بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
سوريا وإسرائيل.. مؤشرات طفرة إستراتيجية نحو السلام
  26/10/2006

سوريا وإسرائيل.. مؤشرات طفرة إستراتيجية نحو السلام

موقع الجولان

بقلم: جون كولي**

بشائر السلام التي بعثت بها دمشق باتجاه كل من تل أبيب وواشنطن مؤخراً، لم يلحظها كثير من المراقبين جراء موجة الغضب العارمة التي اجتاحت العالم كله بسبب الاختبارات النووية الكورية الشمالية الأخيرة. لكن ليس من الحكمة في شيء، تجاهل هذه المؤشرات والبشائر. وفيما يبدو، فإن هذا هو عين ما تفعله وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس. فقد فشلت في التوقف في العاصمة السورية دمشق خلال رحلتها الأخيرة إلى منطقة الشرق الأوسط، على الرغم مما تمثله دمشق من أهمية بالغة في كل المساعي والجهود التي تبذلها أميركا في المنطقة. فهي برج شاهق ما كان لزيارتها أن تتخطاه وكأنه لم يكن.
يذكر أن الرئيس السوري بشار الأسد، قد صرح أثناء لقاء أجراه معه صحفي من هيئة الإذاعة البريطانية الأسبوع الماضي، معرباً عن استعداد بلاده إلى العودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، مشدداًِ على حاجته إلى وسيط غير منحاز، ربما كان من الاتحاد الأوروبي. وأضاف الأسد قائلاً في اللقاء نفسه إنه ليس في وسع إدارة بوش القيام بهذا الدور، لكونها تفتقر إلى الإرادة السياسية، وإلى الرؤية اللتين تمكناها من إحلال السلام في المنطقة، هذا إضافة إلى غياب أي حوار أميركي- سوري جاد ومستمر حول هذه القضايا. واستجابة منه لتصريحات الأسد هذه، رد "شمعون بيريز" نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وأحد كبار أعمدة الدولة اليهودية بقوله: تعال هنا إلى تل أبيب، وتحدث إلينا مباشرة، مثلما فعل الرئيس المصري الراحل أنور السادات في عام 1977. فبزيارته تلك، تمكن السادات من إطلاق المبادرة التي مهدت لعملية السلام وإبرام معاهدة كامب ديفيد بين مصر وتل أبيب في عام 1979.
ومن جانبهم تساءل المعلقون العرب –على نحو ما فعلت صحيفة "ديلي ستار" البيروتية- حول ما إذا كان "بيريز" قد حاول نفخ الروح في جسد عملية السلام الإسرائيلية-العربية التي طالما سعى رئيسه إيهود أولمرت لقبرها وإخمادها بدعوته هذه للأسد، أم أنه أراد للأسد أن يبدو في صورة الخصم اللدود وغير المهادن، بتقديمه إياه عرضاً يعلم سلفاً عدم قدرة الأسد على قبوله؟ وعلى أية حال، فإن السادات لم يقبل دعوة مناحم بيجن رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتئذ، إلا بعد أن عبر السادات نفسه عن هذه الرغبة قبل توجيه الدعوة له. وحتى الآن فإنه لم ينسب عرض كهذا للأسد بعد. وفي إجابة له عن السؤال المباشر الذي وجهته إليه الـ"بي بي سي" حول ما إذا كانت سوريا مستعدة للعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل، وما إذا كانت تقر بحق إسرائيل في البقاء، جاء رد الأسد قاطعاً ومؤكداً بالإيجاب.
على أن كافة القادة العرب والمسلمين تقريباً، سواء كانوا "راديكاليين" من وجهة نظر واشنطن، أم "معتدلين"، يتفقون جميعاً على نظرة مشتركة واحدة، تقوم على المفهوم القائل بانحياز إدارة بوش لصالح إسرائيل، وبالتالي عجزها عن اتخاذ أي خطوة جادة دون الحصول على موافقة إسرائيل عليها أولاً.
وعلى رغم أن الأسد يبدو أقل تحدياً للغرب وأخفض صوتاً في ذلك، من قادة ما يسمى بدول "محور الشر" الأخرى، مثل إيران وكوريا الشمالية، فإنه يشبههم في بعض مواقفه وتصريحاته، انطلاقاً من العزلة الدبلوماسية المفروضة عليه من قبل الغرب. وهذا هو ما يدفعه إلى تحذير جيرانه من القادة العرب، من أنه يتعذر استبعاد خوض بلاده حرباً مع عدوه الرئيسي إسرائيل، بالنظر إلى الحالة السورية الخاصة. ولعل هذا ما تغذيه وتؤكده النهايات العالقة التي أفضت إليها حرب الأربعة وثلاثين يوماً الماضية، التي جرت في لبنان في الصيف الماضي بين إسرائيل و"حزب الله". يُشار إلى أنه يسود اعتقاد واسع في منطقة الشرق الأوسط، بأن تلك الحرب، كانت في الأصل حرب وكالة خيضت نيابة عن طرفيها الرئيسيين: الولايات المتحدة الأميركية وإيران. وقال الأسد في هذا المنحى لصحيفة "الأنباء" الكويتية، إنه ليس مستبعداً أن تباغت إسرائيل بلاده بضربة عسكرية في أي وقت، مدعومة بسند عسكري أميركي.
وإنه ليس صعباً بالطبع، الاتفاق مع قادة إسرائيليين من طراز "شمعون بيريز"، الذي نراه يحث أولمرت على الكف عن رفض مبادرة الأسد وقتلها في مهدها. وسيكون مفيداً لو تراجع أولمرت عن قوله باستحالة إعادة هضبة الجولان المحتلة لسوريا، علماً بأنها ظلت تحت الاحتلال منذ عام 1967. وكانت سوريا على وشك الوصول إلى تحقيق هدفها القائل بحقها الذي لا غنى عنه في هضبة الجولان المحتلة، لحظة انهيار المحادثات الإسرائيلية- السورية المباشرة، التي رعاها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في عام 2000.
إلى ذلك يذكر أن رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين: إسحق رابين، وإيهود باراك، وبنيامين نتانياهو، قد أدركوا جميعاً أن أي صفقة سلام مع سوريا، تتضمن إعادة هضبة الجولان إليها، من شأنها إحداث طفرة استراتيجية باتجاه عملية السلام كلها، وأنها ربما تساعد في إخماد النيران المستعرة مع تل أبيب، في أنحاء وجبهات شرق أوسطية أخرى، بما فيها تلك النيران التي أشعلتها إسرائيل نفسها، باحتلالها لأراضي الضفة الغربية، على امتداد ما يقارب الأربعين عاماً. ولكل هذه الأسباب مجتمعة، فإنه ينبغي على واشنطن وتل أبيب ألا تتجاهلا هذه التباشير القادمة من دمشق.

** جون كي. كولي : كاتب ومحلل سياسي أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط

 

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات