بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
مزارع شبعا:
مكان مليء بالألغاز الغامضة
  07/01/2006

مزارع شبعا:
مكان مليء بالألغاز الغامضة

نشر في الشرق الأوسط بتاريخ 04\01\2006

كتاب لبناني عن مزارع شبعا وموقفي الحكومتين اللبنانية والسورية

بيروت: سمير شمس

موضوع شبعا ومزارعها لم يعد مقتصرا على مساحة من الأرض ذات تخوم ضائعة متنازع عليها بين أفرقاء، بل أخذ بعدا دوليا مثيرا للجدل بعد أن أصبح بوابة للسلام والحرب ولانطلاق حرب مستقبلية كبرى قد يعجز العقل عن تصور نتائجها المدمرة، كما صرّح الرئيس كلينتون قبل ساعات من رحيله عن البيت الأبيض.

تنبأ كلينتون بأن الحرب القادمة في الشرق الأوسط لن تنطلق من فلسطين ولا من العراق، بل من قرية الغجر ومزارع شبعا في جنوب لبنان.



لم ترتكز ريتا شرارة في كتابها «شبعا أولا» على الخرائط للتدليل على لبنانية مزارع شبعا نظرا للتشويه الكبير الذي شابها على مر السنين وتبدل الحقب، بل عوّلت لإبراز حقيقة لبنانية المزارع على الاتفاقات الدولية التي أظهرت بوضوح خطوط الهدنة وترسيم الحدود بين لبنان وسورية.

في عودة إلى الأصل التاريخي لحدود إسرائيل، ترى أن النص الوارد في سفر التثنية (11ـ24) في التوراة يوضح الاستراتيجية الإسرائيلية، فأرض الميعاد وفق هذا النص هي: «كل مكان تدوسه أقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان». وفي مؤتمر الصلح عام 1919 قالت الحركة الصهيونية في مذكرتها المقدمة للمؤتمر «إن جبل حرمون هو أب المياه الحقيقي لفلسطين، ولا يمكن فصله عنها من دون توجيه ضربة قاصمة إلى جذور حياتها الاقتصادية بالذات». وفي مذكراتها إلى مؤتمر الصلح، أيد ضباط إنجليز كبار ضم حرمون والليطاني إلى فلسطين، إلا أن الفرنسيين رفضوا هذا الطلب وأقصى ما وافقوا عليه الإقرار بحصة فلسطين من مياه جبل حرمون المتدفقة جنوبا بنسبة 33%.

ومنذ عام 1924، اعتبرت مزارع شبعا أراض لبنانية. إلا أن سورية دخلتها في الخمسينات، فكانت الأملاك لبنانية كذلك السكان في حين كانت الإدارة والسلطة سوريتين. وبقيت سورية في تلك المزارع حتى احتلتها إسرائيل مع هضبة الجولان عام 1967. ووفق خطة ماكرة، لم تبادر إلى احتلال المزارع دفعة واحدة، كما فعلت في الجولان والضفة الغربية وسيناء، كي لا تلفت النظر إلى أنها تحتل قسماً من الأراضي اللبنانية. وبدأت ترسل إلى تلك المزارع دوريات استطلاعية انطلاقا من مزرعة المغر باتجاه المزارع القريبة، أو منطقة جباثا الزيت في الجولان في اتجاه قاطع برختا ومراح الملول. وفي أواخر يونيو (حزيران) استطاع الأهالي إلقاء القبض على أحد أفراد هذه الدوريات وسلموه للسلطة اللبنانية، فاستغلت إسرائيل الحادثة وشنت غارات جوية على المزارع لا سيما برختا التي دمرت غالبية منازلها، ثم دمرت بشكل منظم بقية المزارع والزرائب وآبار المياه وسواها. وفي صيف 1972، أحاطت إسرائيل تلك المزارع بالأسلاك الشائكة وزرعت المنطقة بالألغام وأنشأت المراصد العسكرية. وأقامت عام 1980 مستوطنتين ليهود الفلاشا في مزرعتي رويسة القرن وزبدين إضافة إلى منتجع سياحي للتزلج في منطقة مقاصر الدود. وفي عام 1990 ضمت مزرعة بسطرا وطردت سكانها ودمرت ما فيها من عمران.

تبلغ مساحة مزارع شبعا 250 كلم مربع، تتدرج من علو 1200 متر عن سطح البحر من مزرعة برختا لتتساوى ومستوى البحر عند مزرعة المغر. وتسمى بالمزارع لاعتماد أهاليها على الزراعة وتربية الماشية إضافة لاختزانها كميات هائلة من مياه الثلوج تكفي لري مساحات شاسعة من الأراضي. وهي تصلح لكافة أنواع المزروعات الموسمية أو الدائمة كالزيتون المعروف بالروماني وكروم العنب والفستق الحلبي والتفاح والخوخ.

لا يعود تمسك إسرائيل بهذه المزارع لأسباب اقتصادية فقط، بل لأهميتها الاستراتيجية عسكريا وأمنيا. فهي تمثل المكان الأمثل لتأمين موقع للإنذار المبكر، وتؤمن لقوات إسرائيل العسكرية الوقت الكافي للتحضير لأي عملية عسكرية قد تتعرض لها. وبإمكانها من هذا الموقع مراقبة عمق لبنان وسورية، ولا سيما أن قواتها تنتشر في الجولان. لذلك أقامت إسرائيل في هذه المواقع مراكز عسكرية ثابتة ومحصنة هي: مراصد جبل الشيخ للرصد والتجسس أهمها المركز المعروف باسم «المرصد»، وقد جهز بأحدث التقنيات المتطورة لكشف أي تحرك حتى الحدود العراقية، وموقعي رويسة العلم ورويسة السماقة في مرتفعات كفرشوبا، وموقعي رمثا ومغر شبعا المشرفان على منطقة العرقوب كلها، وموقعي قفوة وزبدين ومربض مدفعية كبير في مزرعة القرن في عمق المزارع. وأخيرا أقام الإسرائيليون موقعا جديدا إلى الجنوب الشرقي من موقع المرصد في جبل الشيخ كحماية خلفية يطل على معظم المناطق الجنوبية الغربية لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

لا ريب أن ثروات مزارع شبعا وحاجة إسرائيل إلى «الجولان المائي» الذي يوفر ثلث حاجة إسرائيل من المياه سنويا، والموقع الاستراتيجي العسكري، وموقعها الجغرافي على مفترق الحدود بين دول ثلاث، جعلت ملكيتها معرضة للتجاذبات السياسية الدولية، وتالياً للقضم وفق ميزان القوى. هذا الوضع المميز لشبعا جعلها مكاناً مليئاً بالألغاز المتعددة والغامضة: في الحدود، والإشارات، والصور الجوية، وفي الترسيم والهوية.

إن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وحتى القرى السبع بحاجة إلى حركة دبلوماسية فاعلة وحقيقية ليثبت لبنان للأمم المتحدة ملكيتها، لا سيما وأن الأسانيد التي بحوزة المنظمة الدولية كثيرة ومتناقضة أحيانا، وتغيرت بتغير الحقبات التاريخية. ولا تعترف بها إسرائيل التي يصرح قادتها «بأن جميع الخرائط التي أصدرتها مصلحة المساحة الإسرائيلية سنة 1949 أصبحت أثرية، وأن خطوط الهدنة لعام 1949 ليست حدودا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن العودة إليها، وأن من الأهمية القصوى استمرار سيطرة إسرائيل على قمم جبل الشيخ».

جرى ترسيم الحدود اللبنانية الفلسطينية وتثبيتها بموجب معاهدة نيو كامب ـ بوليه، المندوبين البريطاني والفرنسي. وتشمل 39 نقطة حدودية بدءا من الناقورة حتى شمال بلدة بانياس السورية، وكل نقطة تبعد عن الأخرى كيلومترين بحيث يبلغ طول الحدود اللبنانية الفلسطينية 78 كيلومترا.

وحددت الحدود اللبنانية السورية بموجب المادة الثانية من القرار رقم 318 في 31 آب (أغسطس) 1920 الصادر عن المفوض السامي الفرنسي. واعتمدت رؤوس القمم في جبل الشيخ حدودا بين الدولتين. ورسمت فعلا نقاطا بدءا من أعلى قمة في الجبل المعروفة بقصر عنتر على علو 2814 م. وصولا إلى نقطة الدرجة الحمراء شمال بلدة بانياس حيث يلتقي خط نيو كامب ـ بوليه.

هذه الحدود الدولية للبنان المعتمدة من الدولتين المنتدبتين، التي اعتمدها الدستور اللبناني، تؤكد لبنانية مزارع شبعا وخراجها وكذلك خراج كفرشوبا وجزء من خراج الهبارية وشريط القمم، إضافة إلى خريطة نيو كمب ـ بوليه الموضوعة عام 1923. وقد أودعت في عام 1934 لدى عصبة الأمم خريطة تظهر بدورها مزارع شبعا داخل الحدود اللبنانية. وفي عام 1942 قام مدير قسم الجيولوجيا الفرنسي «دوتريه» بإعداد خرائط جديدة ظهرت فيها مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية. كذلك جرى ترسيم الحدود عام 1949 عقب اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل وأجري مسح جغرافي ظلت بموجبه المزارع داخل الأراضي اللبنانية.

ما سبب الالتباس في سورية المزارع إذاً؟

عقب نكبة 1948، اتفق وفدان عسكريان لبناني وسوري نتيجة لتفاقم عمليات السطو والتهريب على أن تتولى سورية ضبط الوضع الأمني بسبب عدم قدرة لبنان العسكرية على ذلك. فدخلت بذلك المزارع تحت الحماية الأمنية السورية. وبعد نكسة 1967 وبداية الهجمات على المزارع إلى احتلالها بشكل كامل عام 1970 لم تتقدم السلطة الرسمية اللبنانية بأي شكوى إلى مجلس الأمن تعبِّر بها عن حقوقها المغتصبة، كما أنها أكّدت في عام 1969 في مذكرة قدمتها إلى مندوب الأمم المتحدة أنها غير معنية بالقرار 242 وتالياً ليس لها أراض محتلة من قبل إسرائيل، كما انها لم تقدم أي تعويض للأهالي الذين هجروا مناطقهم وفقدوا ممتلكاتهم. ومما يؤكد مسؤولية الدولة في الالتباس الحاصل حول هوية المزارع المعلومات التي أوردها الدكتور سليم الحص عن «وجود 25 خريطة صادرة عن الحكومتين اللبنانية والسورية، وكلها تظهر مزارع شبعا داخل الأراضي السورية».

لكن سورية لا تزال تقف من هوية المزارع موقفاً ملتبساً، ففي عام 2000 تلقى الرئيس سليم الحص رسالة من القيادة السورية تؤكد فيها لبنانية مزارع شبعا، وان إسرائيل لم تنسحب إلى خطوط هدنة عام 1949. وفي 16 مايو (أيار) 2000، اتصل فاروق الشرع، وزير خارجية سورية، بكوفي أنان ليؤكد له أن مزارع شبعا لبنانية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2000 قدّم المندوب السوري في الأمم المتحدة وثيقة إلى الأمم المتحدة تؤكد لبنانية مزارع شبعا.

إلاّ أنه في 3/4/2005، حين سئل موفد الأمين العام للأمم المتحدة إلى المنطقة تيري رود لارسن عن هوية المزارع، أجاب بحزم وتأكيد: إنها سورية. مما أثار لغطاً لأن وزير خارجية سورية فاروق الشرع كان إلى جانبه ولزم الصمت. فلم يؤكد ولم ينف ما قاله لارسن.

ماذا تريد سورية من هذا الصمت البليغ؟ وما هو مصير مزارع شبعا؟ وهل تتحقق نبوءة كلينتون بأن الحرب القادمة في الشرق الأوسط لن تنطلق من فلسطين ولا من العراق، بل من قرية الغجر ومزارع شبعا في جنوب لبنان.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات