بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
نساء الجولان آلام قاسية ومعاناة مضاعفة في مواجهة الاحتلال
  09/08/2007
 

نساء الجولان آلام قاسية ومعاناة مضاعفة في مواجهة  الاحتلال

يذهب الرجال عادة إلى ذلك الشريط الشائك اللعين لإطلاق النار عليه، نار الغضب والتحدي، وأيضاً لإعادة قياس الأمتار القليلة التي تفصلهم عن بيوت المجدل، مجدل شمس المحتلة، ولحساب الزمن- الدقائق القليلة التي يحتاجونها لضم تلك البيوت والأشجار والعمامات البيضاء الواقعة تحت الاحتلال إلى أهلها إلى وطنها الأم عندما يتحرر الجولان وتحين ساعة العودة...

هكذا غالباً يفعل الرجال الجولانيون، لكن الأمر لا يخلو من تلويحة شوق بالأيدي الخشنة رداً على تلويحة منديل أبيض من وراء الشريط لابنة زوجوها إلى المجدل أو عين قنية.. وقد يحدث أن يطلقوا صرخة سؤال حار للاستفسار عن صحة الوالد المريض الذي لم يبق أمامه متسع من العمر والصحة للحضور والإجابة عن السؤال.
أما النساء فيذهبن عادة إلى ذات الشريط الشائك الملعون أيضاً، لإطلاق سيل من النار، نار الدموع الساخنة في المسيل على الخدود المكوية بحرارة الملح والدمع الحزين، وأيضاً لإطلاق الأشواق المحبوسة بسبب الفراق، إطلاقها عبر التلويح بالمناديل البيضاء المعطرة بياسمين الشام.. يذهبن للاستفسار عما استجد من أخبار الأم أو البنت أو الأخت أو الابن أو الشقيق، هناك حيث يجثم الاحتلال على تراب الجولان.
تذهب النساء إلى موقع عين التينة أو وادي الدموع وفي اعتقادهن كل مرة أن الرحلة ستؤدي إلى شيء من السكينة في الروح والاطمئنان في القلب، وأن رؤية القامات والأيدي الملوحة بالمناديل البيضاء على الطرف المحتل ستخفف من استعار الشوق وجمر الحنين، لكن النتيجة غالباً ما تكون معاكسة، إذ يزداد الألم ويتصاعد القلق بسبب خبر غامض أو كلمة طارت دون قصد فتذكر بنذالة الاحتلال وقوته.
إنها رحلة حمقاء فيها آلام إنسانية قاسية ومعاناة مضاعفة تعيشها كل نساء الجولان خاصة على طرفي شريط الاحتلال الشائك الذي يحن لتلك الأرض الطيبة النبيلة. رحلة يبدو أن لابد منها في ظل واقع احتلالي قائم على التعسف والوحشية والقمع، الإنسانية منه براء.
إنه واقع يبعث على الجنون.. تقول السيدة رانية الصفدي المتزوجة منذ عقدين في جرمانا.. كثيراً ما أفكر ونحن نقف عند الشريط الذي يفصلنا عن مجدل شمس أن أعبر هذه الأمتار القليلة لأصل إلى أهلي، إلى أمي، إلى بيت جدي، أسأل نفسي كما يفعل الأطفال: ها هم أهلي قريبون جداً مني، ما الذي يمنعني من الطيران إليهم، من هذا الذي يملك حق منع البنت من رؤية أمها، ومن الذهاب إلى قريتها ساعة تشاء، لكن كلما حاولت الإجابة عن هذه الأسئلة أشعر بألم شديد، يزداد ويتضاعف عندما يداهمني شعور أن لا أحد يشعر بمأساتنا.
وتضيف رانية الصفدي: إن هذا الجانب الإنساني تحديداً هو الذي يجب أن يركز عليه الإعلام، على حكومتنا ألا تكتفي بالفرص والمناسبات للحديث عن قضية الجولان، بل يجب أن تكون على جدول أعمال كل لقاء مع أي مسؤول أجنبي بشكل يومي ودائم، نريد أن يتكثف الضغط الرسمي على كل الصعد لجعل قضية تواصلنا مع أهلنا وراء الأسلاك الشائكة هماً دائماً لكل مسؤول كبير.
الاحتلال وحده يعتقد أن ممارسة هذا الكم من القسوة والوحشية على سكان الجولان الذين تمسكوا ويتمسكون بأرضهم وأشجارهم وبيوتهم في قرى الجولان، يمكن أن يؤدي إلى اهتزاز الهوية الوطنية أو عزيمة المواجهة، أو إضعاف إرادة البقاء، بينما هذه الإرادة ستبقى شوكة في حلقه حتى يزول كل جسد الاحتلال.
يقول فريد دعبوس الجولاني الذي يعيش في الشام منذ الأيام الأولى للاحتلال: المعاناة التي نعيشها بسبب احتلال أرضي وبيتي هناك في عين قنية والذي يحاصر أهلي وأشقائي وأشجاري، كبيرة جداً، لقد فقدنا الكثير وسط هذه المعاناة- لكن ذلك كله لم يكن ليغير من تصميمنا، ومن قوة إرادتنا على إزالة الاحتلال، المجدل احترقت أو أحرقت سبع مرات، وكان الجولانيون يعيدون بناءها في كل مرة وزرع أراضيها من جديد، أنا لو كنت في بلدتي أثناء وقوع الاحتلال لما خرجت منها على الإطلاق، أمي توفيت ولم أشارك في جنازتها بسبب الاحتلال الذي منعها من رؤية جثمان ابنها الذي استشهد في حرب التحرير 1973، أفراحنا غالباً ما تتحول إلى أتراح.. كيف لا والأم تشارك في زواج ابنها عبر التلفون فقط.
ويضيف دعبوس: إزاء هذا الواقع كله وتحدياً له ولصانعيه قبلت بتزويج ابنتي إلى أحد أقربائها في عين قنية مع توقعي بأني قد لا أراها بعد الآن في بيتي هنا على الإطلاق.
ويختم دعبوس: زوجت ابنتي لأنني أعلم أن الاحتلال زائل لا محالة، المهم أن نستمر في الحفاظ على الأرض والشجر والحجر.
فوق هذا كله، وعلى الصعيد اليومي تواجه المرأة السورية داخل الجولان المحتل صعوبات كثيرة تحول دون حصولها على الخدمات الصحية العادية، لقد تعمدت سلطات الاحتلال إهمال هذه الخدمات بإغلاق المستوصف الوحيد وجعله مقراً للحاكم العسكري لفترات سابقة طويلة.
لا يوجد في قرى وبلدات الجولان مختبرات أو عيادات تخصصية أو مشفى، وتتعمد السلطات الاحتلالية الاستمرار على هذا الواقع والتعتيم عليه، ويستخدم العدو الإسرائيلي رفض مواطني الجولان للجنسية الإسرائيلية كمبرر لعدم تقديم العناية الصحية لهم، ولكن وفي مواجهة هذه السياسة اللاإنسانية قام السكان وبجهود شخصية بافتتاح عيادات طبية على أيدي أطباء محليين درسوا في جامعات الوطن أو على حسابه، يقدمون الإسعافات الأولية والأدوية للمرضى.
إن الظروف الصحية القاسية التي تواجهها المرأة الجولانية تخالف اتفاقية جنيف الرابعة «البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف المادة 14»، التي توجب على سلطات الاحتلال توفير الاحتياجات الطبية للمدنيين الرازحين تحت الاحتلال، كما توجب عليها تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية والحفاظ على المنشآت.
لم يبق قانون أو تشريع في العالم إلا خالفته سلطات الاحتلال، منها القانون الدولي المتعلق بحظر وتقييد استعمال الأسلحة كالألغام المضادة للأفراد لكونها أسلحة تؤثر على حياة المدنيين وحرية تنقلهم وتجعل ممارسة نشاطاتهم اليومية أمراً مستحيلاً.
تقول الباحثة الجولانية الدكتورة كاميليا أبو جبل: إن المرأة الجولانية تعاني بشكل مضاعف من الألغام المزروعة التي سرقت حق العيش الآمن والسير للسكان وحق اللعب للأطفال وفلاحة الحقول، إذ قامت إسرائيل بزرع حقول الألغام في أكثر من 76 حقلاً متداخلاً مع القرى والتجمعات السكنية ومناطق الرعي. وقد أشارت مؤسسة الحق الفلسطينية لحقوق الإنسان إلى أن عدد ضحايا الألغام حتى عام 2000بلغ 80 ضحية منهم 36 شهيداً، وأصيب البقية بتشوهات وإعاقات دائمة، وكانت أغلبيتهم من الأطفال والنساء.
إضافة إلى ما سبق كله لا تكف إسرائيل عن عمليات دفن نفاياتها النووية وذلك في 20 موقعاً في الجولان أشهرها «نشبة المقبلة» الواقع في أعالي جبل الشيخ، منتهكة بذلك اتفاقيات جنيف.
اجتماعياً تبذل سلطات الاحتلال جهداً دائماً وكبيراً لتفكيك البنى الاجتماعية القائمة وتمزيق الروابط الأسرية بهدف خلق مناخ يخدم أهدافه ومصالحه، مع أن المادة 25 من اتفاقيات جنيف تحفظ الحق في تماسك الوحدة الأسرية والحصول على المسكن كشرط أساس لحياة إنسانية تصون خصوصية الأفراد وأمنهم، وفي هذا الصدد تقوم سلطات الاحتلال بمصادرة الأراضي ومنع المواطنين من تشييد المنازل على أراضيهم- فتزدحم الأسر في منازل تفتقد أبسط الشروط.
إن بيت القصيد في التحديات الكبرى التي تواجهها المرأة الجولانية في المسلسل العدواني الصهيوني هو الحفاظ على الوحدة الأسرية والروابط العائلية وأواصر القرابة حيث ترفض سلطات الاحتلال حتى الآن السماح للنساء بالتوجه إلى الوطن الأم للقاء أهاليهن وتتذرع بعدم وجود قانون يجيز للنساء القيام بزيارات من هذا النوع وأن زيارات الأهل لم يرد ذكرها في الاتفاق المبرم مع سورية عبر الصليب الأحمر الذي سمحت بموجبه للطلاب الجامعيين ورجال الدين فقط بالتوجه إلى سورية، منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
لقد عقدت النساء الجولانيات اجتماعاً في حزيران 2002 وجهن في نهايته رسالة إلى المنظمات الدولية يطالبن فيها بحقوق الالتقاء بعائلاتهن وأبنائهن الموجودين في الوطن بسبب الفراق القسري.


أدهم الطويل / الوطن

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات