بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
الجولان كنز وطني وقومي
  06/11/2005

الجولان كنز وطني وقومي

بقلم: عز الدين سطاس
نشر في جريدة الاسبوع الادبي العدد 961 تاريخ 11/6/2005

الجولان إقليم جغرافي، يقع في الجزء الجنوبي الغربي، من القطر العربي السوري، يتميز أصالة، بمعالم جغرافية في محيطه. تشكل حدوداً واضحة، بينية، وتضاريس، ومناخ، وغطاء نباتي، تغزز هذه الأصالة، وبموقع حيوي، ومكونات جيو استراتيجية، وفرت للمكان أن يلعب دوراً كبيراً، في تحديد تاريخه.‏

وقد اختلفت الآراء حوله، في السياق العام، لاختلاف زوايا النظر إليه، وتباين أولويات الاهتمام به، حتّى بلغت درجة الاختلاف حد التناقض، فمنهم من وصفه بهضبة بازلتية سوداء، جرداء، ومنهم من ذهب إلى أن الجولان منطقة غنية وفقيرة بالماء، في آن واحد، ومنهم من رأى في سواد البازلت جمالاً، وفي التنافر بين تضاريسه الإيجابية والسلبية ثراءً، وفي شتائه الماطر البارد، وصيفه الحار والجاف ضرورة حياتية، ومنهم من وصفه بأرض الربيع، والمراعي، وأرض الوديان العميقة، والمخاريط البركانية، والشلالات الرائعة.‏

وفي الحقيقة الجولان كل هذا وذاك، فهو منطقة فريدة بالتباين، تضريسياً، ومناخياً، ومائياً، وبتجسيد أرقى أشكال التكامل، بين مختلف العناصر، والمكونات الطبيعية، في إطار لوحة، تعبر عن روعة التنوع الإيجابي، في إطار الوحدة الجغرافية.‏

ـ أرض التلال البركانية‏

في منطقة الجولان أكثر من /70/ تلاً بركانياً. تنتصب على شكل مخاريط بركانية، تتوزع على النوعين الغولكاني والسترومبولي، صخورها أنقاض بركانية، تتسرب فيها المياه الجوفية المتساقطة، لتنبجس على شكل عيون وينابيع، عند أقدامها، وتربتها خصبة، تساعد على نمو أشجار غابية، كالسنديان والبلوط والبطم، والزعرور، وأخرى مثمرة، كالتفاح، والكرز، والجوز، والكرمة، والزيتون، والخوخ، والكمثري، وتؤثر هذه التلال على مناخ المنطقة، بعاملي الارتفاع، والارتصاف الطولي، وتلعب دوراً كبيراً في تحديد مسار شبكة المواصلات البرية، وتشكل خطاً لتقسيم المياه، ما بين غربي الجولان، وشرقيه.‏

ـ أرض المسيلات والوديان‏

في منطقة الجولان شبكة من المسيلات، تحدد سطح المنطقة بكثافة عالية جداً، تنتهي بوديان، تتوزع على الاتجاهين العرضي والطولي، منها وديان دائمة الجريان، ولا سيما في مجاريها الوسطى والدنيا، كوديان جيبينة، وحوا، وزويتيان، والسمك، والرقاد، والعلان، ومنها وديان تشكل أنهاراً حقيقية، كتلة بانياس، الذي يعود عمر حوافه الصخرية فقط إلى عشرة آلاف عام.‏

وتتميز هذه الوديان بشدة انحدار أسرتها، وحوافها، وبوجود مقاطع خانقية في بعضها، وباختفاء المياه الجارية في بعض المقاطع، لتظهر من جديد، بعد مسافة. وقد كشف الحت في معظم هذه الوديان، عن تطبق الصخور البازلتية، على الطبقات الغضارية، ممَّا ساعد على الوقوف على مسار النشاط البركاني في الجولان، وتتوضع الطبقات البازلتية، على الطبقات الغضارية في تناوب رائع، ما بين لون البازلت الأسود، ولون الغضار البني، وكذلك كشف الحت في بعض الوديان عن القاعدة الرسوبية ـ الكلسية، التي تشكل القاعدة الأساس للجولان، كما هو الحال في وديان صعار، والسمك، والنسرة/ الغراب، والرقاد، واليرموك، وتنتشر معظم الوديان في الجزء الغربي من المنطقة، وله وديان عرضية عموماً، ينتهي قسم منها في غور الحولة، في حين ينتهي القسم الآخر في بحيرة طبرية.‏

ويمثل نهر الرقاد أهمية خاصة، فهذا النهر يجري في منخفض طولاني، وعريض، يأخذ اتجاه شمال ـ جنوب ـ جنوب غربي، وقد تعرض هذا النهر لحادثين، بنيوية وجغرافية، أثرتا تأثيراً مباشراً، في غزارة تدفقه، واتجاه مجراه في حوضه الأدنى، حيث تعرض في حوضه الأعلى إلى خسارة مصادر مياهه الأساس لصالح نهر الأعوج، يتجه تدفق الصبات البازلتية في مجراه العلوي، وتشكل ما يعرف اليوم بالوعرة، كما تعرض في مجراه الأدنى لعملية أسر، وهي ظاهرة جغرافية، تعرف بالأسر النهري، فقد مدّ وادي الطعيم رأسه باتجاه مجرى الرقاد، حتّى أسره.‏

ـ أرض الشلالات والبرك‏

تتدفق المياه في الوديان الغربية، من الطبقات الحاملة لماء، على شكل شلالات رذاذية، أشبه بأعمار الأبيض، وتنحو على هذه المساقط نباتات محبة للماء، تتدلى أغصانها، وفروعها على شكل عقود، على صدر الجروف الصخرية، وتكثر المساقط المائية في مجاري الوديان، نتيجة التفاوت في قساوة الطبقات الصخرية، فتتشكل شلالات رائعة، تنتهي في برك جملية، وعميقة، ويصل ارتفاع بعض هذه الشلالات إلى أكثر من /51/ م، كشلال وادي زيتة، وتنساب مياه بعضها على صخور بازلتية سوداء، في حين تنساب مياه بعضها على صخور كلسية بيضاء.‏

ونجد في الجولان العديد من البرك، منها بحيرة مسعدة، وهي بركة كبيرة، اختلف الباحثون حول نشأتها، فمنهم من رأى فيها فوهة بركانية، غمرت بالمياه، ومنهم من ذهب إلى أنها ناجمة عن عملية خسف، ومنها بركة باب الهوا، التي تعيش فيها أنواع من اللافقريات، وبركة وادي حوا، التي يمكن تعريفها ببركة اللوامس، أو الأعمدة، وهي بركة جميلة جداً، فريدة بالأعمدة البازلتية المضلعة، التي تحيط بها.‏

ـ أرض الجبب‏

تنتشر في الجولان العشرات من الجبب، ولا سيما في الجزء الشمالي الغربي منه، والجوبة، حفرة ناجمة عن نشاط بركاني، أو عن خسف، من أشهرها الجوبة الكبيرة، غرب حرش مسعدة.‏

ـ أرض العيون والينابيع‏

الجولان غني بالعيون والينابيع، سواء عند أقدام المخاريط البركانية، أم في بطون الأودية وحوافها، فعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة في هذا المجال إلى أكثر من /600/ عين ونبع في المنطقة، منها عشرات الينابيع في مضلع المشنية ـ السلوكية ـ تل البازوك ـ تل الجوخدار ـ الفحام ـ و/40/ نبعاً في وادي حوا، هي عيون وينابيع طفحية، تجف نسبة كبيرة منها في أيام الحر والجفاف.‏

ـ أرض الربيع‏

يتميز الجولان بغطاء نباتي غني، ويتدرج فترة الأزهار، لتغطي معظم أشهر السنة، نتيجة فرق الارتفاع ما بين جنوبه وشماله من جهة، وتنوع الغطاء النباتي من جهة أخرى، وتبدو هذه المنطقة في الربيع كحقل من الزهور، تتوزع ألوانها على مختلف ألوان الطيف، ولعل أجمل الأزهار هو زنبقة الجولان، المميزة بشكلها، ولون زهرتها، والتي تنمو بكثرة في حرج العسلية، وحرج كتلة حزيقة/ حامي قرصة، ويشمل الغطاء النباتي في الجولان غطاءً غابياً، يضم أنواعاً من الأشجار المثمرة، كالزيتون، والكرمة،والسماق، والخوخ، والإجاص السوري، وهي أشجار برية، يعتقد أنها بقايا حضارة جولانية زرعت هذه الأنواع، في عصور قديمة.‏

وهو، أي الجولان، منطقة رعوية نموذجية، فالمراعي الخصبة تغطي مساحات كبيرة، ولا سيما في القطاعين الأوسط والشمالي، وتضم هذه المراعي نباتات علفية كالنفل، والقمح والشعير البريين، وتساعد الوديان العميقة، في غربي الجولان على توفير أفضل الأجواء للحيوان، في فصل الشتاء، أي التشتية، في انتظار الربيع، في المناطق الأخرى، ويعتقد أن اسم الجولان جاء نسبة إلى هذه السمة الخاصة.‏

ـ أرض الندى‏

تلعب ظاهرة الندى دوراً بالغ الأهمية في الجولان، فهي توفر يومياً نحو ليتر ماء، لكل متر مربع، وعلى مدى/ 170/ يوماً، من أيام فترة الجفاف والحر، أي ما يعادل نحو 94% من هذه الفترة، التي تمتد عادة نحو ستة أشهر، وتشكل هذه الظاهرة مصدراً مائياً رديفاً، لا يستهان به، في حياة الكائن الحي، إذ توفر للنبات فرصة جيدة، لمواجهة الحر والجفاف، وتخفف من عملية النتح، كما توفر عشباً طرياً للحيوان، وتسهل عملية الحصاد، وتقلل من نسبة هدر الحبوب.‏

ـ أرض التاريخ‏

أكدت عمليات المسح والتنقيب قدم الوجود البشري في الجولان، فقد تمَّ العثور في منطقة بحيرة مسعدة، على أدوات الإنسان القديم مطمورة، تحت طبقات الرواسب البركانية، التي يعود تاريخها إلى أكثر من ربع مليون سنة، وهذا يعني أن الإنسان القديم في هذه المنطقة شهد ثوران البراكين الأخيرة، وربما قضت هذه البراكين على حضارته.‏

ووجدت أدوات حجرية صوانية في سهل القنيطرة، تعود إلى الثقافة الموستيرية، أي إلى الثقافات الباليوليثية الوسيطة، كما وجدت حبوب القمح تحولت إلى نوع من الفحم، بالقرب من سمخ، يعود تاريخها إلى ما قبل /19/ ألف عام، إي إلى العصر الحجري القديم، وعثر في موقع النقيب على هيكل عظمي لامرأة، عاشت في الموقع قبل /12/ ألف عام، وتم الكشف في منطقة الجيبنية، عن لقيات، تفيد أن الإنسان عاش في هذه المنطقة، منذ /8/ آلاف عام، أي في العصر الحجري المتوسط، أو العصر الميزوليتي، وكذلك وجدت آثار ولقيات، في غرب خربة الدويد، تعود إلى العصر الحجري الحديث / 7000 ـ 4000 / ق.م، وتمثل ما يعرف بالثقافة اليرموكية، التي تتزامن مع ثقافة أريحا.‏

وتنتشر في الجولان العديد من المواقع، التي تعود إلى العصر النحاسي /4000 ـ 3100/ ق.م، كما تنتشر مئات القبور السطحية، المعروفة عالمياً باسم "الدولمن" وقد تواصل الاستيطان البشري في الجولان، في العصور اللاحقة، وازدادت كثافة الاستيطان، منذ بدايات تدفق الموجات العربية، القادمة من شبه الجزيرة العربية، وبلغت هذه الكثافة نمو موقع واحد، في كل /7/كم2 ، في العصر البيزنطي، وهي كثافة عالية، ويوجد اليوم في الجولان أكثر من /300/ موقع آثاري.‏

وتؤكد الآثار في الجولان تزامن الوجود البشري في هذه المنطقة، مع الوجود البشري، في المناطق الأخرى من بلاد الشام، وتواصله، في دلالة واضحة لوحدة الأصل. وتوضح كثافة المواقع الأثارية بجلاء توفر شروط الحياة، ومقوماتها في هذه المنطقة، ويؤكد تنوع اللقيات، من الفخاريات، والزجاجيات، فالمعدنيات والحجريات، شمولية اهتمام ثقافات المنطقة، وقد ألقت هذه اللقيات الكثير من الضوء على مسألة التفاعل الحضاري في هذه المنطقة، والتعلق بالأرض، وتطور المعرفة، والحس الفني، وأوضحت دون أي لبس الهوية العربية لثقافة المنطقة، وارتباطها العضوي بثقافة المحيط العربي.‏

وختاماً، هذه لمحة موجزة جداً عن بعض ما يميز الجولان، وإذ نكتب هذه المادة، بمناسبة الذكرى السنوية لتحرير القنيطرة، حاضرة الجولان، نشدد على أن الاحتلال مهما طال أمده، ومهما حاول فرض ما يعرف بسياسات الأمر الواقع، فإن عروبة الجولان، مكاناً وزماناً، عصية على الطمس، وتتطلع إلى أن يوم تحريره كاملاً آت لا محالة.‏
 

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات