بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
لجولان في لحظة الحقيقة
  17/08/2007

الجولان في لحظة الحقيقة

فواز طرابلسي/جريدة السفير

صيف وشتاء على سطح واحد في العلاقات الإسرائيلية ـ السورية. والولايات المتحدة ليست خارج السطح في كل الأحوال.
بعدما أشيع ان جولة من المفاوضات السرية توصلت الى مسودة اتفاق سلام، وبعد تبادل رسائل شفهية وسرية بين ايهود اولمرت والرئيس بشار الاسد، يسود العلاقات بين البلدين مناخ من التوتر لا يخلو من قرقعة الطبول.
من الطرف السوري، صفقات سلاح، بعضها استراتيجي، من روسيا، وتسريبات عن امكان منح البحرية الروسية تسهيلات في اللاذقية، وتهديدات بصواريخ تطاول تل ابيب، واعلان عن جهوزية «جبهة تحرير الجولان» لمباشرة عمليات المقاومة في الاراضي السورية المحتلة. في المقابل، مناورات واسعة النطاق للقوات الاسرائيلية، اشتملت على تدريبات على احتلال مدينة سورية متوسطة الحجم، ترافقها تطمينات من اولمرت الى سوريا بأن اسرائيل لا تبيّت اية نوايا حربية، وان مناوراتها دفاعية، والى الجمهور الاسرائيلي بأنه لن يكون صيف حار ولا خريف حار ولا شتاء حار.
يكتسب ذلك المناخ دلالاته اذا ما وضع في سياق التطورات اللاحقة على الفشل الذريع الذي مني به العدوان الاسرائيلي على لبنان، الصيف الماضي.
يبدو ان الادارة الاميركية لم تعد تراهن كثيرا على اكتشافات مذهلة او سريعة في التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري لكي تفرض على دمشق حلاً على الطريقة القذافية. والمقصود به هنا وقف التدخل في الشؤون العراقية والفلسطينية واللبنانية في مقابل الابقاء على النظام. على انها ـ الادارة الاميركية ـ لن ترتضي في المقابل تقديم الجولان هدية لدمشق مقابل تأمين سلامة الحدود الشمالية لاسرائيل. وهذا ما يفسّر تدخل الرئيس بوش العلني والجازم لوقف مفاوضات سلام اسرائيلية ـ سورية جنح اليها قسم كبير من الادارة الاسرائيلية بعيد الهزيمة في لبنان. هل يعني هذا اي انتقاص من شديد حرص الولايات المتحدة على امن اسرائيل؟ لا، بالتأكيد. كل ما في الامر ان اسرائيل هي جزء من منظومة أمبراطورية، وفي تلك المنظومة يخضع الجزء للكل، خاصة في الامور الاستراتيجية التي تتعلق بالمنطقة كلها. وفي رأس الاولويات الاستراتيجية الامبراطورية تأمين الخروج من «الورطة» العراقية. وللخروج من هذه «الورطة» لا تزال الولايات المتحدة ترفض إعطاء اي دور لسوريا، ولا يزال نهجها الغالب هو الاستعانة بالسعودية وايران والسعي لجمعهما حول دعم حكومة المالكي، التي هي بحكم المنتهية، وتأييد حملات «التزخيم» التي تشنها قوات الاحتلال، علما انها باتت تلفظ أنفاسها الاخيرة.
لكن هاجس أمن اسرائيل لا يفارق ادارة الرئيس بوش قيد شعرة، وآخر تعبير عنه هو القرار الرئاسي المتخذ منذ ايام بتخويل وكالة الاستخبارات المركزية («السي. آي. إي») القيام بعمليات أمنية وعسكرية غير نظامية ضد حزب الله في لبنان.
يجب التوقف عند هذا القرار لاعلان الاستنكار العالي والصريح له. ومطالبة الحكومة اللبنانية، تنفيذا للحد الادنى مما تدعيه من حرص على سيادة لبنان واستقلاله، باعلان استنكارها للقرار ومطالبة الولايات المتحدة بالتراجع عنه، والتقدّم بشكوى الى الامم المتحدة، اذا لزم الامر، ضد هذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية اللبنانية. ولعل الاهم من ذلك، هو مساءلة العربية السعودية عن دورها في هذا الموضوع، خصوصا ان مصادر اميركية تقول ان السلطات السعودية مطلّعة على مشروع القرار منذ صياغته في كانون الاول/ديسمبر من العام الماضي.
