بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
تقرير ...حول البناء ومشاكله في قرى الجولان المحتل
  14/06/2006

 تقرير حول البناء ومشاكله في قرى الجولان المحتل
تقديم المهندس احمد خاطر*


هذه الدراسة تم اجراءها في العام1993 بمبادرة واشراف الجمعية العربية للتطوير ( جولان لتنمية القرى العربية في الجولان المحتل) خلال اليوم الدراسي الذي عقد في مدينة القدس بالتعاون مع مركز بيسان للبحوث والانماء بمناسبة خمسة وعشرون عاما على الاحتلال


بعد احتلال إسرائيل للجولان عام 1967، اعتبرت جميع الأراضي التي هجر سكانها بأنها أراضي دولة. وهكذا أصبح أكثر من 90% من مساحة الجولان مصادرة. كذلك قامت السلطات الإسرائيلية بمصادرة 30% من مساحة الأراضي العائدة لسكان القرى الخمس الباقية( 30 كم2 من أصل 100كم2) مستعملة عدة مبررات أهمها أن هذه الأراضي ضرورية لأهداف عسكرية أو أمنية , أو إن هذه الأراضي ضرورية لدائرة حماية الطبيعة, أو أن الأراضي تخدم مصلحة عامة لمجموعة من السكان أو الجمهور غير العربي( المقصود هنا المستوطنون), أو أن أصحاب هذه الأراضي لا يملكون الوثائق اللازمة لإثبات ملكيتهم لها.
يقدر عدد سكان القرى الآن ب 17 ألف نسمة، وهم يخضعون في كل مجالات الحياة لنفس السياسة المتبعة مع العرب الفلسطينيين مع تعديلات في الشكل هنا أو هناك.
وحسب المعلومات المتوفرة بين أيدينا, يقدر عدد سكان قرية مجدل شمس أكبر قرى الجولان ب 8 آلاف نسمة ، مساحتها حسب الخارطة الهيكلية لعام 83 التي وضعتها سلطات الاحتلال هو 1750 دونم (الدونم الف متر مربع). قرية بقعاثا يقدر عدد سكانها ب 4 آلاف نسمة ومساحتها 1552 دونم. قرية مسعدة يقدر عدد سكانها بألفي نسمة ، ومساحتها 880 دونم. قرية عين قنية يقدر عدد سكانها ب 1500 نسمة ومساحتها 710 دونم . قرية الغجر يقارب عدد سكانها ومساحتها قرية عين قنية.
سنركز حديثنا هنا على مسطحات القرى ومشاكل البناء فيها آخذين مجدل شمس اكبر هذه القرى نموذجا للدراسة ، مستعرضين ما أمكننا الوصول اليه ومعرفته من معطيات وما يمكن استخلاصه حولها من نتائج.
مثال مجدل شمس
تمتد مجدل شمس على السفح الجنوبي الغربي لجبل الشيخ بارتفاع بين 1100-1300 م فوق سطح البحر. يحدها شمالا سفح شديد الانحدار لإحدى قمم جبل الشيخ ، شرقا خط وقف إطلاق النار على بعد أمتار عن البيوت, غربا أراضي قرية جباثا الزيت( أقيمت في مكانها مستعمرة نفي اتيف) ويحدها جنوبا تلتين: تلة الشميس من الغرب وتلة الريحانة من الشرق( قمتها مزروعة بالألغام الآن، وقد انفجر أحدها قبل عدة سنوات فقتل طفلا وشوه الآخر) ، بهذه الحدود الطبيعية والمصطنعة يصبح التوسع العمراني شبه مستحيل ، وسيتضح هذا من النقاط التالية:
أولا: يقدر عدد بيوت القرية ب 1200 بيت ، وهي قائمة على مساحة 1185 دونم، تقسم هذه المساحة إلى قسمين: الأول ، وهو مركز القرية (البيوت القديمة) حيث البيوت شبه المتلاصقة ، ونسبة البناء المسموح به فيها 50% . القسم الثاني هو محيط القرية وهو الأكبر مساحة ونسبة البناء المسموح به 36% ، وسنعود للتحدث عن هذا القسم لاحقا. مشاكل البناء في قرى الجولان مرتبطة بشكل مباشر مع مسألة الاعتراف بملكية الأرض حسب القانون الإسرائيلي. وكما يحصل في باقي الأراضي العربية الخاضعة للاحتلال والسيطرة الإسرائيلية, فان الأرض التي تعتبر ملكية خاصة هي الأرض التي يملك صاحبها وثيقة مكتوبة(طابو) تشير إلى ملكيته للأرض , وحتى هذه الأراضي تبقى عرضة للمصادرة ليس بحجة إنها ليست ملكية خاصة وإنما تحت حجج أخرى غالبا ما تكون" لضرورات أمنية". لقد انتهجت إسرائيل هذا التعريف للملكية الخاصة, لكي تضمن فرض سيطرتها على الغالبية العظمى من أراضي المنطقة.
في أواخر الأربعينات من هذا القرن تحول المصدر الأساسي لمعيشة السكان في قرى شمال الجولان التي تبقت بعد الاحتلال, من تربية المواشي وبعض زراعة الحبوب والخضراوات إلى زراعة الفواكه. وقد انعكس هذا على مساحة الأرض المزروعة التي توسعت على حساب المراعي. نتيجة لهذا التوسع في الأرض الزراعية التي تضاعفت مساحتها عدة مرات فان أصحاب الأراضي الجديدة وهم تقريبا كافة السكان لم تكن بأيديهم وثائق تشير إلى ملكيتهم لهذه الأراضي التي كانت سابقا ملكية جماعية للقرى نفسها. بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 لهذه القرى فان إسرائيل قامت بمصادرة بعض هذه الأراضي الواقعة على أطراف الأراضي الزراعية التابعة للقرى ،غير أن المصادرة تمت تحت حجة" الأسباب الأمنية" المعهودة. ومنذ بداية الاحتلال لم تطرح إسرائيل هذه القضية حتى عام 1990 عندما خرجت بهذا الادعاء بالنسبة لأراضي مخصصة للبناء واقعة ضمن الخارطة الهيكلية لقرية مجدل شمس. ففي هذا العام جمدت إسرائيل عملية المصادقة على رخص البناء في هذه المنطقة مدعية أنها " أراضي دولة" , وبدأت تمارس أساليبها المعهودة التي تبدأ بالترغيب وتنتهي بالترهيب لأصحاب هذه الأراضي لكي يوقعوا على وثائق تنص بان هذه الأرض هي ملكية " دولة" وأنها مستأجرة من قبل السكان لمدة 49 عاما, أو شراء هذه الأرض من ما يسمى "إدارة أراضي إسرائيل" بأسعار منخفضة وتتضمن عقود الشراء هذه اعتراف ضمني بتبعية هذه الأرض للدولة. ومنذ أوائل عام 1990 وحتى اليوم تم تقديم أكثر من مئة طلب لرخص بناء رفضت جميعها بسبب رفض أصحاب هذه الأراضي التوقيع على العقود المذكورة. وقد تم تقديم معظم الذين بنوا منازل في هذه المناطق إلى المحاكمة حيث غرموا بمبالغ باهظة وصدرت بحق بعضهم العديد من أوامر الهدم وتم اعتقال ومحاكمة أصحاب هذه المنازل وتغريمهم أيضا بغرامات مالية باهظة.
وعلى الرغم من الضائقة السكنية القائمة في القرية والحاجة الماسة للسكان بالبناء غير أن وعيهم لخطورة التوقيع على هذه العقود جعلهم يجمدون مشاريع البناء المذكورة.
ثانيا: توجد مساحة مخطط لها أن تصبح منطقة صناعية مساحتها تقارب خمسة دونمات : يملكها عدة أشخاص: تقع ضمن المنطقة المتنازع عليها مع " سلطة إدارة أراضي إسرائيل". وقامت سلطات الاحتلال باستصدار أمر من " المحاكم الإسرائيلية" تمنع بموجبه استعمال هذه الأرض حتى تسوية الخلاف القائم عليها. نتيجة لهذا الواقع فان كافة المحلات الحرفية والصناعية مبعثرة داخل القرية بشكل عشوائي . وقد انعكس هذا على إمكانية تطور الحرف والصناعات الخفيفة في القرية حيث أن الاحتلال الإسرائيلي يزيد من حدة الأزمة بفرض العقوبات والمخالفات على أصحاب هذه الحرف بحجة أن مكان عملهم ليس في منطقة صناعية. كما ويتم فرض مخالفات على المؤجرين أنفسهم لنفس السبب على الرغم من أن " المنطقة الصناعية" التي يتحدثون عنها غير قائمة أصلا . هذه الممارسات تأتي ضمن السياسة الإسرائيلية العامة التي تهدف إلى خنق التطور الاقتصادي للمجتمع في الجولان وبالتالي تسهيل السيطرة عليه سياسيا.
ثالثا: إضافة لمشاكل البناء والمشاريع الخاصة فان المناطق المخصصة في الخارطة الهيكلية للقرية للأبنية العامة(المدارس, العيادات الصحية...الخ) مبعثرة بشكل عشوائي داخل مسطح القرية : قسم منها قائم والقسم الآخر من المفترض أن يقوم على أملاك خاصة. وبالرغم من أن مالكي هذه الأرض مستعدون للتنازل عنها للمصلحة العامة فان سلطات الاحتلال تمنع إعطاء أي بديل لهم, الأمر الذي يصعب عليهم التنازل لعدم وجود بديل عنها لإسكان أولادهم مستقبلا. هذه المناطق مخططة بشكل لا يتلاءم واحتياجات السكان من حيث مواقعها وحجمها.
الأمر نفسه ينطبق على الحدائق العامة والمنشآت الرياضية. فالحدائق العامة غير قائمة على الإطلاق الأمر الذي يعرض الأطفال الذين يلعبون قرب بيوتهم وفي الشوارع إلى مخاطر عدة كحوادث الطرق أو اللعب في مناطق خطرة, أما بالنسبة للمنشآت الرياضية فيوجد" ملعب كرة قدم" واحد هو عبارة عن منطقة سهلية في القرية لا تملك من مقومات الملعب الرياضي سوى أنها سميت" ملعب رياضي" , ويوجد أيضا ملعب كرة سلة أقامته إحدى المؤسسات الوطنية في الجولان.
تخضع كافة المناطق المذكورة لإدارة المجلس المحلي ، وهو مجلس معين من قبل السلطة الإسرائيلية كغيره من المجالس في بقية قرى الجولان منذ عام 1974 وما زالت هذه المجالس إلى الآن لا تمثل السكان وكثير من الخدمات التي من المفترض أن توفرها للقرى غير موجودة مع أنها تجبي من السكان كل أنواع الضرائب.
إمكانية التوسع العمراني في القرية
كما ذكرنا سابقا فان الأحياء الجديدة المحيطة في "البلدة القديمة" في القرية هي المناطق الوحيدة التي يمكن البناء فيها في ظل الظروف القائمة اليوم. توجد في هذا القسم المساحة القابلة للتوسع العمراني ، وتتألف من عدة قطع سنذكرها حسب الجهات وهي:
أ) مساحة تقدر ب 100 دونم قائم عليها الآن 70 بيتا ، وهي منطقة شديدة الانحدار تقع في شمال القرية.
ب) مساحة تقدر ب 80 دونم يقوم عليها الآن 45 بيتا وتقع غربي القرية.
ج) مساحة تقدر ب 240 دونم: يقوم عليها الآن 50 بيتا وتقع جنوبي القرية. د) مساحة تقدر ب 50 دونم يقوم عليها الآن 20 بيتا وتقع جنوبي القرية
في هذه المساحات الأربع توجد الإمكانية الوحيدة حاليا للتوسع العمراني ولكن المشكلة ان السلطات الإسرائيلية – ممثلة بلجنة التنظيم التي يشرف عليها ضابط أمن- تدعي ان هذه المساحات هي ملك لدولة إسرائيل، مع أن معظم هذه الأراضي ملكية خاصة، والمساحة الباقية كما ذكرنا سابقا هي ملكية قرية تركت سابقا كمراعي ليستغلها كل السكان.
السياسات الإسرائيلية لمحاصرة وخنق البناء في الجولان
إضافة للممارسات التي تمارسها إسرائيل من خلال مؤسساتها المختلفة لمحاصرة المناطق التي يسكنها " غير اليهود" وخنقها( تحت حجج مختلفة مثل : " أراضي دولة" , عدم وجود وثائق تثبت الملكية الخاصة"طابو", مصادرة لأسباب "أمنية"..الخ) فقد انتهجت مجموعة من الخطوات تتعلق بالبناء للضغط على/ ومعاقبة السكان ضمن التخطيط العام الطويل الأمد للسيطرة عليهم. والتاريخ في هذا المجال يشير إلى أن باستطاعة إسرائيل مصادرة أية ارض تريد وفي أي وقت تريد. غير أن انتهاج مثل هذه الوسائل بدلا من المصادرة المباشرة والسافرة للأراضي يعود لرغبة إسرائيل بعدم المواجهة المباشرة واستدراج السكان لوضع من التعلق والارتباط بالدولة وأجهزتها. هذه الممارسات والوسائل تتلخص بما يلي:
أولا: استغلال حاجة بعض أصحاب البيوت القائمة على هذه المساحات إلى تعديل أو إضافة على بيوتهم كمناسبة لسحب رخصهم وعدم إعادتها، علما أن أصحاب هذه البيوت كانوا قد رخصوا بيوتهم من دائرة التنظيم نفسها قبل عدة سنوات ودفعوا عليها ما يسمى ب " ضريبة تحسين" مرتين للمجلس المحلي. على أعقاب هذا وبعد استصدار عدة أوامر بالهدم , تم عقد اجتماع جماهيري في قرية مجدل شمس في كانون ثاني , 1993 أعلن فيه السكان رفضهم لمثل هذه المحاولات الإسرائيلية, وأكدوا أنهم مستعدون للمواجهة في حال محاولة إسرائيل تنفيذ أوامر الهدم هذه.
ثانيا: استخدام شركة الهواتف "بيزك" كوسيلة ضغط: حيث قامت هذه الشركة بقطع الهواتف عن عدة بيوت بحجة أنها بدون ترخيص، مع أن هذا الأمر لا علاقة له البتة بصلاحياتها، ومع أن هذه الهواتف كانت قيد الخدمة عدة سنوات قبل قطعها.
ثالثا: عدم إعطاء رخص جديدة إلا نادرا مستعملين نفس الحجة: وهي أن الأرض ملك لدولة إسرائيل ومن يريد البناء عليها يجب أن يعترف بهذا كتابة كشرط للسماح له بالبناء، ومن يثبت ملكيته للأرض يشترطون عليه أن يوقع على أن الأرض المجاورة له هي ملكية دولة
الجهود المحلية للتخفيف من حدة الأزمة
على ضوء هذا الواقع المأساوي الذي يمتد منذ بداية الاحتلال لم يكن أمام السكان من خيار سوى اخذ زمام المبادرة وإدارة دفة الأمور بأنفسهم, خصوصا بسبب عدم اعترافهم ب"المجالس المحلية" المدارة من قبل متعاونين عينوا من قبل السلطات الإسرائيلية... فخلال الإضراب الكبير عام 1982 رفضا للضم الإسرائيلي للجولان قام سكان مجدل شمس بإقامة شبكة مجاري على حسابهم الخاص لكل قرية, تم انجازها في وقت قصير بسبب العمل الجماعي التطوعي للسكان في هذا المشروع. مشروع شبيه أقيم في قسم من قرية عين قنية أيضا على حساب السكان في أواسط الثمانينات. ومنذ بداية الثمانينات وحتى اليوم أنجز سكان الجولان والمؤسسات الوطنية القائمة فيه مجموعة من المشاريع التطوعية الصغيرة كإصلاح وترميم طرقات داخل القرى , تعبيد طرقات زراعية خارج القرى أيضا على حسابهم الخاص. ترميم وتشجير المقابر في القرى.
هذه المشاريع والفعاليات تبقى ضمن إطار ضيق لا يستطيع حل الأزمة جذريا.لان العمل التطوعي بطبيعته لا يستطيع توفير موارد كافية لإقامة مشاريع كبيرة. وبالإمكان تلخيص أوضاع ومشاكل البناء في قرانا بالنقاط التالية:
ا-عدم الوجود الفعلي لمرافق عامة في القرى مثل الحدائق العامة والملاعب, وملاعب الأطفال.
ب-عدم الوجود الفعلي لمناطق صناعية ، مع أن لجنة التنظيم تقوم بفرض غرامات على أصحاب المهن الصناعية بحجة أنهم لا يعملون في مناطق صناعية.
ج- قلة المساحة المخصصة للبناء مستقبلا: ويتضح هذا من الارتفاع الفاحش في أسعار الأراضي المسموح فيها بالبناء، مع تعرض هذه المساحات للمصادرة والمضايقات المختلفة، وتزداد هذه المشكلة حدة مع تزايد عدد السكان مما لا يترك مجالا للأزواج الشابة لإيجاد قطع الأرض التي سيبنون عليها بيوتهم مستقبلا.
وعلى الرغم من أن حل هذه المشاكل أو غالبيتها بشكل جذري مرهون بزوال الاحتلال الإسرائيلي عن مرتفعات الجولان غير أن هناك الكثير مما يمكن عمله للتخفيف من حدة هذه الأزمة ومن المعاناة اليومية للسكان. فالجهود المحلية المبذولة في مجال التخطيط والتطوير ضمن الحدود الممكنة تحتاج إلى دعم وتعاون مع مؤسسات مختصة من خارج الجولان, واليوم هناك توجه عام مؤيد لهذه الفكرة يحاول أن يصل إلى حيز التنفيذ في المستقبل القريب.

*مهندس بناء. وناشط سياسي، اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي  أكثر من مرة
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات