بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
فخ <<الغجر>> الدولي
  17/01/2006

فخ <<الغجر>> الدولي

نشر في النهار. كانون ثاني 2006. كتبه: أمين محمد حطيط*

تطرح اسرائيل الآن وبعد 5 سنوات ونيف من طردها من الجنوب اللبناني، مسألة الغجر مجددا، ومن المفيد ان نذكّر بظروف نشأة هذه المسألة، وبالاهداف الحقيقية التي ترمي اسرائيل الى تحقيقها من وراء تحريك هذا الموضوع الآن.

1- نشأة المسألة

الغجر قرية تقع في الطرف الجنوبي الغربي للجولان وفي الطرف الجنوبي لقضاء مرجعيون. ولدى انشاء دولة لبنان الكبير ودولة سوريا من قبل المنتدب الفرنسي اختار اهالي القرية ان يلحقوا بسوريا ومنحوا جنسيتها، وتأكيداً لهذا الواقع أو تثبيتاً له سميت البلدة "الغجر السورية" لتمييزها عن كل البلدات والقرى المحيطة بها التي حافظت على لبنانيتها (النخيلة العباسية عرب الوزاني). ولكن المفارقة التي نشأت هي ان القرية ضمت الى الاراضي السورية اما الاراضي الزراعية المحيطة بها من الشرق والشمال فبقيت تابعة للدولة اللبنانية سواء أكانت بملكية الغجريين ام بملكية سواهم(...).

وبما ان لبنان وسوريا لم يُقْدِما منذ انشاء الحدود بينهما على تخطيط ميداني للحدود واغلاق لها لحصرها في المنافذ الرسمية لم يكن هناك مشكلة تواجه اهالي الغجر السوريين في استثمار اراضيهم الزراعية. وبدأت تلوح هذه المشكلة بعد الاحتلال الاسرائيلي للجولان وضم البلدة الى المنطقة المحتلة، لكن سرعان ما غابت هذه المشكلة بعدما تمدد الاحتلال الاسرائيلي ليشمل الاراضي الزراعية المحيطة بالبلدة رغم وقوعها تحت السيادة اللبنانية، وزالت المشكلة تماماً بعدما احتلت اسرائيل الجنوب عام 1978... اذ بعد هذا الاحتلال تمكن سكان القرية وبعيداً عن نظر السلطات اللبنانية المختصة من اقامة المنشآت في ممتلكاتهم الواقعة ضمن الارض اللبنانية، مما جعل المسألة تتعقد، وتطفو الى السطح من جديد عند التحقق من الخروج الاسرائيلي من الجنوب في العام 2000 حيث تبين ان خمسي القرية قائمان على ارض سورية وثلاثة اخماسها تقوم على الارض اللبنانية، وكان لابد من مواجهة معضلة تقسيم القرية في معرض التثبت من خروج الجيش الاسرائيلي من الارض اللبنانية. هنا اعترض الاهالي ورفضوا التقسيم متمسكين بوحدة بلدتهم مطالبين اما بالتحرير الكامل وإما بالبقاء الكلي تحت الاحتلال، فعرض لبنان استضافة الجزء السوري من القرية حتى تحرير الجولان فرفضت اسرائيل، ورفض لبنان ابقاء الجزء اللبناني محتلاً، وعرضت الامم المتحدة حلاً ثالثاً يقضي بان تبقى القرية موحدة ، وتكون بعهدة قواتها في الجنوب وحدها فقبل لبنان طالما ان جزأه المحرر سيكون خلواً من قوات العدو ...والتزمت الامم المتحدة بهذا الحل ونفذته اسرائيل بأن اقامت مراكزها في محيط القرية جنوباً وشرقاً(...).

2- الاثار المترتبة على الحل المعتمد

في البدء خرجت اسرائيل من المناطق الآهلة للقرية، واقامت حواجز التدقيق والتفتيش للوافدين اليها او المغادرين منها في اتجاه المناطق المحتلة. وطبقت تماما الاساليب التي كانت تعتمدها على المعابر التي انشأتها على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة ابان احتلال الجنوب. ولكن هذا الامر لم يكن ليريح بعض المسؤولين الامنيين الاسرائيليين في المنطقة اذ ظلت خشيتهم من تسرب او تسلل ما الى الداخل المحتل من فلسطين قائماً واطلقوا على الحالة تلك اسم "الثقب الامني". وهو في الحقيقة لم يكن محدِثاً لمخاطر امنية بالشكل الذي حاول البعض من الاسرائيليين تصويره فرفضت السلطة السياسية الاسرائيلية كل المقترحات الآيلة الى تغيير ميداني للامر، ما خلا قبولها بخرق التفاهم مع الامم المتحده وادخالها قوات عسكرية الى الاماكن الآهلة ووضعها في مراكز ثابتة ومنظورة من غير عناء، ثم طُوِّر الانتهاك الى السماح بدوريات داخل القسم اللبناني لكن بلباس مدني.

هنا لاحت للمقاومة فرصتها، فحاولت ان تضبط الانتهاك الاسرائيلي للخط الازرق، وبالدليل الحسي، وكانت العملية العسكرية في اواخر العام الفائت التي آلت الى ما آلت اليه من نتائج، اعتبرها الجانب الاسرائيلي خسارة جسيمة على الصعيدين المادي والمعنوي. رافق ذلك صخب محلي ودولي حول ضرورة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وكانت المواقف والغايات من هذا الطرح متابينة بتباين مواقع من يطرح الامر، حيث اعتبر البعض ان ترسيماً للحدود في ظل الاحتلال، و في جو من العلاقة السلبية المشحونة بين لبنان وسوريا امر غير ممكن عملياً(...). وفي المقابل اعتبر البعض الآخر انها فرصته لفرض امور على سوريا(...) كما هي فرصة لنزع ذريعة بقاء السلاح بيد المقاومين...

3- الغاية الحقيقية من خطة الفصل المصغرة في الغجر

في ظل الواقع المذكور عادت اسرائيل لتحرك مسألة الغجر متخذة الباب الامني مدخلاً لها، فطرحت مسألة اخلاء القسم اللبناني من البلدة وتدميره بعد نقل سكانه الذين فرضت عليهم الجنسية الاسرائيلية بعد القرار الاسرائيلي بضم الجولان السوري المحتل وبشكل نهائي الى فلسطين المحتلة، ثم اقامة جدار على "الخط الازرق" الفاصل بين المنطقة اللبنانية المحررة والسورية المحتلة. عمل تقوم به اسرائيل من جانب واحد او تطلب مراقبة الامم المتحدة، وهنا الفخ... فلماذا؟

أ- يجب ان ندرك ان الخشية الامنية الاسرائيلية لا تعتبر مبررا كافياً لاقامة الجدار، وخرق التفاهم القائم مع الامم المتحدة حول الغجر، اذ ان بامكان اسرائيل ان تحقق الاهداف الامنية ذاتها بوسائل اخرى ليس فيها هدم او ترحيل او جدار، وقد قامت بذلك مدة 5 سنوات ونيف.

ب- اذا لم تكن الغاية من الجدار والفصل امنية فما هي الغاية اذن؟ نحن نرى ان اسرائيل تهدف من خطتها هذه الى خلق سابقة مضمونها ان تتولى الامم المتحدة منفردة مسألة رسم الحدود بين لبنان وسوريا وفي غياب الطرفين، فاذا سكت لبنان وسوريا عن المسألة في الغجر، لا يكون اعتراضهما مسموعاً اذا تكرر الامر في مزارع شبعا، ثم في الجولان المحتل، وهنا بيت القصيد... اذ ان ترسيماً هناك وبغياب سوريا سيؤدي الى نيل اسرائيل ما تريد من ارض في محيط الحولة وفي الجولان، كما ان البدء بـ"الغجر" ثم التمدد الى المزارع والجولان سيفرض المتابعة الى العريضة في شمال لبنان(...).

ج - اضف الى ذلك هدفاً ضمنياً يتمثل بتوجيه رسالة اسرائيلية مزدوجة: الى الداخل الاسرائيلي وتقول ان الامن أغلق في الشمال آخر منفذ مع لبنان، والى الخارج وتقول: ان ضم الجولان هو امر جدي ونهائي(...).

4- لهذه الاسباب يجب ان ننظر (لبنانيين وسوريين) بعين الريبة والحذر الى ما تخطط له اسرائيل في الغجر، ونرفض اي واقع يفرض هناك من طرف واحد، فليس لاسرائيل الحق وفقاً لقواعد القانون الدولي العام بان تجلي سكاناً من منازلهم او تدمر منازل سكان الارض المحتلة او تنشئ واقعاً مادياً يكون مرتكزاً للتمسك لاحقاً بحق مكتسب. كما علينا ان نطالب الامم المتحدة بحمل اسرائيل على احترام التفاهم معها حول الغجر وعدم الاعتراف باي امر واقع تحدثه هناك من جانب واحد، اضف الى ذلك وجوب اشعار الامم المتحدة بعدم صلاحيتها لرسم الحدود او تخطيطها بين الدول، خاصة في غياب المعنيين(...).

* عميد ركن رئيس اللجنة العسكرية للتحقق من الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات