بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
الرسَالةُ.. وَصَلتْ....
  18/10/2005
 

الرسَالةُ.. وَصَلتْ....

عبد المجيد الفاعوري
نشر في الاسبوع الأدبي

إليك أيها الجولان، الساكن سويداء القلب، المتربع في قرارات العيون، الجاثم على صدري، المسيطر على سكناتي وحركاتي، يا أيها الكابوس الليلي اليومي، يا من أراه بعيون أحلامي، وأرسم خريطته عند ملتقى الصدفين من دماغي، يا من أراه في تبغي ودخاني، في أحزاني وأفراحي، يا من أطبق عليه أجفاني، كلما ابتعدت عني أيها الجولان، كلما اقتربت منك، فأنا ظلك، أينما تمضي أمضي, وحيثما أنت.. أنا

أجهدني البحث طويلاً عن أسرع وسيلة لإيصال هذه الرسالة إليك؛ قالوا لي: الهاتف المحمول أسرع، وقالوا لي: الحمام الزاجل، وقالوا لي: أسراب السنونو والزرازير وقالوا.. وقالوا.. وكل هذا الذي قالوا عنه.. اعتذر عن حمل الرسالة إليك بحجة عدم قدرتهم على ذلك، وحين بدأ اليأس والقنوط يأخذ بتلابيب قلمي جاءني من يقول: نحن لها.. نحن لها.. كوكبة من أرواح الشهداء الذين ضمّهم ثراك الطاهر أيها الجولان.

قالوا لي: نحن الذين ما نزال وسنبقى ما دامت الأرض أرض الجولان تتكلم العربية، وتكتب التاريخ العربي، وتدوّن أحداث الماضي والحاضر والمستقبل بالعربية.

هذه دماؤنا مدادٌ لكلماتك، فاكتب إلى الجولان ما يعتلج في صدرك.. سيّان على مهلٍ، على عَجَلٍ، فنحن الحاضرون المستعدون في كل وقت وحين، ولكن قل لنا ماذا ستكتب للجولان؟ ونحن نرى قواك وقد أنهكتها السنون، الستون أو السبعون ولعلّ ذاكرتك ستخونك، أو أنها أصبحت غير قادرة على استحضار الجولان من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه.

لا أيها الرسل الكرام، فمازال في العمر بقية، ومازالت الشرايين تتدفق والذاكرة تتغذى من عسل الجولان.. وخيرات الجولان، وأنا هنا على أرض من الجولان المحرر في رمضان، والذي أعرفه قريةً قرية، ومزرعةً مزرعة.. أعرف أهله وأرضه، وأتنسم هواءه العليل، وارتوي من مياهه، وأعيش في أكنافه ولذا فإن رسالتي إلى ذلك الجزء من الجولان الذي ما يزال يرزح تحت نير الاحتلال واسمحوا لي أن أتوّج الرسالة بباقة من ورود الجولان، قطفتها، جمعتها، نسقتها وردةً وردة، من كل مدنه وقراه المحتلة بلدةً، وقرية، ومزرعة، وطبعت على كل وردة اسم بلد المنشأ والمنبت في تناغم لونّي أخّاذ، تعجز عن الإتيان بمثله ريشة فنان مبدع أو قصيدة شاعر هيمان.

قطفت أزهار تلك الباقة من حقول:

"الغجر وبانياس، من جباتا الزيت ومجدل شمس، من سحيتا وعين قنية، من زعورة وعين فيت من مسعدة وبقعاثا، من كريز الواوي وجباب الميس، من العقدة وصيرة دياب، من القلع وسكيك، من باب الهوى وواسط، من عين الحمرا، وعين حور، من عيون الحجل والثلجيات، من المنصورة والقناعبة، من مويسة والدلوة، من عين ميمون وقرحتا، من حَفَر والمغيّر، من الدرباشية والدردارة، من المنشية والحسينية، من العدنانية وعين زيوان، من الغسانية وعين عيشة، من خويخة والدلهمية، من كفر نفاخ والعليقة، من دبورة ودير سراس، من عين وردة والسنديانة، من القادرية ونعران، من جليبية وعوينات، من الرزانية والرمثانية، من دير الراهب وعين السمسم، من ضابية وفاخورة، من فزارة والخشنية، من السلوقية واليعربية، من السنابر وجسر بنات يعقوب من المشتى وقصرين، من عسلية وعلمين، من الفحام وتنورية، من الفرج وأم الدنانير، من دير مفضل وشبّه، من الجوخدار والبغالة، من دير قروح والشعبانية، من الرزانية والجرنية، من قنيطرة الخراب وجرمايا، من زيتا وخوخة، من العامرة والطواحين، من غزيّل والذيابات، من المندسة والمسعدية، من عيون حمود وقطوع الشيخ علي، من عيون حديد والبجورية، من القصبية ودير عزيز، من شقيف وكنف، من المحجار والدوكا، من عمرة الطويج واللاوية، من الكرسي والنقيب السورية والنقيب العربية، من خسفين والصفيرة، من جديّا والفاخوري، من أبو خيط وأبو زيتونة، من كفرالما وناب، من بور سعيد والعال، من حتيل وجيبين، من الياقوصة ودبوسيا، من صفورية وساعد وبطاح، من سكوفيا وشكوم، من المجيحية والحوتية، من فيق وكفر حارب من مزرعة عز الدين، والعيون، من الناصرية والتوافيق، من حمة اليرموك ونهر اليرموك".

وبعد:

أتراني أيها الجولاني الحبيب نسيت بعضاً من قراك ومزارعك؟ لا شكّ.. لا شكّ نعم!! وعذراً فما نسيتُ، ولكنني أُنسيتُ! أنساني طول العهد بالبعد عنك ولو أني كتبت إليك قبل اليوم، لوجدتني أذكر وديانك وادياً وادياً، وسهولك سهلاً سهلاً، وتلالك تلاًّ تلاًّ، وإني لأعتذر من أهلك، من أبنائك عن كل سهوٍ سهوت، أو نسيانٍ أنسيته، وحسبي من حبي لك أنك تعشش في وجداني دون ذاكرتي الكليلة.

أيها الجولان الحبيب فقد أصابني ما أصاب نابغة بني ذبيان، من انهمار دمعة، ومن حشرجة آهٍ وزفرة، حين قال:

((بكى حارث الجولان من فقْدِ ربّه

 وحوارنَ منهُ موحشٌ متضائلُ))

صحيحٌ يا صاحبي ما تقول: "إن الرجال لا يبكون، بل يكتمون عواطفهم وأحاسيسهم أمام كل هولٍ ومصيبة، ويربطون على قلوبهم برباط من الصبر والتصبر"، لكنّ عليك يا صاحبي أن تلتمس لي عذراً، وقد خط المشيب كل شعرة في جسدي، وتسلل إلى النخاع في عظامي، فانحلّ رباط الصبر عن فؤادي، وانسابت العبرات من أحداقي بالرغم عني.. بعد أن مرّ شريط ذكريات طفولتي وشبابي أمام ناظري.

أتذكر يا صحبي يوم كنّا روحين في جسد واحد، نروح ونغدو نتفيأ ظلال السنديان وأشجار الملّول والبطم والزيتون، واللوز والليمون.. ونمير أهلنا من حقول القمح والذرة والشعير.. ونعقد الأعراس في مواسم الفرح بعد جني المحاصيل، وما أظنك نسيت زرافات الصبايا على دروب الينابيع الثرّة السلسبيل، وحداء المجاهدين من ميامين الوطن ممزوجاً بلعلعة الرصاص وهدير المدافع في مواجهة غربان العدو الغاشم في كل ليلة أو نهار على امتدادك أيها الجولان الحبيب من بانياس إلى حمة اليرموك. فإن كنت قد نسيت، فأنا وكل أبنائك أيها الحبيب لم ولن ننسى ما حيينا.

أكتب إليك أيها الجولان الحبيب يا المرسومة خريطته على صدري بوشمٍ سحريٍّ لن تزيله أحدث أنواع المزيلات لأنه من صنع تربتك وقطرات نداك القادم من كل أزهارك وورودك، الداخل شرايين القلب باتحاد عضوي لا مثيل له، ولا شبيه ولن يقدر أي مخبريّ أن يفصل هذا عن ذاك.

لن أودعك. سأواصل الكتابة إليك ما دامت أناملي قادرة على الإمساك بالقلم وما دام البريد الناقل أرواح الشهداء. يحدوني الأمل الذي يكبر يوماً بعد يوم أنني سألتقيك، وسنعيد سيرتنا الأولى مع خيوط الفجر الصادق غداً فالحقُّ حقُّ، والباطل باطل، وإن غداً لناظره قريب.

والسلام عليك.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

درغام الحسن

 

بتاريخ :

26/02/2009 03:05:46

 

النص :

الى العم عبد المجيد الفاعوري أقول : لست من عمرك ... ولست من جيلك .. أنا لاأذكر القرى ولا الخلان ولا المزارع ولا الجيران .... ولا الينابيع ولا الوديان ..لا الأغنام ولا الرعيان ... كان عمري سبعة اعوام ... وهي تمر بمخيلتي كالأحلام .... ولكن وبعدأن قرأت مقالتك ... بدأت أشعر ان عمري ليس سبعة سنين بل رجلاً عمرة سبعين عاماً ... حطم ذاكرتة العدوان .... بدأت أتذكر بيوت قريتي .. طرقاتها ... بساتينا ... حواكيرها ...مقاثيها ... وديانها ... إنني أرها الآن : المنهل في بداية القرية .. من هنا الى العال ومن هنا الى فيق ...ومن هنا كانوا يذهبون الى شقوم .... هنا كانت الثكنة ...وهنا كان المراح ...وهناك كانت دكان أبي ...وهنا دار جدي ... ومن هناك كانت تملئ أمي الماء من العين وأحياناً من المنهل ...إنني أراها الآن... هاهي تضع السطل على رأسها وتسير بإتجاة بيتنا وأنا وأنا أسير خلفها وبيدي قضيب أضرب بة ذات الشمال وذات اليمين... إنني أرة الآن أنة اخضر قطعتة من بستان جدي ... وصلى بنا الطريق الى أمام دكان أبي تركت أمي تسير لوحدها ... وعدوت مسراً نحوا دكان ابي ... مددت يدي الى شليف التمر.... أكلت منة .. ثم مددت يدي الى نصية الهريسة قطعت منهاوأكلت ... إلتفت الي أبي .. ضحك ... وضحك ... مد يدة الى قطرميز القضامة .. عبئ جيبي وقأل لي ضاحكاً :أتبع أمك أبتدرتني أمي ضاحكة : أذهب يادرغام وفتح باب الخم ... فتحتة ...فرت الدجاجات من الخم ... وجدت بيضة ...حملتها وركضت الى امي ..أمي أمي وجدت بيضة ... وأردفت : سأأذهب الى دكان أبو فياض لآشتري بها /راحة / أبي ليس عندة راحة ... عدوت مسرعاً الى دكان ابو فياض وأمي مازالت تضحك .. توفيت أمي ... وتوفي أبي .. وتوفي أبو فياض ...وتوفي نصف سكان قريتي ...تحت نير الأحتلال الصهيوني المعتددي ... أصبح عمري ألآن تسعة وأربعين عاماً ...أشرد طويلاً ... هل سأرى قريتي سكوفيا قبل أن ألحق بأبي وأمي وأبو فياض ... هما حياتي وهما ذكرياتي وهما مماتي هما .. هما كل شيء ...فمتى الملتقى.... أشرد طويلاً .. وطويلاً .. إننا لعائدون إنشاء الله برأيتة وفكرة و منطقة وتحدية ... هو وحدة وليس غيرة/الدكتور بشار الآسد / أدامة الله وأمد بعمرة .