يندرج هذا القرار في امتداد مساهمة الولايات المتحدة في الالتفاف على مترتبات الفشل الاسرائيلي في لبنان، الصيف الماضي. إذ يرفد قرار الرئيس بوش قرارا مماثلا اتخذته الحكومة الاسرائيلية مؤخرا بتشكيل جهاز خاص للإغتيالات تابع للقيادة العسكرية يعمل ضد حزب الله، من ضمن سلّة من قرارات لتحسين الأداء القتالي بعد هزيمة الصيف الماضي.
ولنا ان نجدد التساؤل هنا: ألم يكن الاجدى لحزب الله ان يواجه مثل هذه الاجراءات والتطورات الخطيرة وهو جزء من الحكومة اللبنانية، بما لها من شرعية دولية محدودة، ولو على حساب كامل حصته التعطيلية فيها، بدلا من ان يكون خارجها؟
من جهة ثانية، تضافرت عوامل اضافية لتعرقل، حتى لا نقول تنهي، مشروع التفاوض السوري ـ الاسرائيلي: شروط اسرائيل (وقف الدعم لحزب الله وحركة «حماس»)؛ فوضى الحكم وتضارب الاجنحة في اسرائيل؛ واخيرا ليس آخرا، رفض واشنطن دعوة دمشق لها لرعاية المفاوضات.
ان دعوة الرئيس بوش الى مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط تستحق نقاشا مستقلا. الا انها، من منظار موضوعنا هذا، تأتي في امتداد محاولات الادارة الاميركية تجميع معسكر «الاعتدال» والنفط العربي في جبهة واحدة مع الدولة العبرية. وهو يستبعد حركة «حماس» وسوريا.
قد تبدو قرقعة الاسلحة على جبهة الجولان بمثابة تسخين للاجواء تمهيدا لتدخل القوى الاوروبية والاميركية المعنية لإعادة الامور الى طاولة المفاوضات.
الا انها قد ترهص ايضا بإدراك دمشق على نحو متزايد ان «دورها الاقليمي» ـ في العراق وفلسطين ولبنان ـ قد لا يكون كافيا لتحرير الاراضي السورية المحتلة. فلا «الانتصار بالواسطة» في حرب الصيف الماضي في لبنان ولا الانتصار ـ بالواسطة ايضا ـ الذي احرزته حركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية، قد حققا تقدما كبيرا في فرض الاعتراف بهذا الدور. بل لعل سيطرة «حماس» على غزة أضعفت قدرة سوريا التفاوضية من موقع الدولة الاقليمية، لا العكس.
هل هي لحظة الحقيقة التي سوف تدفع دمشق الى الاعتماد على قوى سوريا الذاتية لاستعادة الارض بديلا من «قواها الاقليمية بالواسطة»؟
تحمل قرقعة طبول الحرب الى الاستدلال بأن دمشق تلوّح أقلاً بحرب محدودة لتحريك التسوية، على النمط الساداتي عام.
يصعب ان تتخذ هذه طابع الحرب الحدودية بعد الآن، وقد سادت معادلة عسكرية جديدة هي معادلة الصواريخ السورية/ الطيران الاسرائيلي. اي أن عمليات حربية محدودة، من مثل احتلال جبل الشيخ، قد تجرّ الى ردود أفعال في الاعماق. ومهما يكن، ففي حالتي القصف الصاروخي او الجوّي سوف تكون الخسائر فادحة في صفوف المدنيين والدمار غير مسبوق في الحروب العربية ـ الاسرائيلية. والسؤال هنا: هل يتحمل الحكم في دمشق مثل هذه الكلفة بعد ان بنى قسما من عناصر شرعيته الداخلية على تحييد سوريا عن المترتبات الحربية للنزاع العربي ـ الاسرائيلي منذ حرب تشرين.
يبقى خيار المقاومة في الجولان. هكذا تعلّمنا تجربة المقاومة اللبنانية. وهذا ما أكده انتصار الرابع عشر من آب.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات