بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
في مرابع الجولان
  07/01/2005


في مرابع الجولان

نشر في الأسبوع الأدبي، العدد رقم 963، بتاريخ 25\06\2005، بقلم د. أحمد كنعان

أربعون عاماً مضت على تلك الأحلام التي لم تغادر ذاكرتي في يوم من الأيام عندما كنت تلميذاً في الخامس الابتدائي دعانا معلمنا لزيارة الحمة حيث انطلق بنا الباص عام 1960 من قرية خان أرنبة الواقعة على بوابة الجولان خارقاً مدينة القنيطرة في طريق جبلي متعرج تحفه الأشجار المطلة على وادٍ يصعب على المرء وهو في الحافلة أن يرى قعره، فكنا نعيش لحظات الفرح والغناء والأهازيج التي يتخللها بعض الانقطاعات التي لا تخلو من الخوف تارة والرعب تارة أخرى لما يراه الأطفال من الوديان وكثرة الالتواءات... وعلى الرغم من ذلك لم تنقطع الأناشيد التي حفظها التلاميذ والفرحة تغمر وجوههم حتى وصلت بنا الحافلة إلى مدينة الحمة التي بهرتنا بشوارعها الجميلة، وأشجارها الموزعة على جانبي الطريق، والمنظمة على شكل كؤوس خضراء زاهية، ولكن ما الذي نشمه من رائحة غير مألوفة، حيث تعودنا على هواء الجولان العليل ونسماته الجبلية الخلابة والمنعشة، حتى قيل إن اسم الجولان قد اشتق من قولهم (الجوُّ لان) فطاب وعذب... وبدأنا نهمس بيننا، رائحة غير مقبولة تزداد انتشاراً كلما اقتربنا من الحمامات، ونظرنا إلى معلمنا الذي بادلنا البسمات وقال بصوته الرخيم: يا أبنائي لقد اكتشفتم بأنفسكم أنكم الآن ضمن حقل المياه الكبريتية، وهذه الرائحة تدل على ذلك، والمياه الكبريتية مفيدة جداً لجسم الإنسان، وخاصة الذين يعانون من بعض الأمراض، وهاهم يؤمون الحمامات للاستشفاء فيمضون أياماً عديدة بالمياه الكبريتية الدافئة وبالهواء العليل في المناطق الجبلية، ودعانا معلمنا للاطلاع على الحمامات المقسمة إلى ثلاثة أقسام (الأول يسمى (المقلا) وحرارته مرتفعة جداً يصعب على المرء المكوث بها لأكثر من دقائق لأن المياه أقرب إلى درجة الغليان، والثاني يسمى (البلسم) وحرارته متوسطة يتحملها الجسم لبضع ساعات، والثالث يسمى (الريح) ودرجة حرارته مقبولة ويكثر روّاده).‏

وطلب منّا معلمنا أن نتلمس ذلك بأنفسنا، وكان بحق درساً عملياً لا ينسى، فتحية من الأعماق إلى كل المعلمين المخلصين الأوفياء، وقررنا جميعاً أن ننزل بحمامات (الريح) المقبولة، وأمضينا ساعات طوالاً نسبح ونمرح، والمفاجأة التي لا أنساها عندما قفزت إلى المياه غطساً ولم أقدر عمق المسبح الذي لم يتجاوز المترين فاصدم رأسي بقاع المسبح فتألمت لهول الصدمة، ولكني سرعان ما نسيتها، ونحن نتجول بين أشجار الحمة الكثيفة المرتفعة المطلة على الحمامات، وهذا ما يميز جولاننا الحبيب (أرض مرتفعة وهواء عليل، وإطلالة جميلة على الوديان) وبقينا حتى المساء وعدنا والفرحة تغمر نفوسنا وتشدنا للعودة إلى ربوعها من جديد.‏

وأما المحطة الثانية في ذكريات الطفولة، فكانت في ثانوية الشهيد أحمد مريود، وهي الثانوية الأولى في مدينة القنيطرة (البناء الحجري البازلتي ذو اللون الأسود أو ما يسمى بالحجر السوري، مؤلف من طابقين اثنين على شكل صندوق مفتوح مطل على باحة متصلة بملعب واسع يحتوي بعض الأعمدة الحديدية لألعاب الجمباز وكرة الطائرة والسلة وغير ذلك..) هذه الثانوية التي تحمل اسم الشهيد أحمد مريود قائد الثورة السورية في الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن الذي ظل يقارع الفرنسيين إلى أن استشهد في أحراج جباتا الخشب الرابضة في حضن جبل الشيخ المطل على ربى الجولان. هذه الثانوية العريقة ضمت خيرة أبناء الجولان الذين كانوا يؤمونها من كل حدب وصوب وكنت واحداً من هؤلاء الذين كانوا يتوجهون إليها يومياً مع بزوغ خيوط الشمس الأولى مشياً على الأقدام، أو راكبين على درجاتهم الهوائية, ويقطعون مسافات ليست قليلة (أحد عشر كيلو متراً ذهاباً ومثلها إياباً في كل يوم) وكنت آنذاك في الأول الإعدادي ولم يتجاوز عمري اثني عشر عاماً، أذكر أننا كنا نصل إلى باحة المدرسة ولمّا يصل العاملون إليها بعد، فنلعب في باحتها وكلنا حيوية ونشاط، على الرغم من هذه المسافة الطويلة التي نقطعها يومياً ـ بل وفي أوقات الفراغ (حيث كان الدوام طويلاً وممتداً إلى فترتي قبل الظهر وبعده) كنا نتوجه إلى تل (أبو الندى) لنتمتع بمناظره الخلابة وبسفحه المطل على مدينة القنيطرة من الجهة الشرقية، وعلى بحيرة مسعدة الواسعة والقرى المجاورة لها من الجهة الغربية.. وسمي بتل (أبو الندى) لمعانقته للغيوم المشبعة بقطرات المياه في فصل الصيف، حيث يظل مبللاً بقطرات الندى التي تكسبه خضرة دائمة وجمالاً أخاذاً.‏

ودامت رحلتي في هذه الثانوية أربع سنوات حصلت خلالها على الشهادة الإعدادية وانتسبت بعدها إلى دور المعلمين المحدثة لأول مرة في القنيطرة عام 1966/1967 وكانت عبارة عن شعبة واحدة ألحقت بثانوية أحمد مريود، ولمّا يمضي عليها سنة واحدة حتى انتقلت إلى دور المعلمين بدمشق أثر نكسة حزيران عام 1967.‏

ما أجمل تلك الأيام في ربوع القنيطرة وثانوية الشهيد أحمد مريود ودور المعلمين الفنية بمناهجها ومعلميها وطلابها على الرغم من قسوة فصل الشتاء وبرده وثلوجه التي سرعان ما تغطي الطرقات وتضيّع معالم العودة إلى قرانا، ولم يزدنا ذلك إلا إصراراً على مواصلة المشوار بعزيمة جولانية لا تلين.. وما إن تحررت القنيطرة في حرب تشرين التحريرية ورفع القائد الخالد حافظ الأسد العلم العربي السوري في سمائها في السادس والعشرين من حزيران عام 1974 حتى كنت ممن عادوا إليها متلمساً كل حجر من أحجارها المدمرة بالحقد الصهيوني والوحشية التي أرادت تحطيم الحياة في المدينة التي كانت تعج بالحياة، ولكنهم نسوا أو تناسوا أنهم لن يحطموا الإرادة العربية المصممة على التحرير والبناء وإعادة المجد العربي التليد من جديد.‏

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات