بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
الجولان بوابة فلسطين
  17/04/2012

 الجولان بوابة فلسطين

طلال سلمان
عندما كانت البلاد بخريطتها الأصلية مثّل الجولان منها هضبة في حضن جبل الشيخ تجتمع عند سفحها روافد نهر الأردن فتمنحها الخصب قبل أن تكمل طريقها لتصب في بحيرة طبريا.
وعندما كان العرب مـــن صنّاع التاريخ استقبل الجولان أبطال الفتح مقاتلين، وأُودعت في قلبه بضعة من القادة الذين استشهدوا وهم في طريقهم إلى القدس ليظهروا هويته الأصلية بأهله وإلى سـائر فلســـطين ليـــخرجوا مـــــن " شام الله في ملكه "جيوش الاحتلال الغربي من «الأروام».
أما عندما خرج العرب من التاريخ فقد أخرجهم الاحتلال الجديد الذي صار استيطاناً يرتكز إلى الأسطورة الدينية من الجغرافيا، وهكذا صُيّر الجولان سور حماية للمشـــروع الإسرائيلي فطرد منه أهله ومنع من تبقى منهم فيه من أن يكونوا أصحابه، هويتهم منــه وهويته بهم وفيهم.
صار الجولان ذكريات لأهله الذين أُخرجوا منه، يقف من تبقى فيه منهم وينادون أبناءهم الذين صاروا «نازحين» يقاسمون «اللاجئين الفلسطينيين» مخيمات «العودة» التي كانت مؤقتة فصارت سكناً دائماً للذين تجمدت أحلامهم بجمود قرارات الأمم المتحدة ثم بالمفاوضات على المفاوضات التي لا تغيّر واقعاً ولا تعيد مهجراً مسلوب الحق بحلم العودة إلى الأرض التي باتت الآن تسكنه وقد كانت سكن روحه قبل الجسد، وبعض عناوين تاريخه قبل أن تكون بعض مواقع جغرافيته.
ولسوف يبقى نداء أبناء الجولان أهلهم الذين يسمعون من على البعد، بقلوبهم نحيب الأرض يظلل الأصوات التي يختلط فيها الحزن ببقايا أمل يتمسكون به وكأنه حبل الصرة مع هويتهم التي لا يقبلون لها تبديلاً، مع وعيهم بأن رحيل أي منهم يعني أن حقهم ـ التاريخي ـ في أرضهم قد تناقص... فيتشبثون بالحياة لأن وجودهم هو بذاته الشهادة الأخيرة على أنهم أصحاب هذه الأرض، بها يكونون ومن دونها تضيع هويتهم وتفقد الأسماء معناها.
عن الجولان، بموقعه وأهله الذين جاءوا من أمكنة كثيرة واتخذوه سكناً كخط دفاع عن الأرض باعتبارها الهوية والنسب، هذا العدد من فلسطين، تحية لمن استشهد فيه من أجل عروبة الأرض وأصالة انتمائها إلى وطنها الذي سيظل وطنها بشهادة أن كل الغرباء الذين جاءوا محتلين بالسيف قد أخرجوا بالسيف، ولو بعد حين.
ومع هذا العدد تكون «فلسطين ـ السفير العربي» قد أتمت العام الثاني من صدورها... ولسوف تواصل التقــدم على الطريق رافعة علم فلسطين، توكيداً لـــروح المقاومة وإفشالاً لخطة العدو الذي يراهن على أن ينـــسى الناس أسماءهم وسمرة الوجوه التي تكاد تكون الهوية.
.... النشرة مستمرة ...
 

نافذة الشام إلى فلسطين
صقر أبو فخر

الجولان أحد منافذ الشام إلى فلسطين والساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. على أرضه وقعت معركة اليرموك سنة 636 الميلادية التي دان الشام بعدها للعرب. وفي جواره نشبت معركة حطين سنة 1187 الميلادية التي مهدت، لاحقاً، لرحيل الفرنجة عن الديار الشامية. وفيه خطب الخليفة عمر بن الخطاب خطبته المشهورة سنة 638 الميلادية قبل مسيره إلى بيت المقدس.
حدوده من الغرب نهر الأردن وسهل الحولة (ـ 65م عن سطح البحر) وبحيرة طبرية (ـ 212م) بانحدار يصل إلى نحو 400م، ما يجعله جرفاً عالياً يشرف على أرض فلسطين من سهل الحولة إلى مرج ابن عامر. ومن الجنوب يفصله وادي اليرموك عن هضبة عجلون وينتهي حده عند ينابيع الحمّة الكبريتية (ـ 125م). أما من الشمال فيقف جبل الشيخ (حرمون) جداراً عالياً يفصله عن لبنان. ويحده من الشرق وادي الرقّاد الذي يتاخم سهل حوران وأراضي ريف دمشق. ويرتبط الجولان طبوغرافياً بإصبع الجليل ليشكلا معاً خزان المياه لفلسطين بلا منازع؛ فمنه، وإلى جواره، تنبع أنهار بانياس والدان والحاصباني، وعند خاصرته يخزِّن جبل الشيخ وحده مليارا ونصف مليار متر مكعب من المياه، ومئة وسبعين ينبوعاً غزيراً.
مساحة الجولان 1860 كلم2 أي 1% من المساحة الكلية للجمهورية العربية السورية. وكانت إسرائيل احتلت في 9/6/1967 نحو 1276 كلم2 أي 70% من مساحة الجولان. وهذه المساحة عبارة عن 1176 كلم2 احتلت في حرب حزيران/ يونيو 1967 و100 كلم2 استولت عليها إسرائيل من المناطق العازلة والمجردة من السلاح التي نص عليها اتفاق الهدنة الموقّع بين سورية وإسرائيل في 20/7/1949. وفي حرب 6/10/1973 احتلت إسرائيل مجدداً 510 كلم2. لكن في 26/6/1974 وبموجب اتفاق فك الاشتباك بين الجيشين السوري والإسرائيلي الموقع في 31/5/1974 استعادت سورية 663 كلم2 عبارة عن الجيب الذي احتلته إسرائيل في حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 (510 كلم2) وجيب صغير آخر مساحته 153 كلم2 يضم مدينة القنيطرة.
وصل عدد سكان الجولان في سنة 1967 إلى نحو 153 ألف نسمة بينهم نحو تسعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين. وبلغ عدد القرى فيه 163 قرية فضلاً عن 108 مزارع. وسيطرت إسرائيل في الحرب على 139 قرية و61 مزرعة كان يقطنها نحو 130 ألفاً من السكان. وفي الأثر بادرت القوات الإسرائيلية إلى تدمير هذه القرى تباعاً، فلم يبقَ منها إلا ست قرى هي: مجدل شمس ومسعدة وعين قنية وبقعاتا وسحيتا والغجر. وفي سنة 1970 جرى تدمير قرية سحيتا وصودرت أراضيها ووُزِّع سكانها على القرى الأربع الأولى، ونزحت أعداد منهم إلى دمشق. وخلال شهر واحد لم يبقَ في الجولان، من بين 130 ألف نسمة، غير 6396 شخصاً بينهم 5675 من سكان القرى الأربع (دروز وبضع عائلات مسيحية) و521 مواطناً من قرية الغجر (مرشدين وعلويون) ونحو 250 مواطناً مدنياً ظلوا في مدينة القنيطرة (مسلمون وبعض المسيحيين). وبعد شهر واحد فقط من الاحتلال، وبالتحديد في 10/7/1967 أعطى حزب العمل الإسرائيلي إشارة البدء لاستيطان الجولان. ولم يطل الأمر حتى جرى في 14/7/1967 وضع حجر الأساس لأول مستعمرة في الجولان هي «ميروم هاغولان».
عرب وشركس وتركمان
كان الجولان، قبل سقوطه تحت الاحتلال الإسرائيلي، مثالاً للتنوع الاثني والطائفي في سورية. فعلى أرضه عاش، بوئام، الشركس والتركمان والأكراد والأرمن والعرب، وازدهر التسامح والتدامج بين طوائفه المختلفة كالسنة والمسيحيين والدروز والعلويين والاسماعيليين والشيعة، فكأن الجولان صورة مصغرة لسورية التقليدية التي خرجت من تحت أنقاض الامبراطورية العثمانية وانبثقت، كدولة حرة، مع الملك فيصل الأول، ودشنت، بقيادة سلطان الأطرش، ثورتها الكبرى ضد الانتداب الفرنسي بشعار: «الدين لله والوطن للجميع». إن التعدد الاثني والطائفي يتجاوران معاً في الجولان بصيغة من صيغ التعايش المشترك قلّ نظيره في العالم العربي.
جاء الشركس إلى بلاد الشام في منتصف القرن التاسع عشر، واتخذت هجرتهم القسرية الطابع العائلي، أي أن الهجرة شملت الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. والشركس كلمة عامية تُطلق على المهاجرين القوقازيين الذين أسكنتهم الدولة العثمانية في بعض الولايات العربية، وهؤلاء ينقسمون إلى مجموعات مثل الشركس والداغستان والشيشان والقرشاي والقوشحة. ويبلغ عدد الشركس في سورية أكثر مئة ألف نسمة يتوزعون على عدة مناطق مثل قرية راس العين على الحدود السورية ـ التركية، وتل عمري بين حمص والسلمية، ومرج السلطان بالقرب من دمشق؛ وهذه القرية سكنها الفلسطينيون الشركس الذين لجأوا في سنة 1948، ثم جاءها الشركس من نازحي الجولان سنة 1967. وانتشر الشركس في عدد من القرى والبلدات الأخرى مثل: القنيطرة والمنصورة وعين زيوان والجويزة وبيرعجم والبُريقة والخشنية والفحام وفزارة ورويحينة والفرج والحميدية والسنديانة والعدنانية (كان اسمها الصرمان) والقحطانية (كان اسمها المدارية) والغسانية (المومسية سابقاً). وأسهم الشركس في النضال السوري ضد الاستعمار الفرنسي، واشتُهر جواد أنزور قائد الكتيبة الشركسية في الجيش السوري في معارك سمخ وتل العزيزيات وسقط شهيداً في القتال ضد الإسرائيليين.
أما التركمان فقد جلبتهم الحكومة العثمانية في القرن السادس عشر وأسكنتهم في الجولان، وهم عبارة عن قبيلتين: الأسكي تركمان، وهؤلاء قطنوا المنطقة منذ نحو أربعمئة سنة، واليوروك، وهؤلاء عادوا إلى تركيا بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الأتراك في الحرب، لكنهم لم يتلاءموا مع النظام الجديد بزعامة أتاتورك فرجعوا إلى سورية. ولما كانوا باعوا جميع ما يملكون فقد تدهورت أوضاعهم المادية والاجتماعية وصاروا عند درجة دنيا من السلم الاجتماعي. ويتكلم التركمان خليطاً من اللغة التركية والعربية وهي لهجة لا أبجدية لها. ويعد التركمان اليوم في سورية نحو مئة ألف كانوا يتوزعون في الجولان على القرى التالية: حفر، كفرنفاخ، السنديانة، الرزانية، الغادرية، الحسينية، العليقة، المغير، الضابية، نعران، دير الراهب، الأحمدية، عين السمسم، عين عيشة، الجويزة، المومسية.
لكن الأكراد، شأنهم شأن الأرمن، كانوا قليلي العدد وتركزوا في القنيطرة بالتحديد وعملوا في التجارة والحرف. وثمة طيف آخر من الأجناس انتشر في القنيطرة مثل «التلاوية» والسود والمغاربة. فالتلاوية قبائل غير محددة الأصل تعيش في سهل البطيحة على ضفة بحيرة طبرية، وتتكلم العربية، وهم سود البشرة، واشتُهروا بالعمل مرابعين لدى مالكي الأرض. والسود من أصول افريقية عاشوا في بلدة الرفيد وكانوا مرتبطين مع قبائل الفضل وشيوخها آل الفاعور برباط العبودية. أما المغاربة فهم مجموعات من العرب والبربر جاؤوا مع الأمير عبد القادر الجزائري ونزلوا قريتي عابدين ومعرّابة.
يشكل العرب في الجولان غالبية السكان، ويتوزعون، مذهبياً، كالتالي: سنة ومسيحيون ودروز وعلويون ومرشديون واسماعيليون وشيعة. مع العلم أن السنة يشكلون نحو 85% من إجمالي السكان بمن فيهم غير العرب مثل الشركس والتركمان والأكراد. أما الشيعة فهم قلائل وعاشوا في القنيطرة ومعظمهم من أصول لبنانية. ومثلهم الاسماعيليون الذين لم تزد أعدادهم على العشرات. وكان العلويون والمرشديون يقطنون ثلاث قرى هي عين فيت وزعورة والغجر. وقد نزح أهالي قريتي عين فيت وزعورة بينما بقي سكان قرية الغجر تحت الاحتلال. وينقسم المسيحيون في الجولان بحسب مذاهبهم؛ فمنهم الأرثوذكس والكاثوليك والموارنة والبروتستانت، وانتشروا في البلدات التالية: خسفين، فيق، القنيطرة، عين قنية، مجدل شمس، عين الشعرة، حينة، عرنة.
أما الدروز فقد أقاموا في القرى العالية الواقعة على منحدرات جبل الشيخ وتوزعوا في بعض القرى السهلية في القطاع الشمالي وتركزوا، بالتحديد، في مجدل شمس وبقعاتا وعين قنية ومسعدة وسحيتا وقلعة جندل وعرنة وحرفا وبقعسم وعين الشعرة وريمة وخربة السودا وحضر وحينة ومزرعة المقروصة. ويتوزع البدو على مناطق الجولان كافة ويتركزون في القطاعين الأوسط والجنوبي. والعشيرة الأكبر هي عشيرة الفضل وشيوخها آل الفاعور ومركزها بلدة واسط. وتأتي بعدها عشيرة النعيم ومركزها بلدة كودنة. وهناك مجموعات عشائرية أخرى جاءت من فلسطين ولا سيما بعد حرب 1948، وعاشت في الجولان ومحيطها واندمجت بالسكان تماماً مثل الشمالنة (في بلدة البطيحة) والغوارنة (في قرية الحسينية) والزنغرية (في فيق والصنابر) والهيب (في الصنابر) والخوالد (في خان الشيح)، وهؤلاء، في معظمهم، عملوا في الأرض إما كمزارعين أو كمرابعين لدى المالكين الكبار من أمثال عبد الرحمن باشا اليوسف الذي كانت أراضيه تمتد من جسر بنات يعقوب حتى منطقة فيق، ولالا مصطفى باشا الذي اتسعت أملاكه لتمتد من القنيطرة حتى سفوح الجولان.
الاحتلال والمقاومة
سقط الجولان في قبضة الاحتلال الإسرائيلي في 9/6/1967. ولم يكد يمضي شهر واحد فقط حتى كانت الجرافات الإسرائيلية تباشر في تدمير القرى العربية ومحو معالمها عقب رحيل السكان نحو المناطق غير الخاضعة للاحتلال.
لم يبقَ في الجولان بعد الاحتلال إلا ست قرى تشبث أهلها بأرضهم ورفضوا المغادرة. وهذه القرى هي: الغجر (سكانها من المرشديين والعلويين) ومسعدة وبقعاتا وعين قنية ومجدل شمس (سكان هذه القرى الخمس من الدروز مع بعض العائلات المسيحية القليلة). وفي ما بعد، وبسبب موقع قرية سحيتا القريب من خط وقف النار، عمدت القوات الإسرائيلية في سنة 1970 إلى تدمير هذه القرية تماماً ومصادرة أراضيها وتوزيع سكانها على القرى الباقية وإرغام البعض على النزوح نحو الجزء غير المحتل من الجولان. ويقدر عدد الدروز الذين أُكرهوا على النزوح بنحو 20% من مجمل عددهم قبل الاحتلال، بمن فيهم المواطنون الدروز من سكان قرى زعورة وعين فيت وبانياس، فهؤلاء، مثل بقية المواطنين، أرغموا على ترك قراهم التي دمرت لاحقاً وأقاموا، في المرحلة الأولى، في إحدى مدارس بلدة مجدل شمس، فصاروا نازحين في الهضبة. وفي ما بعد أُكره قسم منهم على اللجوء إلى دمشق هرباً من العَسف والتشرد ومآسي فقدان المنزل والأرض.
كان الحدث الأبرز في مسيرة المقاومة الشعبية في الجولان هو القانون الذي اتخذه الكنيست الإسرائيلي في 14/12/1981 الذي نص على تطبيق القضاء والقانون والإدارة الإسرائيلية على الجولان. والواضح أن قانون الجولان لا يعني ضم المرتفعات البتة، إنما هو ترتيب قانوني محدد لا ينص على فرض السيادة بل على تطبيق القضاء والقانون والإدارة فقط. والجولان، إذن، في إطار هذا الاجتهاد القانوني يخضع لحال قانونية تدعى «الاحتلال الحربي «War Occupation وهي تختلف عن «الفتح «Debellation حيث يتم الاعتراف للدولة المنتصرة بحق ضم إقليم ما من الدولة المهزومة. والاحتلال الحربي هو أمر واقع وذو طابع استثنائي وموقت وليس له أثر ناقل للسيادة التي تبقى، في الأحوال كلها، للدولة الأصلية ولو أنها فقدت السيطرة على بعض أقاليمها ويكون للدولة المنتصرة السيطرة وليس السيادة. فالدولة صاحبة السيادة الشرعية على أقاليمها لا تفقد سيادتها بمجرد وقوع الإقليم تحت الاحتلال. والقوانين الدولية أعطت الدولة المنتصرة صلاحيات تنحصر في أمور تتعلق بالحفاظ على الأمن والنظام العام والحفاظ، في الوقت نفسه، على حقوق السكان وأملاكهم وأمنهم. وفي جميع الأحوال تتوقف هذه الصلاحيات عند حدود إدارة الإقليم، ولا تملك الدولة المنتصرة الحق في فرض قوانينها على الإقليم المحتل.
ومثلما منع ميثاق الأمم المتحدة الصادر في سنة 1945 الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، فقد نص قرار مجلس الأمن الرقم 497 الصادر في 17/12/1981 ما يلي: «ان القرار الذي اتخذته إسرائيل بفرض قوانينها وتشريعاتها ونظمها الإدارية على مرتفعات الجولان يعد باطلاً كأنه لم يكن وعديم الأثر قانوناً على الصعيد الدولي (...) وإن كافة أحكام معاهدة جنيف الموقعة في 12/8/1949 المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في أوقات الحرب ما تزال سارية على الأراضي السورية التي تحتلها إسرائيل منذ حزيران (يونيو) 1967». وعلى الرغم من قرار مجلس الأمن هذا مضت إسرائيل في فرض قوانينها على الجولان. وعند هذه النقطة انفجرت مقاومة السكان لهذا القانون بوسائل لم تكن معهودة في السابق.

في جنازة الشهيد فايز محمود ظلت المقاومة في الجولان، قبل هذه الفترة، محدودة وإن اتخذت عدة أشكال. وكان قرار البقاء في الأرض الشكل الأولي للمقاومة. ثم عمدت مجموعات من الشبان إلى جمع معلومات عسكرية وأمنية فائقة الأهمية وتسريبها إلى الجهات السورية. وقد استفاد الجيش السوري من هذه المعلومات كثيراً في أثناء التحضير لحرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. ولاحقاً اكتشفت إسرائيل أسماء الذين كانوا يجمعون المعلومات وزجت بهم في السجن. وفي هذه الفترة سقط الشهيد عزت أبو جبل في سنة 1973. ثم انتقلت المقاومة لتتخذ شكل المواجهة الشعبية أي التظاهر والإضراب والاحتفال بالمناسبات الوطنية ورفع الأعلام السورية وإقامة النصب للمجاهدين السوريين أمثال سلطان باشا الأطرش. وفي معمعان هذه المناسبات قُدِّر عدد الذين تعرضوا للسجن بنحو 20% من السكان، أي نحو 40% من عدد الرجال. والكثير من هؤلاء حكم بالسجن لآجال طويلة مثل كمال صالح أبو كنج الذي اعتقل سنة 1971 وحكم بالسجن 24 عاماً وأُطلق بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 في عملية تبادل الأسرى.
وعندما حاولت السلطات الإسرائيلية فرض الجنسية الإسرائيلية على سكان الجولان بادر الأهالي في آذار/مارس 1981 إلى إصدار «الوثيقة الوطنية» التي أكدت أن أهالي الجولان عرب سوريون تحت الاحتلال وأنهم يتطلعون إلى اليوم الذي سيتحرر الجولان فيه ويعودون إلى الوطن الأم. وفرض رجال الدين الحرم الديني والمدني على كل مَن يقبل الجنسية الإسرائيلية. وهذا الحرم يعني أن مَن يسري عليه الحرم يمنع من حضور الأعراس والجنائز ويلتزم الآخرون عدم تبادل الزيارات أو الكلام أو التعامل معه أو مصاهرته. وفي مجتمع صغير حيث الجميع يعرفون بعضهم تماماً يعتبر هذا الحرم عقوبة قاسية جداً. وفي 14/2/1982 أعلن الأهالي الإضراب العام في قرى الجولان الأربع (مجدل شمس ومسعدة وبقعاتا وعين قنية)، فما كان من إسرائيل إلا أن فرضت الحصار الشامل على هذه القرى في 25/2/1982. واستمر الإضراب 157 يوماً متواصلاً ولم يُعلَّق إلا في 20/7/1982 عندما كانت أنظار العالم تتحول نحو اجتياح إسرائيل لبنان الذي بدأ في 6/6/1982.

الصمود والتضامن

ان استمرار الحصار ستة أشهر متواصلة مسألة تدعو إلى الإعجاب بقدرة أهالي الجولان على الصمود. فثمة الكثير من العوامل الموضوعية تعمل ضد رغبات السكان وتطلعاتهم، ومع ذلك تمكن هؤلاء السكان من الصمود فترة طويلة جداً من غير أن يتخلوا عن مواقفهم السياسية والوطنية البتة. فالقرى الأربع قليلة عدد السكان، في الأساس، ولم يكن عددهم يتجاوز الستة عشر ألف مواطن وهم محصورون في بقعة واحدة بحيث يمكن تطويقهم ومراقبتهم بسهولة. وعلى الرغم من أنهم يفتقرون، جغرافياً، إلى الاتصال بأي عمق يمنحهم احتمال خوض نشاط عسكري، إلا أن بعضهم لم يتوان عن المبادرة إلى تأليف «حركة المقاومة السرية» في آب/أغسطس 1985 والقيام بنضال عسكري سقط فيه عدد من الشهداء أمثال نزيه أبو زيد (استشهد سنة 1986) وغالية فرحات (1987) وفايز محمود (1990) وسجن كثيرون.
وفي أثناء الانتفاضة الفلسطينية ظهر أن سكان القرى الدرزية في الجولان يميلون إلى إقامة علاقات تضامنية أقوى مع فلسطينيي الضفة الغربية وغزة من تلك القائمة مع الدروز في الجليل. وفي هذا السياق ألف سكان الجولان لجاناً للتضامن مع الانتفاضة، وكانوا أول مَن أرسل شاحنات محملة بالأغذية والملابس إلى المخيمات الفلسطينية في الضفة والقطاع. وما فتئوا، في كل سنة، ينظمون حملات لقطاف التفاح ثم يوزعونه على مستشفيات الضفة وغزة، وكانوا يتبرعون ببعض عوائد التفاح لدعم الانتفاضة.
برهن سكان الجولان عن قدرة كبيرة على التضامن والاعتماد على الذات. ومع أن اقتصادهم بسيط جداً وعبارة عن محصول واحد هو التفاح، ومع أنهم لم يتلقوا أي شكل من أشكال الدعم ولم يُتح لهم الحصار والجغرافيا أي قدرة على التواصل والاستمرار، إلا أنهم تخطوا شروطهم القاسية تلك وتمكنوا من تنفيذ إضراب بري طويل المدى. وبرز اعتمادهم على أنفسهم في الأحوال والأمثلة التالية:
عندما صادرت السلطات الإسرائيلية ينابيع المياه في الجولان، وفي محاولة للتغلب على نقص المياه، بادر سكان الجولان بين 1983 و1985، من غير أي معونة خارجية، إلى بناء نحو 650 خزاناً يتسع كل واحد منها لما بين 500 و1000 متر مكعب من الماء. عند ذلك قامت إسرائيل بحظر إنشاء مثل هذه الخزانات ودمرت عدداً منها وفرضت غرامات على الخزانات الباقية، كما فرضت على أصحابها تركيب عدادات، أي أن يسددوا ثمن مياه الأمطار.
وأنشأ السكان، من غير أي مساعدة خارجية، ثلاثة برادات لتخزين التفاح بين 1978 و1990 للتحكم في توريد المحصول إلى الأسواق. فعمدت إسرائيل، إلى حظر الزراعات الجديدة من التفاح بذريعة منافسة تفاح الجولان إنتاج سهل الحولة من الفاكهة نفسها.
وفي سنة 1990 شق الأهالي طريقاً من مجدل شمس إلى البساتين العالية بتكلفة وصلت إلى 170 ألف دولار، وجمع السكان المبلغ بأنفسهم. كذلك بنى المواطنون ثلاث مدارس في مجدل شمس وجهزوها من تبرعاتهم الفردية.
النازحون: مشكلات لا تحصى
تناثر النازحون، بعد حرب حزيران/يونيو 1967، في أمكنة شتى، وانتشروا، بالتحديد، بين مدينة درعا في الجنوب ومدينة حمص في الشمال، وسكن بعضهم في القرى القريبة من الجولان مثل سعسع وقطنا. وبينما أقام كثيرون في القرى المجاورة لدرعا مثل المزيريب وإزرع وتل شهاب، تركز معظم النازحين في مدينة دمشق وأحيائها وضواحيها مثل: برزة، المزة، الزاهرة، دوما، السيدة زينب، الكسوة، سبينة، بويضة، مرج السلطان، الحجر الأسود، القدم، الدحاديل، عسالي، نهر عيشة، الذيابية، حجيرة، قدسيا، الهامة، جرمانا، الدويلعة، ركن الدين، القصاع، جوبر، عين ترما، المليحة، كفرسوسة، مخيم اليرموك، المعظمية، جديدة عرطوز.
يقدر عدد النازحين، اليوم، من أهالي الجولان، بنحو 5٠0 ألفاً، فضلاً عن عدد غير محدد من الدمشقيين والموظفين الذين كانوا يقطنون الجولان قبل سقوطه. ويعاني النازحون، في غالبيتهم، مشكلات متعددة الوجوه. وأحد وجوه هذه المشكلات المسألة السكنية؛ ففي المخيمات، مثل مخيم الوافدين، تعيش أربع أسر في الشقة الواحدة وقد عمدت الدولة، أيضاً، إلى إنشاء اثنتي عشرة مجموعة سكنية لا في أماكن انتشار النازحين هذه المرة، بل في القرى التي انسحبت إسرائيل منها في سنة 1974 مثل الحميدية وبريقية وبير عجم والرفيد والقحطانية والصمدانية والأصبح وصيدا وغيرها، في محاولة منها لتشجيع عودة النازحين وخفض العبء عن مدينة دمشق، إلا أن هذه التجربة فشلت، إلى حد بعيد، لأن القليل جداً من السكان استقر في هذه المجموعات المحدثة في غياب فرص عمل دائمة لهم، بينما كان أفراد الجيل الثاني من النازحين يستقرون في دمشق كموظفين أو مهنيين أو تجار، وصار من المحال أن يديروا ظهورهم لأوضاعهم الجديدة ويتخلوا عن استقرارهم ويعودوا إلى الجولان عودة نهائية وقاطعة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات