بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
عملية الغجر ..
مفارقات في تقدير قوة المقاومة وقوة الاحتلال
  25/11/2005

عملية الغجر .. مفارقات في تقدير قوة المقاومة وقوة الاحتلال
عدم نجاح الأسر لا يخفي <<فوضى>> الإدارة الإسرائيلية للجبهة الشمالية

نشر في السفير بتاريخ 25\11\2005. بقلم:إبراهيم الأمين

ما علينا والبيانات الرسمية!
لطالما كان التوازن قويا، وإلى حدود لا سابق لها بين العقل والغيب في منظومة التفكير لدى <<حزب الله>>، وبالتأكيد، تجده بنسبة أكبر لدى الجناح العسكري في الحزب، حيث الحسابات معقدة، كما هي حال التعبئة التي تشكل قاعدة أولى، لعمل هذا الفريق.. ولذلك، ثمة خلاصة عامة تتلقفها الألسن بعد عملية ما: الله الموفق، او انه ثمة حكمة إلهية منعت التوفيق!
بالطبع، ثمة من سوف تثيره هذه المقدمة، وتدفعه الى الضحك او السخرية في آن، لكن، يوجد على وجه هذه الأرض، طرف قوي، ذكي، حساس، مدرك لما حوله، هو إسرائيل، وهذا الطرف، يعرف هذه الحقيقة، وهو عاشها ويعيشها يوما بيوم!
ليلة عيد الفطر، قبل أسابيع قليلة، بادر الجيش الإسرائيلي الى إجراءات خاصة على طول الحدود البرية والبحرية مع لبنان. فرقة إضافية من سلاح الجو لا تتوقف عن عمليات الاستطلاع. ووحدة رصد الاتصالات تعمل دون توقف. والجنود الاحتياط استبدلوا بقوات خاصة، وشعبة الاستخبارات في القيادة الشمالية تواصل بث الإنذار تلو الآخر: حزب الله يستعد لعمل ما في منطقة النزاع، ويقصد هنا، منطقة مزارع شبعا، والتقدير السياسي لدى القيادة العسكرية والأمنية لجيش الاحتلال يقول، إنه وبناء على ما هو متوافر من معطيات ميدانية وأمنية، فإن <<حزب الله>> باشر عملية عسكرية أمنية هدفها المركزي، أسر جنود، وهدفها التكتيكي، توجيه إهانة جديدة الى الجيش، وهدفها الاستراتيجي تجاوز قواعد اللعبة.. ولم يكن الجيش في حالته هذه، يهتم للاعتبارات السياسية الأخرى التي باتت من اختصاص الخارجية وديوان رئاسة الحكومة، حيث يكثر الحديث عن <<ضائقة سياسية>> تواجه <<حزب الله>> وتضطره الى القيام بعمل ما على الجبهة الجنوبية، لأجل البعث برسالة الى من يقود الحصار الأشد على سوريا، ومن يعمل على تبديل الصورة في لبنان. وبالتالي، فإن التقييم الموجود لدى القيادة السياسية، قد تمت ترجمته على الأرض، بإبلاغ الجيش، بضرورة عدم التورط في أي مواجهة مع الحزب، وأن على قيادة الأركان وسلاحي الجو والمشاة، اتخاذ كل الاجراءات التي تحول دون حصول استدراج نحو مواجهة واسعة، والتي تحول، دون تمكين <<حزب الله>> من توجيه ضربة مؤلمة، تحرج الجيش وتحرج المستوى السياسي، وتضطر إسرائيل إلى الرد، والهدف واضح: حزب الله راغب وصاحب مصلحة بالتصعيد، أما إسرائيل فلا، وهي الآن، تقع تحت دائرة <<تقييد الايدي وكم الأفواه>> من جانب الولايات المتحدة التي تقول: اتركوا لنا أمر <<حزب الله>>، فلنا طريقتنا في معالجته!
على الأرض، ثمة عمل روتيني يقوم به رجال المقاومة، لكن ثمة جهوزية إضافية برزت خلال أيام قليلة. الإسرائيليون، لاحظوا وجود المئات من المقاتلين في أكثر من بقعة، ورصدوا تحركات وعمليات مراقبة من النوع الذي يشي بأن هؤلاء على أهبة القيام بعمل ما، لكن <<لغة التفاهم>> الخطيرة التي قامت بين الطرفين على جانب الحدود، أتاحت، وكما جرى سابقا، أن تمسك إسرائيل بورقة المفاجأة، أي انها تعرف سياسيا وأمنيا وميدانيا، ان <<حزب الله>> على وشك القيام بأمر معين، ثم هناك فرصة إضافية لتحديد هذا الأمر: عملية أسر لجنود من دورية او موقع او من مكان آخر. وثمة قدرة عسكرية لتحديد نقاط الضعف في انتشار القوات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة الممتدة من الغجر حتى حدود الجولان. وبالتالي، أمكن لجيش الاحتلال تحديد تقريبي لنقطة العمل..
وثمة مجريات ميدانية كثيرة يفترض القيام بها، وأمام اختفاء عنصر المفاجأة من جهة، وأمام الاستنفار غير التقليدي لقوات الاحتلال وأجهزتها، كان على المقاومة تحديد الثغرة، وتحديد الهدف الدقيق، وتحديد الوسيلة، وبالتالي اختيار التوقيت. ولم يكن هناك أفضل من ظهر الإثنين الماضي..
المكان، قرية الغجر، البلدة المقسومة الى شطرين، واحد سوري لا يزال تحت الاحتلال وواحد لبناني، وتحيط بها من ثلاث جهات مواقع وحواجز إسرائيلية، بينما يظل الجانب الشمالي مفتوحا على الأراضي اللبنانية، حيث تتقابل نقاط الرقابة بين قوات الاحتلال من جهة، ورجال المقاومة من جهة ثانية. وثمة حركة يومية مضبوطة الإيقاع للعسكريين وللمدنيين من الطرفين، لكن صورة الوجود الإسرائيلي محددة الإمكانات والنقاط، وصورة وجود المقاومة مقدرة دون تحديد دقيق.
وإلى جانب موقع الغجر، هناك موقع العباسية المحصن، حيث برج للمراقبة وجدران إسمنتية وشبك وسواتر تجعله موقعا عسكريا حدوديا بالكامل، وثمة انتشار خاص للجنود داخله. وداخل دشمه وآلياته... وحتى الثانية والنصف من بعد ظهر الإثنين الماضي، كانت الأمور هادئة. ولا يخرقها سوى الاستنفار غير المرئي من قبل الطرفين. والجنود الذين كانوا قد عادوا فجرا من كمائن متقدمة، خلدوا الى الراحة، قبل ان يطلب أحد الضباط من مجموعة منهم، مغادرة الموقع، ونصب كمين احتياطي في منازل يقول الإسرائيليون انها مهجورة ولا تبعد كثيرا عن الموقع.
في لحظة واحدة، صدر الأمر، وانطلقت مجموعات المقاومة في تنفيذ خطة محسوبة: مجموعة اقتحام تقوم بالاشتباك الأساسي التمهيدي، ثم تتولى وحدات المدفعية قصف الموقعين بكثافة نارية حاسمة، فيما تكون مجموعات الاسناد الناري في المقاومة، منشغلة في قصف كل المواقع الإسرائيلية في منطقة المزارع... وكانت القذائف الأولى تنهمر بقوة على البرج الذي توجد فيه وحدة التحكم والسيطرة، وبعد إصابته، انقطع ضبط الاتصال والتنسيق بين مجموعات الجيش الإسرائيلية..
حتى هذا الوقت، كانت الأمور تسير بشكل حسن. لكن مجموعة الاقتحام، واجهت نيران الكمين المفاجئ، حيث أطلق الجنود رصاصات قاتلة على أربعة مقاومين، وهم بالمناسبة، سقطوا في أكثر من نقطة، ما ينفي صورة <<رامبو>> التي سعت إسرائيل لإضفائها على أحد الجنود، الذي أراد جيش الاحتلال تقديمه على أنه نموذج الجندي اليقظ، الحافظ لدروس التدريب والانضباط، والذي تولى بمفرده إفشال العملية. وعدا عن أن الأمر ليس على هذه الصورة، فإن الجندي نفسه لم يوافق على عملية <<نفخه>>، عدا عن ان الأمور الحقيقية كانت تدور في مكان آخر.
وبينما كانت القذائف تتساقط بشكل مركز على المواقع، كانت القيادة الشمالية تبحث عن قادة الكتائب الذين يتواجدون في نقاط بعيدة، فيما كانت هيئة الأركان منشغلة في إعداد تقارير مفصلة حول حجم الاصابات ونقاط المواجهة وحجمها. واضطر شاوول موفاز الى تأخير مؤتمره الصحافي لأكثر من نصف ساعة بغية الحصول على معلومات حاسمة ونهائية حول ما يحصل.
ومرة جديدة، أدى فقدان السيطرة الكاملة على الموقف الى تأخير خروج الطلعات الجوية لأكثر من نصف ساعة على الأقل، وترافق ذلك مع نقاشات حادة بين قيادة المشاة وبين سلاح الجو، وقد وصل الى رئيس الأركان دان حلوتس القادم من سلاح الجو، والذي رد على انتقاد الطيران لعدم تدخله الجدي، بالإشارة الى تقصير المشاة في إدارة الأمر، وكانت الفكرة الأفضل، هي التركيز على <<رامبو>>، الجندي الذي قُدم على أنه قتل المقاومين الأربعة، وأفشل عملية الأسر، وكان غائبا عن هؤلاء، ولمرة جديدة ان لدى المقاومة تفاصيل عما حصل، وإذ نشر الاعلام الحربي، بعض جوانب ما حصل، فهو دفع بالقيادة الإسرائيلية الى النقاش من جديد، لأن الصور التي وزعت عن الموقعين دلت على أمور عدة أهمها:
إن كثافة النيران من جانب المقاومة كانت بأضعاف كثافة النيران من الجانب الإسرائيلي.
إن الاصابات جاءت دقيقة وعطلت كل الآليات والتقنيات والحركة البشرية، مما اضطر جنود الموقع الى إخلائه جرحى او من دون اصابات.
إن المقاومة حددت بسرعة دائرة العمليات، وعمدت خلال وقت قصير الى توسيع دائرة المواجهات والقصف، بينما كان الجيش الإسرائيلي يسعى الى حصرها في مربع واحد.
إنه وباستثناء استشهاد المقاومين الأربعة، فإن المقاومة نجحت في التوغل الى حيث تفترض اسرائيل أنها أمكنة محرمة، وأنها قدمت أداء على المستوى الميداني دلّ على متابعة ورصد وتحديد للأهداف، وعلى معرفة دقيقة بما هو موجود في هذه المواقع.
إن المعركة لو استمرت لساعات طويلة إضافية، او لأيام، لكانت ستؤدي الى نتائج مغايرة، وتضطر اسرائيل الى الدخول في مواجهة غير محسوبة.
إن الخلل انتقل الى القيادة الخلفية حيث إدارة المستوطنات، وظهر الأمر من خلال البلبلة في دفع الجمهور والمستوطنين الى النزول الى الملاجئ، وما دفع بالحكومة في اليوم التالي، الى إصدار قرارات بزيادة المساعدات المالية، لحل هذه المعضلة، وتكليف قادة المناطق الخلفية تنفيذ الأمر، خصوصا بعدما تبين أن قسما لا بأس به من هذه الملاجئ غير جاهز، وأنه يصعب التحكم بها لو طالت المواجهات.
وبناء عليه، يمكن فهم مسار الوساطات التي حصلت فورا، حيث طلب شاوول موفاز وبعد ساعتين من بدء المواجهات، من خلال قيادة قوات الطوارئ الدولية، العمل على تحقيق وقف فوري وشامل للعمليات العسكرية، وكان رد المقاومة السلبي يرتبط بسعي مجموعات المقاومة لاستعادة جثث ثلاثة من الشهداء الذين ظلوا في مسرح المواجهة. ثم حصلت مداخلات مكثفة شملت الأميركيين والفرنسيين والحكومة اللبنانية، قبل الاتفاق على هدنة، مشروطة من جانب المقاومة، بتسليم اجساد الشهداء بأسرع وقت ممكن.
لكن، هناك مفارقة في هذه التجربة، ويمكن اختصارها بوجهين:
خصوم <<حزب الله>> في لبنان، لجأوا الى <<الشماتة>> من خلال الحديث عن <<فشل>> العملية، ثم سايرهم بعض المتحمسين للمقاومة، باستغراب كيف ان العملية لم تنجح في أسر جنود إسرائيليين، وفي الحالتين، ثمة قاسم مشترك يجعل من هؤلاء مؤمنين بأن للمقاومة قدرة على إنجاز الأسر، واستخفافا غير مباشر بقدرة الإسرائيليين.
الوجه الآخر، أن اسرائيل، الدولة العظيمة وصاحبة الجيش الأسطوري، بادرت الى التباهي بأنها نجحت في إفشال عملية كان <<حزب الله>> ينوي القيام بها.
إنه زمن المفارقات، حيث بات من حق اللبنانيين توقع نجاح مستمر للمقاومة، وحيث باتت قوة إسرائيل كامنة في انها قتلت أربعة مقاومين ونجحت في منع أسر جنودها..
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

الشيخ باقر عودة

 

بتاريخ :

06/04/2012 23:18:09

 

النص :

لا شك ان لهذه المعلومات اهمية , لكن للإنصاف أن في بعض النقاط تحتاج إلى عناية , ويجب ان يتعرف أكثر صاحب النص على اللغة المتاحة في المواجهات الميدانية والقصد في قولنا أن الحكم او القطع بالحكم يسيئ كثيراً إلى الحقائق التي يبدو ان كاتب النص غرد بعيداً عن سربها