بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
تلة الصيحات ..تبقي الجولان مع سوريا
  26/08/2006

 

حاجة أهل الجولان المحتل إلى التواصل مع أقربائهم في الأراضي السورية، أجبرتهم على الابتكار للتحايل على إجراءات الإغلاق الإسرائيلية، التي تمنع الدخول والخروج من الهضبة المحتلة، إلا بشروط شبه تعجيزية، فاستعاض أهل الجولان عن الصورة بالصوت للبقاء على اتصال وفك الارتباط مع سلطات الاحتلال

جريدة الاخبار اللبنانية/ الجولان المحتل
سعيد الغزالي

يتسلّق نظر الرائي من الجانب المحتل من الجولان، ابتداءً من «سهل الكروم» في الأراضي السورية المحررة، صعوداً إلى جبل الشيخ، حتى يصل إلى برجي مراقبة، أحدهما سوري، والآخر إسرائيلي، يقفان في أعلى قمة الجبل كديكين يتحفّز أحدهما للانقضاض على الآخر، لكنهما يلوذان بالصمت منذ حرب عام 1973.
نزولاً من أعلى القمة، إلى الجانب الأيمن من الجبل، ترى العين المجردة، على كتف المنحدر، بناءً تابعاً للأمم المتحدة، وصالة يجتمع فيها عابرو الحدود، بترتيبات مسبّقة، ومتفق عليها. بعد تنسيق ومعاملات، يسمح لرجال الدين من الهضبة بدخول سوريا، كذلك للطلاب، وأيضاً للفتيات اللواتي يعقدن قرانهن على أقرباء لهن من الجانبين. ولا يسمح لبقية الفئات بعبور الحدود.
يستعاض عن ذلك بإجراء روتيني، لكنه مؤلم. يلتقي الأقرباء من الجانبين على طرفي الحدود في هذا المكان عند آخر بيت في قرية مجدل شمس يطلق عليه اسم «تلة الصيحات». على امتداد النظر، تتحرك مجموعة من الزوار السوريين، بين أشجار السرو، يهتف بعضهم بالتحيات بمكبرات الصوت، أو من دونها، يحدقون النظر عبر أسلاك شائكة إلى جانبي شارع ضيق قديم وغير مستعمل.
عند الأسلاك يدير علي مرعي (أبو نبيل) ظهره إلى سوريا، وينظر إلى البيوت في أعلى التلة. يشير بيده إلى موقع مراقبة عسكري بين البيوت.
ويشير أبو نبيل إلى منزله الواقع على التلة أيضاً ويتمتم «ماتوا قصفاً»، فقد قصفت طائرة حربية، غير معروفة الهوية، بيته القائم في الساحة، أثناء حرب عام 1973. انهار المبنى المؤلف من أربع طبقات، هوى ابنه مع انهيار البناء، أصبح رأسه باتجاه الأسفل، ورجلاه في الأعلى، وطمره الردم، لكنه بقي حياً.
تساقط البيت، لكنّ عمّي أبا نبيل وزوجته بقيا معلقين على جزء من شرفته، توفيت أمه ظريفة (80 عاما) وابنة أخيه ماجدة (10 أعوام).
لم يحصل أبو نبيل على تعويض من دولة الاحتلال، لأنه رفض أن يزعم أن الطائرة التي قصفت بيته كانت عراقية أو سورية. يوضح «لم أقبل أن أقبض ثمن أمي، وابنة أخي».


أعراس وفراق
من المشاهد غير المستغربة عند معابر الجولان، التي تشارك فيها أيضاً تلة الصيحات، حفلات العرس. وتحتفظ مي أبو زيد بصورة لعائلتها تضم ثمانية أشخاص. الأب فارس (61 عاماً) يحتضن حفيدته هلا (عامان). إلى جانبه تقف مي (29 عاماً) مع والدتها ابتسام (47 عاماً). يقف شقيقها رامي (26عاماً) خلف شقيقته، وزوجها رياض (34 عاماً) ثم الشقيقان رواد وربيع (14 عاماً). التُقطت الصورة في عمان قبل نحو عام.
حكاية مي أبو زيد ليست من نسج خيال شرقي. إنها حكاية عشرات النساء من الجولان المحتلّ.
ولدت مي في دمشق بعدما غادر والدها فارس مجدل شمس، قبل حرب عام 1967. عبرت المهندسة الزراعية أبو زيد الحدود، حيث كانت تعمل في مديرية الآثار والحدائق في دمشق، وهي ترتدي فستان عرسها الأبيض في شهر تشرين الأول عام 2003. كان يوماً تاريخياً في حياتها.
زوجها، ابن عمها رياض، كان يدرس الاقتصاد والمحاسبة في جامعة دمشق. لم تصدّق مي نفسها. جاءت الموافقة على دخولها إلى مجدل شمس من خلال الهيئة الدولية للصليب الأحمر. تقرر سفرها خلال يومين. طارت من الفرح وتهيأت للسفر إلى مجدل شمس، إلى الجنة.
سمح لعائلتها بالوصول إلى صالة الاجتماعات على الحدود. «كنت أغنّي وأبكي»، فهي تعرف أنها قد لا ترى أهلها بعد اليوم.
حضر الحفل الكئيب 16 شخصاً من أشقاء العريس وشقيقاته. ثم جاءت لحظة الوداع وانفصلت أبو زيد عن عائلتها.
ترك والدها فارس هضبة الجولان متوجّها إلى دمشق من أجل الدراسة قبل أيام من اندلاع الحرب عام 1967. منذ ذلك الوقت، لم يعد. لم ير والده إلا في عام 1989. عندما زار الأب ابنه، كانت زيارته جزءاً من الزيارات الدينية التي تسمح بها سلطات الاحتلال. توفي شقيقاه في مجدل شمس ولم يحضر جنازتهما.
لا تستطيع أبو زيد الوصول إلى بيت أبيها القديم الكائن في الجانب السوري في سهل الكروم. وتتشاءم من «تلة الصيحات». تقول: «أرى أهلي عن بعد. ولا أستطيع أن ألمسهم... أعانقهم... أقبّلهم».

مأساة عند الشريط
عندما يقف علي مرعي (66 عاماً) عند الأسلاك الشائكة الممتدة أمام «تلة الصيحات»، تهاجمه الذكريات المؤلمة. يتهدج صوته. تلتمع عيناه بندى الدمع. يمسح عينيه. يحاول أن يتمالك نفسه. يحدق في بقعة على الأرض. «إم جاد الله صالح ماتت هنا».
وقعت الحادثة قبل سنوات، يتنهد مرعي ويطأطئ رأسه، يتحشرج صوته كأنه يخاطبها «يا أم جاد الله، إبنك مات أيضاً، بعد وفاتك بعشرة أيام فقط. مات قهراً». جاء ابنها الذي كان يعمل أستاذاً جامعياً في الجزائر، قبل حرب عام 1967. طار من الجزائر إلى دمشق مع أبنائه الثلاثة وزوجته. توجه إلى الحدود، حتى وصل إلى شجرات السرو. وصاح بأعلى صوته. كانت أمه في الطرف الآخر من القرية. أخبروها أن ابنها ينتظرها عند التلة. خرجت من بيتها تهرول باتجاه ساحة القرية. ركضت بأقصى سرعتها، عبرت ساحة القرية وحثت الخطى، باتجاه التلة.
كانت تلهث بشدة. صاح ابنها بأعلى صوته: «صباح الخيييير يااااااا يمااااااا». ردد الوادي الصدى.
«دخيلك 34 سنة ما سسسم......». لم تكمل كلمتها. هوت المرأة على الأرض. ماتت.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات