بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الجولان في الصحافة >>
لماذا تأخرت التسوية على جبهة الجولان؟
  29/11/2006
 

لماذا تأخرت التسوية على جبهة الجولان؟


فايز سارة *


احتلت القوات الإسرائيلية مرتفعات الجولان في حرب حزيران عام 1967 بالتزامن مع احتلالها كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الفلسطينيين وشبه جزيرة سيناء المصرية. وبخلاف ما آلت اليه حال كل من الضفة وغزة وسيناء من تسويات سياسية بين اسرائيل وكل من الفلسطينيين ومصر، فان مرتفعات الجولان، لم تطالها اية تسوية سياسية باستثناء عملية فصل القوات التي حدثت بين سوريا واسرائيل في الجولان بعد حرب العام .1973 ويعود السبب في عدم حصول اية تسويات في مرتفعات الجولان الى عوامل كثيرة ومعقدة احاطت بموضوع الجولان من جهة وبالصراع العربي الاسرائيلي طوال الاربعين عاما الماضية، وهي مازالت تحكم موضوع التسوية على هذه الجبهة من الصراع، وتتحكم به رغم ما طرأ من تغييرات سياسية وعسكرية طالت العالم والمنطقة وبلدانها.


والعامل الاول والاهم في عدم حصول تسوية على جبهة الجولان، يكمن في المزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها هذه المنطقة في الصراع بين سوريا واسرائيل. اذ هي منطقة محدودة السكان، وذات موقع استراتيجي من الناحية العسكرية، وتتحكم بقسم من مصادر المياه للمربع السوري اللبناني الاردني الاسرائيلي، وذات قيمة تاريخية، وكله جعل من اسرائيل تعارض اية تسوية تتضمن اعادة الجولان الى السيادة السورية، وهو أمر ملحوظ حتى في خلال المفاوضات الأخيرة، التي توقفت عام ,2000 واتفق في خلالها على اعادة معظم الجولان الى سوريا.والعامل الثاني في تأخير تسوية على جبهة الجولان، تمثل في ارتباكات الموقف السوري من التسوية على هذه الجبهة. فقد راهن السوريون على موقف عربي موحد، يربط مسارات التسوية على كافة الجبهات، رغم الخروقات التي بدأت في جدار الموقف العربي في خلال حرب العام ,1973 والتي لم يرغب السوريون برؤيتها او الاقرار بها، حتى بعد ان زار السادات القدس، وعقد اتفاقية سلام مع اسرائيل عام 1979 وما اعقبها من تسويات مع الفلسطينيين والاردن في 1993 و1994 على التوالي. كما راهن السوريون بقدر اقل على تعديل ميزان القوى العسكري مع اسرائيل في نظرية <التوازن الاستراتيجي> السورية التي ظهرت في النصف الثاني من السبعينيات، وقد جاء الاجتياح الاسرائيليي للبنان في العام 1982 ليضرب بها عرض الحائط. وفي كل الحالات استبعد السوريون خيار المجابهة المباشرة مع اسرائيل في الجولان في المستويين الرسمي من خلال التزامهم باتفاقية فصل القوات التي وقعت في العام ,1975 وفي المستوى الشعبي في عدم الذهاب الى تصعيد مقاومة شعبية في الجولان تحت اسباب ودواعي كثيرة.
اما العامل الثالث في عدم حصول تسوية على جبهة الجولان، فيكمن في التغييرات التي طالت البيئة الاقليمية والدولية المحيطة بالصراع العربي الاسرائيلي وبالمجابهة السورية الاسرائيلية. وكانت الانقسامات والصراعات العربية العربية عاملاً مهماً في تدهور الاهتمام العربي بالموقف من اسرائيل وبالتالي العمل بصورة جماعية من اجل استعادة الاراضي العربية المحتلة، وقد لعبت سوريا دوراً تصعيديا في تلك الصراعات ولاسيما من خلال تدخلها في لبنان وتدخلاتها في الشؤون الفلسطينية وصداماتها مع العراق ومصر.
وتوافق مع تدهور البيئة العربية، تدهور في البيئة الاقليمية وخاصة في ظل تبلور جبهات اقليمية للصراع، كان الابرز فيها جبهة الحرب العراقية الايرانية، التي قصمت ظهر المنطقة، واستنزفت قدراتها السياسية والمادية، قبل ان تؤدي في احدى نتائجها الى التداعيات المدمرة في منطقة الخليج من اجتياح الكويت الى الحرب الدولية على العراق، ثم الى احتلاله اللاحق. وقد تفاعلت ترديات البيئة العربية والاقليمية مع التحولات الجارية على الصعيد العالمي، وكان ابرزها الاختلالات الظاهرة بين القوتين العظميين وميل ميزان القوى لصالح المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة في مواجهة المعسكر الاشتراكي وقيادته السوفياتية مع بداية الثمانينيات، تمهيداً للانهيارات الشاملة في اواخرها وسقوط الاتحاد السوفياتي وشقيقاته في شرق اوربا بالتزامن مع تحول الصين الى علاقات وثيقة وقوية مع الغرب، مما اعاد هيكلة النظام الدولي ودفعه ليصير تحت قيادة الولايات المتحدة، وفي ظل العلاقة الاستراتيجية التي تربط بين الاخيرة واسرائيل، زادت بصورة مضطردة صعوبات دفع اسرائيل الى تسويات سياسية ليس مع سوريا، وانما مع الفلسطينيين الذين تتصاعد ضرورات تسوية معهم على كل المستويات المحلية والاقليمية والدولية، في حين باتت تلك المستويات مشغولة اكثر فأكثر ب<الحرب على الارهاب>، وقد صارت محور السياسة الدولية الحالية.
لقد تطورت بشكل سلبي كل العوامل الدافعة نحو احداث تسوية تطال مرتفعات الجولان واستعادة السيادة السورية عليها، وهو امر يلقي بتبعات أكبر على سوريا في المرحلة الحالية وفي المستقبل خاصة في ظل تلميحات سياسة يجري تبادلها بين سوريا واسرائيل، وفي ظل مساع اوروبية لتحريك مسار التسوية في المنطقة على اساس عقد مؤتمر جديد في مدريد يجدد محاولة مدريد التي انعقدت قبل عقد ونصف من السنوات، واثمرت اساسا تسويات بين الفلسطينيين والاردن واسرائيل، وفتحت بوابة مفاوضات بين الاخيرة وسوريا. وربما تكون الخطوة الاهم من جانب السياسة السورية، اعادة قراءة المرحلة الماضية من سياستها ازاء عملية التسوية، واخذ المتغيرات المختلفة بعين الاعتبار، لكن الاهم من كل ذلك، يكمن في تطوير العوامل الداخلية المؤثرة من تعزيز القدرات وحشدها الى جعل قضية الجولان واقعاً في حياة السوريين يدفعهم الى العمل على استعادتها، ومن دون توجه سوري في هذا الاتجاه، فان من الصعب كسر جليد التسوية في الجولان واستعادته الى السيادة السورية.


* كاتب سوري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات