقيقة اعتمدها التاريخ وهي أنه لابد للإنسان أن يقاوم بل ويجب أن يقاوم؟ نقول بالوجوب، لأن الإنسان، في القضايا الكبرى وأمامها، لا يملك حق الخيار، ولا يجوز له أن يختار حالة البين بين، والسبب في ذلك، كما في مسألة الدفاع عن أرض الوطن أو في مسألة استنبات خيراتها بالفعل المتواصل والصادق، أننا يجب أن نقف في الزاوية المضيئة، حيث الرؤية تسمح لنا بأن نحيط بالأمور المطروحة أمامنا أو علينا إحاطة دقيقة وصحيحة، خصوصاً ونحن في زمن السعي لاستعادة أرضنا المحتلة: الجولان.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات