بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
الجنسية المرذولة
  17/04/2012

الجنسية المرذولة
تيسير مرعي وأسامة حلبي


لم يمر وقت طويل على تسلم الليكود الحكم في إسرائيل في أيار 1977، حتى بدأت الحكومة الجديدة في الضغط على سكان الجولان لدفعهم إلى طلب الجنسية الإسرائيلية، لأنها لا ترغب في أن تصدر قرار ضم الجولان من جانب واحد، بل حاولت أن يظهر قرارها كأنه استجابة لرغبات السكان.
خلال عام، تزايد عدد التظاهرات الشعبية في قرى الجولان كلها، لذلك عمدت السلطات في هذه الفترة، وعلى نطاق واسع إلى الربط بين الجنسية والحياة اليومية: لم يكن في الإمكان الحصول على رخصة سوق من دون حيازة بطاقة هوية شخصية مذكور فيها أن الجنسية إسرائيلية. ولم يكن في الإمكان السفر داخل إسرائيل من دون مثل هذه البطاقة... إلخ.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1980، عُدّل قانون الجنسية الإسرائيلية وخُوّل وزير الداخلية صلاحية منح الجنسية الإسرائيلية بناء على شروط مختلفة مفصّلة في القانون. وكان الشرط الذي ينطبق على السكان السوريين في الجولان أن «الجنسية تمنح عندما يعتبر ذلك تحقيقا لمصلحة خاصة للدولة». وفي نهاية السنة، كانت إسرائيل قد بدأت تضغط على السكان ليقبلوا بطاقات الهوية الشخصية الجديدة، وبحسب قول السلطات، فقد قبل بها 400 شخص تقريباً. وفي الحقيقة، كان 300 من هؤلاء من الدروز الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية أصلا، وانتقلوا من إسرائيل نفسها إلى مرتفعات الجولان، إما لأسباب عائلية وإما لغيرها من الأسباب.
تصاعدت التظاهرات والاحتجاجات. وفي أوائل آذار/ مارس دعا الزعماء الدينيون، مدفوعين من نشطاء محليين، جميع سكان مرتفعات الجولان إلى اجتماع عام في الخلوة في مجدل شمس. واحتشد نحو 6000 شخص من القرى الأربع، أو ما يزيد على نصف عدد سكان الجولان في ذلك الوقت، في المبنى الضخم والساحة المكشوفة أمامه. وتقرر في ذلك الاجتماع فرض مقاطعة اجتماعية دينية كاملة ـ عملياً: حرمان ديني ومدني ـ على كل من يقبل الجنسية الإسرائيلية. وتقرر منع الذين تسري المقاطعة عليهم من حضور الأعراض والمآتم وكل المناسبات الاجتماعية والدينية، وعدم السماح لأي فرد من أفراد المجتمع بالتعامل معهم بأي شكل. وفي مجتمع صغير كمجتمعنا، حيث يعرف كل شخص الآخر، فإن تأثير مثل هذا النبذ من شأنه أن يكون مدمرا. وفي ذلك الاجتماع نفسه، أقر الحضور «وثيقة وطنية»، نشرت فيما بعد في الصحف، تعلن أن سكان الجولان هم سوريون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأنهم يتطلعون إلى اليوم الذي سيتحررون فيه ويعودون إلى أحضان سورية.
وفي ردها على ذلك، قامت سلطات الاحتلال بفرض عقوبات على السكان، بما فيها ضرائب مبالغ فيها، وقيود مشددة على السفر وعلى تسويق المنتوجات الزراعية. ووُضع عدد من النشطاء في الإقامة الجبرية أو الاعتقال الإداري، وفصل بعض المدرّسين. وبعد ذلك أخبر القادة المحليون، بصورة غير رسمية، أن العقوبات سترفع إذا وافق السكان على إنهاء مقاومتهم. مع ذلك، استمر النبذ وبدأ أولئك الذين قبلوا الجنسية الإسرائيلية بالتخلي عنها، واحدا بعد الآخر.


منحوتة للفنان الجولاني فهد الحلبي

وفي كانون الأول/ ديسمبر 1981، بعد أشهر من الاضطراب، صدر قرار بضم مرتفعات الجولان فعليا. وعلى الفور تمت الدعوة إلى إضراب عام لمدة ثلاثة أيام، فشلّت الحياة تماما في القرى الأربع. وأرسلت مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، كما أرسلت عريضة إلى الحكومة الإسرائيلية تطالبها بإلغاء الضم.
استمر ما أصبح الآن نمطا اعتياديا: التظاهرات من جهة، والاعتقالات والقيود من جهة أخرى، حتى 13 شباط/ فبراير 1982، عندما وضعت إسرائيل أربعة من الزعماء في الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر. وفي اليوم التالي، 14 شباط/ فبراير، أعلن إضراب عام استمر أكثر من خمسة أشهر من دون انقطاع. حصار كامل على الجولان: أوقف كل أشكال المواصلات من المنطقة وإليها، لم يسمح بإدخال الطعام أو الدواء، قطعت الكهرباء والماء. وقد نظمت تظاهرات كل بضعة أيام خلال الإضراب، في بعض الأحيان في القرى الأربع كلها، وأحيانا في قرية واحدة حيث كان سكان القرى الأخرى يحتشدون فيها. وقد تمت المحافظة على تنسيق دقيق طوال تلك المدة من خلال الاجتماعات العامة. وجوبه بعض التظاهرات بالعنف، وأصيب خمسة وثلاثون شخصا بطلقات نارية خلال اشتباكات مع الشرطة. وفقد شاب رجله ويده وعينه في حادث انفجار لغم خارج مجدل شمس. وقد رفضت كل محاولات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لزيارة المنطقة.
في 1 نيسان/ أبريل 1982 أعلنت إسرائيل رسميا الجولان منطقة مغلقة، وفرضت حظر التجول على مدار الساعة، وأرسل إلى المنطقة 14,000 جندي إسرائيلي ـ أكثر من عدد السكان العرب في مرتفعات الجولان ـ قاموا بالتنقل من بيت إلى آخر لمصادرة بطاقة الهوية العسكرية القديمة وتوزيع بطاقات الهوية الجديدة، المعدة لكل فرد، والمذكور فيها الجنسية الإسرائيلية. وقد تم اعتقال 150 شخصا خلال هذه الحملة. في هذه الأثناء، وفي محاولة لإقناع السكان بقبول بطاقات الهوية/ الجنسية، بثت الإذاعة معلومات زائفة بأن زعماء عديدين قبلوا بها. لكن المحاولة فشلت فشلا ذريعا، وسرعان ما تناثرت بطاقات الهوية المرفوضة في شوارع القرى الأربع جميعا. وفي 5 نيسان/ أبريل، انسحبت القوات الإسرائيلية ورُفع الحصار.
أنهي الإضراب أخيرا في 21 تموز/ يوليو 1982 وكانت العيون، في ذلك الوقت، مركزة على غزو إسرائيل للبنان وحصار بيروت الوحشي؛ وكان واضحا في هذه الأوضاع الجديدة، أن من العبث الضغط على إسرائيل فيما يختص بالجولان. وعلاوة على ذلك، كان مخزون المواد الغذائية ـ مؤونة كبيرة من الأغذية المجففة والمحفوظة التي كانت دائما في متناول القرى ـ قد بدأ بالنفاد. لم يكن الحليب متوفرا؛ وكان الأطفال يعانون. وقد نفقت مئات من المواشي جوعا بسبب منعها من الوصول إلى المراعي. وأخيرا، تراجع الإسرائيليون عن إصرارهم على موضوع الجنسية، ولم يرد في بطاقات الهوية ووثائق السفر التي وزعت في النهاية ذكر للجنسية الإسرائيلية. وكان هناك اتفاق آخر يقضي بأن سكان الجولان لن يؤدوا الخدمة في القوات المسلحة. وأنه سيتم السماح لهم بزيارة سورية، وأن الأراضي لن تصادر. ولم يتم احترام الالتزامين الأخيرين. وهذا هو الوضع الآن: تعتبر إسرائيل سوريي الجولان «مقيمين في إسرائيل» لا مواطنين.
لقد كان إضراب 1982 العام ذروة العمل الجماهيري في الجولان، ولم يتكرر ما يرقى إلى مستواه. منذ ذلك الحين، جرت تظاهرات عديدة. ويتم التقيد سنويا على الأقل بإضرابين ليوم واحد: في 14 شباط/ فبراير، ذكرى الإضراب العام؛ وفي 17 نيسان/ أبريل، عيد الاستقلال السوري. ومنذ بدء الانتفاضـــة الفلـــسطينية أضيف إلـــى القـــائمة يـــوم 8 كانون الأول/ ديسمبر، يوم اندلاعها في سنة 1987.
أنظر: «الحياة تحت الاحتلال»،بيروت: مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد ١٣، شتاء ١٩٩٣
 

 النشرة مستمرة ... السفير ...

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات