بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
إسرائيل وانتهاك حقوق الإنسان في الجولان
  12/02/2007

 

إسرائيل وانتهاك حقوق الإنسان في الجولان


فايز سارة(*)

تقديم:

في يوم السادس من حزيران 1967، شنت القوات الإسرائيلية عدوانها الأهم والأكثر اتساعاً ضد العرب منذ قيامها في العام 1948. شملت عملياتها العسكرية ثلاث جبهات عربية، امتدت من الجولان على الجبهة السورية في الشمال، إلى الجبهة الأردنية في الضفة الغربية شرقاً، وصولاً إلى جبهة قطاع غزة وسيناء مع مصر في الجنوب الغربي.
كان من نتائج هذا العدوان الواسع أن دخلت إسرائيل أوسع بوابة لانتهاك حقوق الإنسان العربي، وبخاصة سكان الأراضي التي احتلتها. لقد أضافت إلى سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت تتابعها ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية التي قامت عليها إسرائيل عام 1948، انتهاكات جديدة أخذت تمارسها ضد سكان الأراضي العربية في الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء.
لقد تناولت عشرات الأبحاث والدراسات والكتب سياسة إسرائيل وممارساتها، لاسيما في مجال انتهاكاتها حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية، لكن قليل من تلك الدراسات أشار إلى موضوع الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي السورية المحتلة في الجولان. من بين أسباب هذه المفارقة عوامل متعددة، لعل الأبرز فيها: طغيان حضور الموضوع الفلسطيني في أجمالي لوحة الصراع العربي ـ الإسرائيلي باعتباره لب الصراع وجوهره، فيما موضوع الجولان أحد تفاصيله. العامل الثاني، يمثله العدد الكبير للفلسطينيين الموجودين في الضفة وغزة والذين يزيد عددهم عن مليوني ونصف مليون نسمة، فيما لا يزيد عدد أهالي الجولان تحت الاحتلال عن سبعة عشر ألف نسمة. ثمة عامل ثالث يستمد أهميته من الالتباسات التي أحاطت بمن تبقى من سكان الأراضي السورية المحتلة في الجولان. هذه الالتباسات شاركت في إشاعتها عوامل متعددة أهمها: سياسة إسرائيل إزاء سكان القسم المحتل من الجولان الذين ينتمون مذهبياً إلى المسلمين الموحدين “الدروز”. وهو أحد المذاهب الإسلامية، ينتشر اتباعه بين لبنان وسوريا والأردن وفلسطين.
لقد جهدت إسرائيل منذ قيامها لتأكيد “اختلاف الدروز” عن بقية العرب والمسلمين، وقامت من أجل ذلك بخطوات عملية من مثل محاولة فرض الجنسية والقوانين الإسرائيلية على الجولان وسكانه. الأمر الذي يعتبر الأهم في انتهاكات حقوق الإنسان التي مارسها الإسرائيليون في الجولان منذ احتلاله.
والحق، إن انتهاك حقوق أهالي الجولان من جانب الإسرائيليين، لا يتصل فقط بالسوريين من سكان القسم المحتل بقراه الخمسة التي مازالت قائمة، وإنما يمتد لكل سكان الجولان الذين كان عددهم في عام الاحتلال 1967 ما يزيد عن 153 ألف نسمة، ثم صار حالياً اكثر من 500 ألف نسمة. أي أن معظمهم ولد وسط المعاناة واستمرار الخرق والانتهاك الإسرائيلي لحقوقهم وتوزعوا بين مهجّر ومشرد، وباق تحت الاحتلال. وما يجدر ذكره هو أن معظم الذي تناولوا انتهاكات إسرائيل لحقوق أهالي الجولان كانوا يقصرون متابعتهم على ما يتعرض له الذين بقوا في بيوتهم في الجولان المحتل، دون أن يتناولوا انتهاكات إسرائيل لحقوق أبناء الجولان الذين طردوا من أراضيهم في العام 1967.
يقع الجولان في الزاوية الجنوبية الغربية من سوريا في نقطة تلاقي الحدود السورية ـ اللبنانية ـ الفلسطينية، حيث تبلغ مساحته 1860 كيلومتراْ مربعاْ. كان عدد سكانه في العام 1967 حوالي 153 ألف نسمة، يعيشون في 270 قرية وبلدة ومزرعة، تتوسطها مدينة القنيطرة، المركز الإداري للجولان.
اتخذ عدوان إسرائيل على الجولان في العام 67 طابعاً تدميرياً إجلائياً، حيث جرى طرد معظم سكان الجولان من أراضيهم. ولم يبق في الجولان سوى ستة آلاف سوري (حوالي 4.5 بالمائة) يقيمون في خمس قرى، هي: مجدل شمس، مسعدة، عين قنية، بقعاتا، والغجر، اغلبهم من الدروز العرب السوريين. ضمن عملية الطرد الاجلائي هذه، اعتقل الإسرائيليون 287 شخصاً وقتلوا 340 مدنياً في الجولان منذ احتلاله، كما وهدموا عشرات القرى، فيما تحولت البقية إلى خرائب. من هذه الخرائب مدينة القنيطرة، حاضرة الجولان، التي كان يسكنها 50 ألف نسمة. دمرها الإسرائيليون عشية انسحابهم منها عام 1974 بعد اتفاق فصل القوات، وبقيت شاهدا حياً على التدمير الإسرائيلي.
تمثل الإجراءات التي رافقت عدوان إسرائيل أولى انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الجولان. وهي مسيرة تابعت تطورها في مستويين: الأول، يتصل بسكان الجولان الذين طردوا منه، والثاني، يتعلق بسكان الجولان الذين بقوا تحت الاحتلال.

1 ـ الانتهاكات التي طالت المطرودين من الجولان:
لقد بدأ انتهاك إسرائيل لحقوق أهالي الجولان الذين طردوا منه بعملية الطرد ذاتها، التي ترافقت مع مصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم وتدمير أنماط حياتهم الاقتصادية والاجتماعية. لقد دفع هؤلاء لبدء حياة جديدة يحيطها المجهول وسط ضعف الإمكانيات أو انعدامها في اغلب الأحيان، وضمن ظروف لا إنسانية عاش في ظلها اغلبهم. ثم ولد الجيلان الأول والثاني من أبنائهم في ظل الحالة نفسها. وشواهد معاناتهم ماثلة حتى اليوم في “تجمعات النازحين” منهم في “الحجر الأسود”، جنوب دمشق، وفي مخيم الوافدين شمال المدينة، كما في كل التجمعات الأخرى والتي يزيد عدد سكانها مجتمعة عن 450 ألف نسمة. إنهم يتوزعون بصورة رئيسية على أربع محافظات: دمشق، ريف دمشق، درعا، القسم المتبقي من محافظة القنيطرة.
إن المساعدة التي حصل عليها الذين طردوا من أرضهم في الجولان عام 1967، من اجل تجديد حياتهم بعيداً عن أرضهم وممتلكاتهم ووسطهم الاجتماعي، كانت محدودة للغاية ولم تكن كافية لتعويضهم عما أصابهم من أضرار نفسية واجتماعية ومادية وما فقدوه من أملاك وأموال. وهذا ما ينطبق خصوصاً على ما قدمته الحكومة السورية لهؤلاء، حيث أهم هذه التقديمات كانت تجهيزات بسيطة ورخيصة ومواد غذائية قليلة ومبالغ مالية محدودة. قلائل منهم استطاعوا بشكل جزئي تجاوز الآثار المدمرة التي ترتبت على طردهم من أرضهم وممتلكاتهم.
لكن لا يملك الذين طردوا من الجولان إلا الأمل بوضع حد لمعاناتهم وللانتهاكات الفاضحة لحقوقهم على أيدي القوات الإسرائيلية منذ عام 1967 من خلال عودتهم إلى أرضهم والتعويض عليهم. وهي مسؤولية مشتركة تتحملها إسرائيل أساسا والمجتمع الدولي الذي سكت عن عدوان إسرائيل واستمراره لسنوات طويلة.

2 ـ الانتهاكات التي طالت الذين بقوا تحت الاحتلال:

أما الذين بقوا في القسم المحتل من الجولان، فقد تعرضوا لأشكال أخرى من انتهاك حقوقهم ضمن محاولة تهويد الأرض والسكان. وهو ما عبر عنه بوضوح قرار الكنيست الإسرائيلي في العام 1981 والقاضي بـ “تطبيق القانون والسيادة الإسرائيلية” على الجولان وسكانه. جاء هذا القرار تتويجاً لسياسات وممارسات الاحتلال التي تنضوي في إطار تجاهل القرارات الدولية وخرق حقوق الإنسان الأساسية، خاصة الحقوق التي تتضمنها الاتفاقيات الدولية فيما يتصل بسكان المناطق المحتلة، ومنها اتفاقية جنيف.
تشمل هذه الخروقات المجالات كافة، أي الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مضيفة إلى معاناة السوريين تحت الاحتلال في حياتهم اليومية والمستقبلية معاناة أخرى. لقد خلق تواصلها “وقائع وظروف جديدة” في حياتهم تتجسد أهمها في المحاور التالية::

أولاً ـ خروقات ذات طابع سياسي:
الأهم فيها، توجه سلطات الاحتلال إلى تغيير الوضع القانوني والسياسي للجولان من “أرض محتلة” طبقاً للقانون الدولي، إلى “أرض إسرائيلية” طبقاً لقرار الكنيست. ترافق ذلك مع محاولة فرض الجنسية الإسرائيلية على سكان الجولان من السوريين، بما هو مخالفة أخرى للقانون وللشرعية الدولية وانتهاك لحقوق الإنسان.
إضافة لذلك، منعت سلطات الاحتلال السكان من تأليف أية تنظيمات وجمعيات، حتى الخيرية والإنسانية منها، بحجة احتمال تحولها إلى منظمات سياسية. في حين أفسحت المجال أمام الأحزاب والمنظمات الصهيونية للنشاط العلني في قرى الجولان منذ إعلان قرار الضم عام 1981. وفرضت على الفرق الرياضية العربية الانتساب إلى نقابة العمال الإسرائيليين “الهستدروت” للحد من توجه أهالي الجولان إلى النشاطات الوطنية والمستقلة.
لقد ذهبت سلطات الاحتلال إلى أبعد من ذلك في انتهاك حق السوريين في مقاومة الاحتلال بتحويل هذا الحق إلى تهمة، وإرفاقها بتهمة “التجسس” لصالح سوريا. مما يسمح بموجبه أن تصدر المحاكم الإسرائيلية أحكاما بالسجن لمدد طويلة، ويعامل المعتقلون من أبناء الجولان في السجون الإسرائيلية “وكأنهم مجرمو حرب وليسوا مناضلين في سبيل الحرية”.
إن السجن لمدة طويلة، مع ما يرافقه من نتائج صحية واجتماعية، ليس العقوبة الوحيدة التي تفرضها سلطات الاحتلال ضد الذين يمارسون نشاطات وطنية في الجولان. فهناك عقوبات أخرى مثل الاعتقال المؤقت وفرض الإقامة الجبرية والفصل من العمل، على غرار ما حدث ويحدث لمعلمي مدارس الجولان عند اتهامهم بـ “ممارسة نشاطات معادية للاحتلال”.
يندرج في إطار خرق الحقوق السياسية للسوريين تحت الاحتلال، قيام السلطات العسكرية بتعيين مجالس محلية ومذهبية بأوامر عسكرية صادرة عن الحاكم العسكري للمنطقة، خلافاً لرغبات السكان. كما يندرج في ذات السياق إجبار السوريين على التقاضي أمام المحاكم الإسرائيلية في طبريا والناصرة وفقاً لـ “القانون الإسرائيلي”.

ثانياً ـ خروقات ذات طابع اقتصادي:
أساسها تدمير حياة السكان من خلال السيطرة على الأراضي والموارد، بحيث تكمل سابقتها ذات الطابع السياسي. في هذا المضمار، استولى الاحتلال على أكثر من ثلاثة أرباع مساحة القسم المحتل في الجولان، أي ما يزيد عن 350 ألف دونم. فمن أراضي قرية مجدل شمس وحدها تم الاستيلاء على مساحات واسعة تم تحويل معظمها من أراض زراعية إلى مواقع عسكرية وكذلك لمستوطنات، حيث نجد في الجولان نحو 40 مستوطنة ونقطة استيطانية، يسكنها حوالي 17 ألف مستوطن يهودي.
كذلك حرمت السلطات الإسرائيلية السكان من الوصول إلى مساحات كبيرة من أراضيهم في جبل الشيخ شمالاً، واستولت على أراضي منطقة الحمة في الجنوب، حيث حولت هذه الأراضي إلى مناطق سياحية تستغلها الشركات السياحية الإسرائيلية. كما منعت رعاة الماشية من الوصول إلى المراعي التي اعتادوا ارتيادها بحجة تحول هذه الأراضي إلى مناطق عسكرية.
تترافق خروقات حقوق ملكية الأراضي واستثمارها مع قيام المحتلين بالسيطرة على المياه الجوفية في مناطق اليعفوري والمشيرفة، ورأس بوسعيد، ومياه بركة رام شمال الجولان، ومياه الأنهار الثلاثة: اليرموك وبانياس والدان. وقد تم تحويل الموارد المائية لصالح المستوطنات اليهودية، أما ما زاد منها فجرى تحويله إلى شبكة المياه الإسرائيلية. حسب تقدير مصادر سورية، إن ما تسرقه إسرائيل من مياه الجولان يراوح ما بين 400 و500 مليون متر مكعب سنوياً.
لقد حولت قوات الاحتلال حق فلاحي الجولان بالمياه إلى مسرب تمتص منه إسرائيل أموال الفلاحين. ذلك بفرض سعر يقارب دولارا لكل متر مكعب من مياه الري، إضافة لضريبة الاشتراك في شبكة الري التي تبلغ 1500 دولاراً عن كل دونم ارض. كذلك منعت إقامة خزانات المياه التي اعتاد الفلاحون إقامتها لاستخدامها في الري، وفرضت مبلغ 500 دولار لكل خزان في حال موافقتها على منح الترخيص.
استكمالاً لهذا الجانب من سياسة إسرائيل المائية، يمكن الإشارة إلى منع الاحتلال مياه الشرب من تغذية قرى محتلة. مما دفع الحكومة السورية إلى تزويد قرية بقعاتا بمياه الشرب من خلال مشروع تم تدشينه في آذار 1987.
حاولت أيضاً سلطات الاحتلال مصادرة حق فلاحي الجولان تصدير محاصيلهم الزراعية. ذلك بفرض شروط سياسية لإعطاء الفلاحين فرصة تصدير إنتاجهم ومن خلال مساومتهم في موضوع “الهوية والجنسية الإسرائيلية”. كذلك من خلال فرض تعامل الفلاحين مع عملاء الاحتلال أو تجار إسرائيليين حصلوا على رخص تصدير. وفي كل الحالات فرض المحتلون على الإنتاج الزراعي لقرى الجولان العربية أن يوصف بأنه “إنتاج إسرائيلي”.
من ناحية أخرى، فرضت السلطات الإسرائيلية على السكان العرب دفع ضريبة “الدخل والأمن”، استناداً إلى البندين 175 ـ 176 من مرسوم الضرائب الإسرائيلي. هذه الضريبة لا تجبى في العادة إلا من “مواطني الدولة”، خلافاً لواقع أن سكان المرتفعات هم عرب سوريين. ثم قامت بالحجر على ممتلكات الممتنعين عن دفع هذه الضريبة.
لقد أدت هذه السياسات إلى خراب اقتصادي أصاب العديد من فلاحي القرى السورية المحتلة. الأمر الذي أجبرهم على السفر خارج قراهم للعمل في المناطق المحتلة عام 1948 وفي المستوطنات اليهودية، في ظل شروط عمل غير إنسانية.

ثالثاً ـ خروقات ذات طابع اجتماعي:
هي تتسم كسابقاتها باتخاذها الطابع القسري وبإنكارها للحقوق الطبيعية للسكان العرب في الجولان في ممارسة عاداتهم وتقاليدهم. كذلك في التواصل مع أهلهم وذويهم في القرى الأخرى، ومع مواطنيهم وأهاليهم في بقية الأراضي السورية. ينتمي إلى هذا النوع من انتهاكات حقوق الإنسان، منع السكان تحت الاحتلال من إجراء مقابلات شخصية مع ذويهم وأقربائهم الذين يعيشون في سوريا، رغم أن هذه المقابلات تتم تحت رعاية الأمم المتحدة. وعندما سمح بإجراء هذه المقابلات، قامت سلطات الاحتلال بالتحقيق مع أصحاب المقابلات، ومنعت المقابلات عن البعض منهم، كما ومنعت سفر بعضهم للخارج.
تطبق إسرائيل سياسة العزل الجماعي من خلال حصار القرى العربية في الجولان عن محيطها وعزلها عن بعضها البعض. ذلك على نحو ما تم بداية عام 1981، عندما جرى عزل القرى الخمس بسبب موقف سكانها في معارضتهم حمل الهوية الإسرائيلية. منع وقتها الدخول أو الخروج من هذه القرى وقطعت الاتصالات الهاتفية مع الخارج، كما منع دخول الصحف العربية الصادرة في فلسطين. تكرر الأمر مرات بعدها على نحو ما حصل بعد صدور قرار الكنيست بضم الجولان. فحوصرت القرى العربية في أعقاب إعلان الإضراب العام، ومنعت المواد الطبية والغذائية بما في ذلك حليب الأطفال من دخول القرى. كما وقطع التيار الكهربائي والمياه في بعض الأحيان، فيما انتشر آلاف الجنود الإسرائيليون المدججون بالسلاح وآلياتهم على الطرق العامة ومداخل القرى السورية بهدف الضغط على السكان لإرغامهم على القبول بـ “الأمر الواقع” والاستجابة للأهداف الإسرائيلية.
لقد فرضت السلطات على العمال والعاملات والموظفين من أبناء القرى الانتساب إلى “الهستدروت”، خلافا لرغباتهم، وأجبرت السكان على المشاركة في صندوق المرضى “الكوبات حوليم” التابع للهستدروت. ذلك بهدف تأمين المعالجة الصحية، خاصة في ضوء تردي الواقع الصحي الذي من بين مؤشراته نقص عدد الأطباء وعدم وجود مراكز صحية واسعافية ومخابر تحليل طبية ومراكز للتصوير الشعاعي وصيدليات، وعدم توفر عيادات نسائية وعيادات توليد. ترافق كله مع رفض السلطات إعطاء رخص للأطباء والصيادلة السوريين المتخرجين من الخارج لممارسة عملهم في قراهم، ورفض السماح للمرضى، ممن لا يستطيعون دفع نفقات العلاج، القدوم إلى سوريا للمعالجة المجانية في مشافيها.
إضافة لما ذكر، تمنع السلطات السكان من حق إقامة مساكن لهم في أراضيهم خارج القرى، كما أن إقامة المساكن داخل القرى تحتاج إلى إذن مسبق من سلطات الاحتلال. لقد تزايد عدد سكان الجولان في سنوات الاحتلال عدة مرات كما أشرنا، لكن المساكن القائمة هي اقل من احتياجاتهم الفعلية. يترافق هذا الحال مع فرض ضرائب على العقارات تزيد عن ثلاثة دولارات للمتر المربع الواحد من أسطح المنازل والطوابق، وتزداد قيمة هذه الضريبة عاماً بعد عام.

رابعاً ـ الانتهاكات ذات الطابع الثقافي والتعليمي:
هي انتهاكات ذات طيف واسع، شملت التاريخ والحاضر والمستقبل، حيث استبيحت المواقع الأثرية في الجولان، وتمت سرقة كثير من محتوياتها. كما وانتهكت حقوق تلاميذ وطلبة الجولان في تلقي تعليم يناسبهم، حيث فرضت السلطات مناهج التعليم الإسرائيلية بدلا من مناهج التعليم العربية السورية، وأبعدت أعدادا كبيرة من المعلمين والأساتذة بحجة ممارستهم نشاطات مناهضة للاحتلال. كذلك أضافت مادة “التراث الدرزي” إلى المنهاج التعليمي، رغم الرفض الذي قوبلت به هذه الخطوة من قبل مواطني الجولان الذين أعلنوا أنه ليس لهم تراث درزي وإنما تراث عربي ـ إسلامي. وقد عينت السلطات عددا من المعلمين والأساتذة الإسرائيليين في المدارس العربية.
تنتهك سلطات الاحتلال حق أبناء الجولان في التعليم، حيث تعاني القرى الخمس من قلة المدارس بمراحلها المختلفة. لقد منعتهم لسنوات طويلة من التوجه إلى سوريا للدراسة في جامعاتها ومعاهدها. وهي في حين لا تسمح اليوم إلا لعدد محدود من حملة الثانوية بالمغادرة لإتمام تعليمهم في سوريا، تعرّضهم لعمليات مضايقة وتحقيق عند عودتهم للجولان. والجدير بالذكر إن الجامعات الإسرائيلية لا تستوعب سوى نحو 15 بالمائة من طلبة الجولان العرب الذين يتركز معظمهم في جامعة حيفا، وهم يتعرضون فيها لمضايقات ذات طبيعة عنصرية كونهم عرباً.
نخلص للقول، أن أهالي الجولان سواء الذين طردوا من أرضهم أو الذين بقوا فيها، معرضون لانتهاكات حقيقية ومتعددة الأبعاد منذ احتلال إسرائيل للجولان في العام 1967. تفاعلت آثار هذه الانتهاكات عند الذين طردوا من أراضيهم، فيما تواصلت عند الذين بقوا تحت الاحتلال. في الحالتين، كشفت هذه الانتهاكات عن تجاوز الاحتلال الإسرائيلي لكل القوانين والمواثيق الدولية، لاسيما ميثاق حقوق الإنسان واتفاقيات جنيف. وهي ما زالت ماضية برفض قرارات الشرعية الدولية، خاصة تلك التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، بما فيها التي رفضت ما قامت به إسرائيل من خطوات وإجراءات في الجولان.

المراجع:

اعتمدت الدراسة على مجموعة مصادر منها:

1 ـ الجولان: شهادات نازحين عن أيام الحرب والحاضر، إعداد صقر أبو فخر، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 42، ربيع 2000.

2 ـ العنصرية الصهيونية وممارساتها في مرتفعات الجولان السورية المحتلة، فايز سارة، مجلة الوحدة، العدد 40، كانون الثاني 1988، ص163 ـ 171

3 ـ التقرير السنوي لعام 2000 حول أوضاع العرب السوريين في الأراضي العربية المحتلة، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، دمشق.

4 ـ دليل إسرائيل العام، مجموعة مؤلفين (تحرير صبري جريس ـ احمد خليفة)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، الطبعة الأولى 1997، ص 370 ـ 398

5 ـ حوارات أجراها الكاتب مع مدحت صالح الصالح، مناضل من الجولان وسجين سابق في السجون الإسرائيلية وعضو في مجلس الشعب السوري .

*  فايز سارة: كاتب وصحافي سوري مهتم بالقضايا العربية والصراع العربي الإسرائيلي، له عدد من المؤلفات السياسية منها دراسات في الإسلام السياسي، الحركة الإسلامية في المغرب العربي، الأقليات في شرق المتوسط، الجيش الإسرائيلي.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات