بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
الجولان .. ذاكرة الحقل لدى قاطني الأزقة الطويلة الضيقة
  05/02/2006

الجولان .. ذاكرة الحقل لدى قاطني الأزقة الطويلة الضيقة

نقلاً عن السفير. بقلم: محمد الخضر. (2006)

في الأحاديث التي يرويها النازحون ممن وعوا قراهم وسكناهم قبل عام 1967، يختلط الحلم بالواقع، فتجسد القرية كل ما يفتقده هؤلاء في حياتهم الآن مع مبالغات تطغى على الأحاديث المتداولة في ساعات السهر و" الدواوين " الطويلة، الحياة الاقتصادية كانت في أفضل الأحوال.. كنا نزرع في العام الواحد ثلاثة مواسم حنطة وشعير ومختلف أشكال الخضروات: طماطم وخيار وملوخية، عداك عن الحليب والعسل والسمك الذي نصطاده من بحيرة طبرية.. يقول أبو قاسم الرجل الخمسيني القاطن في السبينة إحدى الضواحي المحاذية لدمشق حيث يكتظ نحو 70 ألف مواطن نصفهم على الأقل من النازحين، ويضيف الرجل الذي يعرفه الجميع في هذا التجمع السكاني.. كانت الحياة بسيطة وجميلة في قريتنا " البطيحة " المطلة على بحيرة طبرية، الناس يعرفون كل شيء عن بعضهم بحكم بساطة المجتمع وتآلف أفراده مع بعضهم، كنا نفرح ونحزن معا، وحتى عملنا في الزراعة كنا ننجزه سوية بحيث لا يتأخر أي منا عن موعد البذار أو " الحاصود" على السواء!!

مقاربة أخرى يرسمها الحاج يوسف العيسى الذي ما زال يحتفظ بصكوك تملك والده عشرات الدونمات من أراضي بلدة " نعران " في القطاع الجنوبي من الجولان، إيمانا منه بالعودة وإن طالت.. ويقول الرجل الذي فقد أصابع يديه خلال عمله قبيل عام 1967 في المقاومة الفلسطينية: خرجت من نعران مع زوجتي وأطفالي الصغار لا نحمل أكثر مما يستر أجسادنا، لم نكن نعرف الى أين نحن ذاهبون وما هي مدة مغادرتنا لبيوتنا، كان الجميع مذهولين من حجم القصف الذي لم يوفر أحدا، أنا شخصيا قصدت دمشق كالآلاف غيري حيث أمنت لأطفالي الخمسة مأوى مؤقتا متيقنا من أننا سنعود خلال أيام أو أسابيع.

ويقول أبو كمال الذي بلغ من العمر 72 سنة، نعران ودير سراس والبطيحة وكفرحارب وكل القرى المجاورة لم تغب عن بالي يوما واحدا، نعران التي أعرفها منزلا منزلا وحجرا حجرا لا تزال تجول في ذهني كأنها أمامي الآن، هواؤها وماؤها وبشرها، الأمسيات الجميلة التي قضيناها حتى ساعات الفجر... الصورة المأساوية للنزوح ما زالت ماثلة في أذهان ومخيلة جميع من عاشوها.

السيدة أم محمد (52 عاما) التي غادرت أرضها صبية صغيرة لم يتجاوز عمرها ال16 عاما تتذكر بدقة يوم الخروج المفجع من قريتها الصغيرة " العشة " الواقعة على سفح تل الفرس في القطاع الأوسط، أيامها كنا نستعد للحصاد، الأجواء هادئة والناس مشغولون بليال الصيف التي لا تنسى إلى ان أغارت الطائرات على المنطقة كلها: العشة، الأصبح، الرفيد وصولا الى القنيطرة حسب كلام الناس فيها، كان صوتها مرعبا وتحليقها على ارتفاعات منخفضة، هروب البشر كان عشوائيا لا أحد يدري ما العمل.

وتضيف: دفع بنا والدي أنا وشقيقتي في مقطورة جرار جاء الى القرية من حوران حيث اعتاد التجار الحوارنة على شراء قمحنا وشعيرنا، الطريق الى جاسم، المدينة الأقرب الى منطقتنا، تستغرق عادة ساعة من الزمن، إلا أنها مرت طويلة جدا هذه المرة، الخوف والازدحام الكبير على هذا الطريق الوعر لا أنساه في حياتي.

قيم اجتماعية جديدة

صورة الجولان الحلم كما يرسمها الذين عاشوا به من خلال حكايات تصل درجة الخيال والمبالغة لا تختلف كثيرا لدى الأجيال الشابة من أبنائه، هؤلاء الذين ولدوا في التجمعات المكتظة بالبشر بمحاذاة المدينة، الاولوية هنا لفرصة العمل مصدر الرزق الوحيد حيث لا قطعة أرض أو أملاك تتكئ عليها العائلات " النازحة"، وللتعليم ايضا الطريق الذي لا بد منه لتحصيل مركز اجتماعي محترم في أجواء المدينة التي لا تعترف بالعلاقات التكافلية في القرية، فالعائلة، والعشيرة، والحمولة، وشتى القيم الاجتماعية الاخرى التي كانت سائدة لدى أهالي الجولان قبل عام 1967 ضعفت لدرجة كبيرة في ظل ظروف المدينة، وتبني الابناء لكثير من قيمها طوال 35 عاماً.

يقول حسن (40) عاما (معلم مدرسة): العمل قيمة وحاجة بالمعنى المادي والمعنوي، هذا كلام لا جدل فيه الا انه في وعينا لبيئتنا البسيطة كان من النادر ان تجد امرأة أو فتاة في سلك الوظيفة، العمل محصور ايامها في الحقل والمنزل لا أكثر، وهو على أية حال عمل الرجل قبلها في ما عدا حالات قليلة تنحصر خصوصا بسلك التعليم والشرطة والجيش.. الآن الصورة تبدلت جذريا ليصبح معظم أبناء بلدنا بمعنى من المعاني موزعين بين المدرسة أو الجامعة والمعمل ثم الوظيفة الحكومية لا فرق بين شاب وفتاة. ويضيف: في السبينة والسيدة زينب، كما غيرها من تجمعات النازحين، يخرج آلاف الشباب والفتيات الى عشرات وربما مئات المعامل المزدهرة حول هذه التجمعات، السمة الابرز هي الحاجة المادية التي تدفع هؤلاء، في معظم الحالات، لترك الدراسة والخوض في معترك الحياة وراء المكنات وفي الورش وأعمال كثيرة أخرى لا تحتاج لأكثر من القوة العضلية!!


فريال (28) عاما العاملة في إحدى ورشات الخياطة ترفض حصر هذه الصفة بالنازحين وحدهم، اذ ان المشكلة في جوهرها تتعلق بضائقة اقتصادية تخص الناس الذين غادروا قراهم ومحافظاتهم وجاؤوا الى دمشق بحثا عن الثراء او الاقتراب من اعمالهم أو حتى لتأمين دراسة أبنائهم.

وتقول فريال التي لم تستطع تحقيق حلمها بدخول الجامعة: إنني مثل الاخريات من زميلاتي، أعمل لأساعد أهلي واخوتي الذين يواصلون تعليمهم، وقبل ذلك لأوفر مصروفي الشخصي، وهذه حالة عامة كما أراها ولا تخص ابناء الجولان وحدهم، مع اننا عموما نفتقد لأي مصدر رزق آخر!!

في ظل هذه الظروف تبدو العودة الى الحقل والمزرعة والوديان الخضراء هاجس الجميع وشغلهم الشاغل، كبار السن ممن فضلوا عدم التوسع في البناء هنا وتأجيله كل مرة حيث الاقامة مؤقتة والعودة قريبة، لا يريدون الموت الا على ثرى تلك البلاد التي طالت الغيبة عنها، الشباب بدورهم يرسمون صورا لقراهم بالعودة الى ما بقي في المخيلة الصغيرة أيامها أو حتى من أحاديث الآباء والأجداد شبه اليومي عنها.

أكسم ابن ال39 عاما يتذكر حتى اللحظة منزل عائلته المطل على الوديان التي تنتهي على شواطئ بحيرة طبرية، " كان والداي المشغولان بالرعي والزراعة يتركانني في أرجوحة ضخمة تتدلى حبالها من السقف وتصدر مع حركة صريرا ما زال في أذني الى الآن"، ويضيف اكسم الفنان التشكيلي: " كنت أشاهد من على أرجوحتي التي نسميها (الشيالة) وعبر النافذة الضخمة لمضافتنا لونا بديعا اخضر على مرمى النظر ينتهي عند سطوع الشمس على مياه البحيرة".

العودة عند اكسم ليست حلما، هي أمل يصل درجة اليقين، " حينها سأعود لأعمل لأي شيء، لدي حلم بأن أرعى الغنم والماغز، ان أزرع وأحصد، ان أجلس تحت شجرة التين الضخمة امام منزلنا العتيق".


فادي (20 عاما) طالب المعهد الزراعي المنشأ حديثا في القنيطرة التي حددت في حرب اكتوبر عام 1973، يحلم هو الآخر كل يوم بالعودة الى أرض أهله في الخشنية، " في ما مضى كنت آتيا الى القنيطرة مرة أو اثنتين على الأكثر في العام، كان ذلك في الربيع حيث يتوافد عشرات الآلاف من السوريين الى المنطقة المحررة من الجولان للاستمتاع بالمناظر الرائعة في هذه المحافظة، الآن الوضع مختلف، كل يوم أستنشق هواء الجولان وأستمتع على طول الطريق من دمشق الى القنيطرة بهذا المناخ الذي لا يعرفه كثيرون من أبناء جيلي".

هذا التوق نحو التوسع " والتمدمد " الذي يتحدث عنه ابناء الجولان يذكيه عموما ضيق المكان في تجمعاتهم ومنازلهم المختصرة بإرادة أصحابها أو دون إرادتهم تحت وطأة العامل الاقتصادي الذي تبرز آثاره بقوة في كل ملمح من ملامح المكان الذي يعيشون فيه، البيوت المتواضعة بنيت على عجل وبقيت ملامحها الأساسية على حالها، بل وزادت تشويها مع اضطرار اصحابها لقضم مساحات تركت للتنفس والعيش وسط الأزقة الطويلة الضيقة وسيارات القمامة وشاحنات بيع الماء.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات