بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
نضال أهل الجولان ضد الاحتلال الإسرائيلي
  08/12/1999

نضال أهل الجولان ضد الاحتلال الإسرائيلي
 الجزيرة نت
مقدم الحلقة: محمد كريشان
ضيوف الحلقة: سلمان فخر الدين: قيادي وسياسي في الجولان المحتل


سلمان فخر الدين


محمد كريشان
محمد كريشان: السيد سلمان فخر الدين أهلاً وسهلاً.
سلمان فخر الدين: أهلاً بيك.
محمد كريشان: نحن الآن في (مجدل شمس) كبرى بلدات وقرى مرتفعات الجولان السورية المحتلة، إذا أردنا أن نخصص بداية الحديث حول العلاقة التي كانت لأهالي هذه المنطقة مع بدايات الاحتلال، نوعاً من (جردلي) العلاقة التي سادت ومازالت تسود بالتأكيد بين أهالي هذه المنطقة والاحتلال الإسرائيلي.

سلمان فخر الدين: أهم مسألة عانـى منها الجولان من جراء الاحتلال هي عملية التهجير الجماعي، وطرد السكان من الجولان حيث تمَّ طرد أكثر من 137 ألف مواطن سوري من بيوتهم، وكذلك تهديم وتجريف القرى والدساكر والمدن والمزارع في الجولان..
مجموع المواقع السكنية التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي 244 موقع سكني، الشيء الذي ترك البقية الباقية من الجولان وهم 6500 إنسان كأصل من شجرة قُطعت جذورها كلها، أول شيء كان هو الشعور بالهزيمة ومرارة الهزيمة في 1967م ولحظي أنا كنت صبي صغير في حينه، ولكن أذكر بشكل جيد دخول القوات العسكرية الإسرائيلية إلي الجولان، الشعور.. الإحباط والإحساس بالهزيمة، كل مواطن شعر بالهزيمة، كل مواطن عربي بالتأكيد، ولكن إحنا أكثر شعرنا لأنه عشنا هذا الشعور في الحياة بشكل يومي وعلى جلودنا كما يقُال.
فهاي كانت أهم.. أهم مرحلة تجاوزناها، مسألة اقتلاع أهالينا من الجولان وطردهم، وبقاؤنا هون قليلاً من السكان عرضة لمؤامرة إسرائيلية كبيرة جداً، بقصد ابتلاع الأرض والسكان وما عليها طبعاً، ولكن أصالة المجتمع أثبتت عكس ذلك مع مرور الزمن.
محمد كريشان: عندما نتحدث عن التهجير القسري يعني كان مع بدايات الاحتلال، يعني هل كان انتقائياً؟ يعني مَن الذين هُجِّروا؟ وهل هناك نسبة ربما من الهجرة كانت طواعية بفعل ظروف الاحتلال أصلاً؟
سلمان فخر الدين: هنالك مجموعة مركبات لتهجير السكان، جزء نزح بتأثير الحرب نفسها، العمليات الحربية التي تمت نفسها، وجزء آخر تمَّ تهجيره وترويعه بالقصف والحرب في داخل المواقع السكنيَّة، 13 ألف إنسان طُردوا بعد أن كان الاحتلال ناجزاً، وبالتحديد في مدينة (..) بقي عدد كبير من السكان هناك تمَّ طردهم بشكل منْهَاجي، على ما يبدو حرب 1967م كانت لها أهداف توسعية واضحة جداً وكولنيالية بقصد السيطرة على منابع المياه، بقصد السيطرة على الأراضي الخصبة في الجولان، وبقصد الاستيطان أيضاً.
أول خريطة تثبت نية الاستيطان في الجولان تعود إلى سبتمبر 1967م، وكانت خريطة شبه ناجزة للتنفيذ، خريطة بناء مدنية أنجزت في مكتب الهندسة المدنية، الآن كل الدراسات تشير أنه مخطط الاستيطان الجولان يحتاج إلى سنوات من الدراسة، فعلى ما يبدو المحتلين كانوا قد خططوا قبل بداية الاحتلال لاستيطان الجولان، وكل المستوطنات الإسرائيلية في الجولان الآن مبيَّنة على خريطة ناجزة من عام 1967م.
محمد كريشان: نعم، سنعود لموضوع الاستيطان بالتحديد في الجولان، ولكن فيما يتعلق بالقرى والبلدات التي مُحيت من الخريطة، يعني كيف كان ذلك؟
سلمان فخر الدين: بلا شك أنه مع بداية.. بعد أن أصبح الاحتلال ناجزاً على أرض الجولان تكررت حالة من عودة السكان إلى بيوتهم، قسم منهم بقصد البقاء، وقسم منهم بقصد أن يأخذ أغراض منـزله، النـزوح كان في جنوب الجولان كان بضعة كيلو مترات إلى منطقة حوران، ودرعة، ونوى، وكذلك كل المسافة بين القنيطرة، ودمشق هي 60 كيلو متر، ولكن هناك قرى لصيقة وهناك قرى متجاورة إحداها احتلت والأخرى لا، فالإسرائيل بقصد قطع رجل الناس الذين كانوا يتخفوا عودة إلى منازلهم، قرروا هذا يبدو استفادوا من التعاون مع الطيور أن يهدوا الأعشاش، فقرروا هدم البيوت وتجريفها في مجزرة.
أنا شخصياً رغم معلوماتي المتواضعة، أنا لا أعرف أنه تمت مجزرة بزمن قياسي بهذا القدر في النصف الثاني أو في القرن العشرين كله لهذا الكم من السكان، هذا تم زمن الهنود الحمر، لكن في القرن العشرين هذا لم يتم نهائي، يبدو أن هنالك حالة عداء مستحكمة من إسرائيل لكل وجود عربي سواء كان في التراث، سواء كان في الثقافة، سواء كان في الاقتصاد أيضاً، هذا قطع عند الإسرائيليين حوَّل السياسة إلى الاستقرار في الجولان، وإلى منع التواجد العربي عليها في الجغرافيا والتاريخ.
وما تمَّ، لما نقول إنه تمَّ تجريف القرى فهاي كلمة جداً ليست كلمة بريئة، لأنه أحياناً تجرف تربة زراعية بقصد إخصابها، ولكن حينما تجرف بلداً لمحوها من الجغرافيا فهذه جريمة حرب.
محمد كريشان: يعني منذ بداية الثمانينات تمَّ الإعلان عن ضم الجولان رسمياً لإسرائيل، هل أثر ذلك بشكل أو بآخر على طبيعة العلاقة التي أصبحت بين الأهالي والاحتلال؟
سلمان فخر الدين: أولاً: أنا شخصياً أعتز بكوني أحد أبناء الجولان المحتل من اليوم الأول للاحتلال الإسرائيلي بدأت تتشكل خلايا مقاومة في الجولان، وهنالك من عمد هذه المقاومة بالدم، اتضحت المقاومة وأصبحت أكثر شعبية وأوسع انتشاراً لدى صفوف الجماهير بشكل عام في الثمانينات.
أولاً: هذا أحدث تراكماً في الوعي الجماهيري والسياسي مقابل ذلك كانت حرب أكتوبر، حرب أكتوبر أعادت شيئاً من الاعتبار للعربي لذاته، لكل عربي أنا أقول هنا، في الجولان هذا بكل.. لوحظ بشكل قوي جداً، الجولان كان مسرح عمليات هائل جداً إبان الحرب سواء كان في الأرض أو في الجو.
واثنين: أيضاً حرب أكتوبر أحدثت تحول في.. يمكن أن يكون تحول نفسي لدى الإنسان العربي بإمكانية النصر إذا قرر ذلك وسعى إلى ذلك.
اثنين هذه الحرب أيضاً ضربت العنجهيَّة الإسرائيلية في الصميم، قد تكون أيضاً الخبراء يقولون لقد ضربت نظريَّات الأمن بشكل عام، لكن لدى السكان هذا أحدث تحول في معنوياتهم..
محمد كريشان [مقاطعاً]: وقلص أيضاً رقعة المنطقة المحتلة أيضاً.
سلمان فخر الدين: قلص رقعة الأرض المحتلة بتأثير الحرب بشكل مباشر، لكن بدأت تلوح في الأفق بوادر تحرير، وهذا أحدث حماس لدى الجمهور، بالتالي كان هنالك اتساع دائرة الجمهور العامل في السياسة بتأثير الحرب أساساً، مقابل ذلك بدأت السياسة الإسرائيلية تأخذ أبعاد أكثر خطورة، واللي هي تلخصت في السعي لضم الجولان، وأظن تنبأ الناس، ولما أقول الناس أقول كل الكم، كل 14، 15 ألف إنسان اللي كانوا اللي لازالوا عايشين في الجولان من العرب.
كانت.. كان الموقف السياسي كان فردي، لأن كل إنسان كان يشعر أنه خندق مقاومة يجب أن يصمد في مكانه، كل فرد، ولم يكن تفكير فردي كان تفكير جماعي، لكن مع ذلك إسرائيل في سنة 1982م مثلاً أدخلت إلى الجولان كم من الجنود يعادل عدد السكان، وهذا الكم من الجنود هو نفسه الذي استعمل في حزيران 1982م لغزو الجولان، بعدما أنجز أو حاول أن ينجز مهام لإجبار السكان على حمل الجنسية الإسرائيلية في نيسان 1982م.
هاي الحملة أيضاً أخفقت بفعل تكاتف السكان أساساً، وبفعل اتباع سياسات حكيمة جداً سدت الطريق على الاحتلال الإسرائيلي وأجبرته على التراجع.
محمد كريشان: من الذي قاد حملة رفض الهوية الإسرائيلية التي حاولت إسرائيل فرضها بعد ضم الجولان؟ هل كانت هناك نواة سياسية للمقاومة، فكر سياسي معين قاد أم تحرك طوعي وعفوي من الأهالي؟

سلمان فخر الدين: من أجل إنصاف الحقيقة أنا أقول: الفلاحين العرب السوريين في الجولان المحتل قرروا رفض الاحتلال، وقرروا التصدي لبرنامج الاحتلال في الضم، الآن محاولة صياغة وقَولَبة هذا الجهد الجماهيري إلى إطار، أو حصره في قيادة فيه ظلم، والظلم قد يقع على من تغفل اسمه من مجموع هؤلاء الأفراد، واللي اجترحوا البطولات في هضبة الجولان المفتوحة سنة 1982م لا يعدُّوا وإذا أعدينا، يعني إذا أنا الآن استطعت أن أحصي 100 اسم ممن اجترحوا بطولات، أنا أظلم مئات أخرى ممن نسيت.
أنا أستطيع القول بكل إخلاص وبراحة ضمير، ما عدا قلة قليلة نحن الآن نتجاوزها في الحديث بالسياسة لأن لا تأثير لها على ساحة الجولان المحتل، كل الجمهور من أقصى بيت إلى أقصى بيت، في كل قرية، في كل حارة كان له رد فعل مماثل بدون تنسيق، يعني أجبروا السكان في يوم من الأيام أو في أسبوع، أو بداية نيسان 1982م على البقاء داخل البيوت، وممنوع فتح الستائر بقصد كسر إضراب الجماهير، الجموع.. ردود الفعل لم تتباين كانت موحدة، الناس بمزاج واحد، فلاحين بسطاء بيحبوا بعض، كلهم عمك، خالك.. إخنا بالعامية كلنا قرايب بعضنا، لكن ردة الفعل كانت موحدة، الشيء الذي أذهل حتى جيش الاحتلال نفسه، مع أنهم استعملوا إطلاق الرصاص، وهنالك أكثر من ستة جرحى منهم أطفال وشيوخ ونساء، فقط بقصد فرض الجنسيات الإسرائيلية على السكان، وكان ردُّ السكان الوحيد هو رمي البطاقات اللي وفرها الجيش، وكان الجيش الإسرائيلي نفسه يدوس البطاقات الإسرائيلية التي وفرها للسكان وهو راجع من نفس الدور.
والجيش الإسرائيلي.. جزء من القادة، وكان أحدهم في ذلك الحين كهلاني نفسه الوزير اللي.. المعروف اسمه في عدم رغبته بإعادة الجولان، وكان أحد القادة العسكريين الموجودين هنا وهو أحد القادة الذين هُزموا في الجولان، وهنا أستطيع أن أذكر اسم القائد الشعبي الذي هزم كهلاني نفسه، نحن نسميه أبو هايل حسين أبو زيد لأنه هو اللي فاوض كهلاني على سحب جنوده من الحارة قبل أن يسحب هو سكان الحارة من مدخلها.. هذه كانت من البطولات العظيمة، وحسين أبو زيد هو عامل مقالع حجر، وهو فاعل مداوم بالزراعة فيما بعد لما انتهت مهنة الحجر هاي، لكن في هذه المرحلة بعد الاحتلال الإسرائيلي أصبح أحد القادة النشيطين والبارزين اللي بنعتز إحنا في وجوده عندنا.
محمد كريشان: نعم، يعني هل أصبحت هناك نوع من الخصوصية للمقاومة في الجولان؟ يعني لا نسمع كثيراً عن عمليات فدائية أو تفجيرات! ولكن ذلك لا يعني أنَّ أهالي الجولان خانعين للاحتلال، هل أصبحت –فعلاً- هناك تجربة خاصة لأهالي الجولان في مقاومة الاحتلال؟
سلمان فخر الدين: شوف إحنا خضنا المقاومة بكافة أشكالها.. جربنا أشكال أخرى للمقاومة في الجولان، قدرتنا على المقاومة العنيفة، أولاً أنَّ العنف في السياسة هو أحد الأشكال المركبَّة جداً للعمل السياسي والمعقَّدة جداً، يحتاج إلى خبرات وإلى كم سكاني وظروف لا تتوافر لنا في الجولان، جربنا بعض منها معظمها لم يعط الغرض السياسي منها.
محمد كريشان: لماذا برأيك؟

سلمان فخر الدين: يبدو أن.. كما يقولون الحرب أو قعقعة السلاح تحتاج إلى دراية، تحتاج إلى تعقيدات في القيادة والتسلسل قد لا نملكها في الجولان، لكن –أيضاً- كان لنا الكافي من الحكمة لنقتنع، لنعلم أنَّ شكل الكفاح غير مسلح، وتدعيمه أحياناً عند الضرورة بأشكال من العنف هو الأجدى كان في الجولان، واستطعنا كسب رأي عام إسرائيلي، استطعنا كسب أو استجلاب تعاطف عالمي مع قضية الجولان.
مسألة الجولان والموقع الساخن أم لا، الحديث يدور على 19 ألف إنسان في الجولان الآن في سنة 1999م، لكن مع ذلك أيضاً الجماهير -كالجنود- لا يمكن إبقاءها في حالة تأهب دائم لمدى طويل، ومع ذلك هنالك يراود الناس شعور بالانتظار أن الأمور في طريقها إلى الحل، الشيء الذي أحدث استرخاء عند الجمهور، ويمكن منبعه هو تفاؤل الجمهور المفرط في سرعة العودة إلى أحضان سوريا والتخلص من لعنة الاحتلال.
محمد كريشان: نعم، سنعود لهذا الموضوع خاصة بعد فوز (إيهود باراك) ربما انتعش هذا الأمل من جديد، لكن نحن في الطريق إلى مجدل شمس يعني لم نلحظ وجوداً عسكرياً إسرائيلياً مكثفاً في الشوارع أو على أبواب المدينة، يعني هل هذه صدفة أم ربما قوات الاحتلال تسعى قدر الإمكان إلى تجنب الاحتكاك اليومي مع الأهالي هنا؟
سلمان فخر الدين: أنا أستطيع أن أسجل أنه منذ مدريد أخلت إسرائيل جزء من معسكرات الجولان، أخلت إسرائيل محطة حرس حدود كانت مقامة في قرية "مسعدة" لكن لازال في مجدل شمس في قلب البلدة يوجد معسكر نسيجه إحنا المدنيين في أجسامنا وفي بيوتنا وهو معسكر للجيش الإسرائيلي، وهو محاط بالألغام والأسلاك الشائكة، بعض الوجود العسكري لإسرائيل هو وجود غير مرئي بالكامل، وليس على مقربة من الطريق العام.
اثنين: جزء من المنطقة التي قد تسلكها إلى الجولان أو إلى مجدل شمس تقع في المنطقة الخاضعة لاتفاقية 1974م و 1975م حيث تحددت فيها كمية القوات المسلحة الإسرائيلية، لكن مع ذلك حتى بموجب هاي الاتفاقية إسرائيل لازالت تحتفظ بثلاث معسكرات شرقي الخط (المسعدة-القنيطرة) اللي تنص الاتفاقية على عدم وجود قوات إسرائيلية شرقي هذا الخط، وهذا ما ذكره فاروق الشرع في مؤتمر مدريد عندما تحدث إلى (شامير) قائلاً: "يوجد بيننا وبين إسرائيل اتفاقيات موقعة دولية لم تنفذ حتى الآن".. جزء منها هي انسحاب هذه المواقع الإسرائيلية شرق طريق (المسعدة-القنيطرة).
محمد كريشان: على ذكر الألغام، قبل تسجيل المقابلة قمنا بجولة، وأشرت إلى عديد المواقع الموجودة هنا والمرتفعات الملغومة، يعني هل هذه ظاهرة واسعة الانتشار؟ وما مدى خطورتها على الأهالي؟

سلمان فخر الدين: أولاً: الألغام موجودة في داخل القرى، في داخل المواقع السكنية، وفي إحدى الحارات عندنا في مجدل شمس ملاصقة تماماً للبيوت، في مسعدة، في "بفعثا" قريبة جداً من القرى، من أطراف القرى، عندنا في الجولان أكثر من 90 ضحية، ضحية ألغام وأجسام قابلة للانفجار يتركها الجيش كمخلفات بعد مناورات عسكرية، معظمها أطفال قُصر يعني معظمها صبية قصر أو شيوخ.
فيه حالة منها جداً نموذجية في بفعثا مع يوسف صالح طرابيه أعتقد اسمه، كان راعي ماشية، واعتاد الرعي في مكان محدد نحن نسميه"عين الحمرا" موسم محلي، صار فيه لغم أودى بحياته، الجيش الإسرائيلي جاي ينقذه من حقل الألغام صار فيهم في عربتهم وقُتل جندي.. بمعنى الألغام موجودة بدون شاخصات إنذار! أحياناً بدون سياج واقي! أحياناً موجودة في مواقع! في منحدرات حادة بحيث تسير الألغام مع السيول، وتصل إلى حد البيوت!! وهذه قضية نعاني منها بشكل شديد جداً، شنيع جداً، نحن نعيش مع البارود جيران في بيوتنا، بدلاً من الورود تحت الشبابيك، حارة كاملة في مجدل شمس يوجد ألغام، وفي السنتين الأخيرتين وفي السنة الأخيرة بالتحديد عندنا حملة إلى الآن ليست نشطة بما فيه الكفاية، ولكن نحن نخوض حملة لنـزع هذه الألغام ولتخليص السكان من ويلاتها، لأنهبالأخير حياة الناس، بالأخير وجود ألغام في كل موقع يحرم الإنسان حتى من لذة الطبيعة.
محمد كريشان: هذه الحملة بإشراف مختصين عسكريين أم تطوع من الأهالي ونوع من الفراسة التي صقلتها الأيام ربما؟

سلمان فخر الدين: نحن الآن من سنوات نهتم بهذا الموضوع أكثر بشكل فردي، والآن بمعونة مؤسسة (الحق) نعمل على إجراء دراسة ومسح شامل لكل ضحايا الألغام والأجسام القابلة للانفجار في الجولان..
محمد كريشان [مقاطعاً]: مؤسسة محلية -عفواً- هل هي؟

سلمان فخر الدين: مؤسسة فلسطينية بالأساس، لكن نحن نتعاون معها من باب الزمالة واكتساب الخبرة بذاك المجال، إلى الآن لم نطرحها كمشروع عمل، لكن هي المشروع المقبل لنا للخلاص من ويلات الألغام، خاصة خطر الألغام خطر دائم، لم تنظف الألغام من قبل تاريخياً ولا في مكان، لكن في الجولان تستعمل بشكل أكثر كثافة، وعلى ما يبدو –لست خبيراً- إسرائيل إلى الآن لم توقع الاتفاقية المضادة للألغام.
محمد كريشان: أشرنا قبل قليل إلى موضوع الاستيطان، وهو موضوع هام جداً، ما هي طبيعة المستوطنات الإسرائيلية القائمة في الجولان؟ وما طبيعة العلاقة القائمة بينها وبين الأهالي؟

سلمان فخر الدين: أولاً: لا توجد علاقة وديـَّة، أحياناً هناك بعض علاقة عمل بين السكان والمستوطنين، المستوطنين لازالوا إلى الآن هم الأقلية، حسب برامج الاستيطان الإسرائيلية كان يجب أن يكون -في العام 88- 40 ألف مستوطن و20 ألف عربي، الآن نحن في حدود 20 ألف، والمستوطنين لازالوا أقل من 15 ألف مستوطن في الجولان، مسألة الاستيطان عانت من عائقين أساسين: العائق الأول هو العمل الفدائي اللي انتشر في الجولان بعد حرب 67 إلى العام 71، وفي العام 73 أيضاً تمَّ تهجير المستوطنين كلهم خوفاً من الحرب اللي حدثت!!
كل هاي المركبات أعاقت في حملات الاستيطان، يمكن اعتبار الاستيطان في الجولان يُدعم من الحكومة بشكل جيد، على الرغم من أن المستوطنين هم أقلية في الجولان لكن استهلاكهم للمياه، مياه الريَّ مثلاً أكثر من أربعة أضعاف استهلاكنا لمياه الريَّ، وكذلك مياه الشرب، بالإضافة إلى ضخِّ الأموال الإسرائيلية، وأحياناً الأميركية إلى الجولان لتدعيم الاستيطان!!
هنالك شركات أميركية تعمل في الجولان في مجال السياحة، لكن مع ذلك هذا المشروع أنا أعتبره فاشل ليس بالمعنى السياسي للفشل، هو فاشل أيضاً لأنه غير أخلاقي وغير قانوني، مقابل ذلك بعد الجولان عن المراكز الأساسية في إسرائيل أعطاها استثناءً ليس كالضفة، الضفة قريبة من تل أبيب مسافة 15 دقيقة سفر بالسيارة، لكن مع ذلك استطاعوا إنهم ينشؤوا مجموعة مشاريع ناجحة في الجولان استقطبت اهتمام اقتصادي إسرائيلي منها الحليب، منها صناعة اللحوم، لكن هذا الشيء يعيد الصورة إلى واقعها الحقيقي، احتلال الجولان هو واقع كولونيالي ذو طابع اقتصادي استثماري أساساً، وهذا ما ينفي طبيعة الحرب ذاتها في.. في 67، نحن نريد حماية مستوطني "سهل الحولى" لو كانت الحرب هي دفاعاً عن مستوطنات سهل الحولي لما زحف المستوطنون الإسرائيليون إلى الأراضي السورية بعد الحرب العالمية؟
الآن تخلق مشكلة أمن المستوطنات في الجولان.. سيستجلب احتلالات جديدة بذات منطق ال 67، لكن الآن يتعاملوا مع الجولان تعامل كولونيالي أبيض جداً تقليدي ونموذجي، كما كل المستوطنين في العالم.
محمد كريشان: سيد سلمان، أشرت إلى المستوطنات والعلاقة مع الأهالي، هل هناك بعض الأهالي الذين يعملون في المستوطنات على غرار ما هو معمول به في مناطق الضفة الغربية وغيرها؟

سلمان فخر الدين: بالتأكيد المستوطنات تشكل فرصة عمل لكل اليد العاملة في الجولان، وإحنا نعتمد على العمل في السوق الإسرائيلي، أكثر من نصف دخلنا الوطني في الجولان -إذا صح التعبير- هو العمل في المشاريع الإسرائيلية.
محمد كريشان: وهل هذا مُستهجن شعبياً أم لا، رغم إنه الفرصة الوحيدة تقريباً؟
سلمان فخر الدين: أعتقد هذا يحتاج إلى دراسة متخصصة في الطبقة العاملة والاغتراب، أن تبني بيتاً وأنت تكره أن تبني بيتاً!! هذا ما يعمله عمال البناء في المستوطنات سواء كانت في الجولان أو في المناطق الفلسطينية المحتلة، هذا ما يحدث اغتراب بين العامل وعمله.
محمد كريشان: يعني هل هذا الانخراط في أعمال البناء في المستوطنات منذ بداية الاحتلال، يعني هل كان هناك نوع من النفور في البداية ثم اضطر الأهالي باعتبار فرص العمل القليلة أم منذ البداية، يعني كيف كانت طبيعة العلاقة بين الأهالي والمستوطنات والعمل في المستوطنات؟
سلمان فخر الدين: هذه القضية مصدرها دخلنا من الزراعة، إحنا نحب الأرض كتير، إحنا أنشط منطقة عربية تحت الاحتلال الإسرائيلي تعمل بالزراعة وتستثمر في الأرض، لكن بالعشر سنوات الأخيرة أو ال 15 سنة الأخيرة بدأ مردود الأرض يكون أضعف، مع زيادة الضرائب الإسرائيلية على الأراضي، وعلى العمل، وعلى الأملاك، الشيء اللي بدأ يُحدث جيوب من الفقر في مجتمع الجولان، وبدأ يحدث ضرورة العمل في المشاريع الإسرائيلية، بلا شك في الجولان ربما استفدنا أيضاً من إغلاق السوق الإسرائيلي أمام العمال الفلسطينيين، نشأت الحاجة إلى مزيد من العمال استقدموهم من دول أوروبية وآسيوية مختلفة، لكن.. والحديث هنا عن كمٍّ قليل من السكان اللي هم 19 ألف، كانت الرغبة في التحول للزراعة، لكن في الزراعة نحن نواجه منافسه غير عادلة، نحن 20 ألف أو 19 ألف إنسان، والمستوطنين هم أقل منَّا، 4 % من المستوطنين هم مزارعين،يملكوا مساحة أوسع.. أضعاف ما نملك، ينتجوا أضعاف ما ننتج، يستهلكوا من المياه أضعاف ما نستهلك من المياه.
محمد كريشان: وسائل تقنية أفضل بالتأكيد يعني.
سلمان فخر الدين: ومساحات أوسع، تملكهم عبر الوكالة اليهودية أساساً جاء وأراضي مجانية تمَّ مصادرتها من سكانها الأصليين اللي طردوا منها، بالإضافة إلى التضييق على سكاننا إحنا، بالإضافة للتضييق على العرب المقيمين في الجولان في مجالات الزراعة ومجالات أخرى غير الزراعة، زراعة الأشجار، وهنالك قطعان البقر، هناك البقر الحلوب، هناك المداجن، الثروة السمكية، السياحة، كل هذا متوفر للمستوطنين، مع ذلك يقدم.. يضخ للمستوطنين دعم مالي في حدود 100 مليون دولار سنوياً لتدعيم الاستيطان في الجولان.
نحن لا نملك من هذا شيء، نحن نواجه الاقتصاد الإسرائيلي ونحن جزء منه، لا يمكن الحديث عن اقتصاد في الجولان لأننا جزء من العجلة الإسرائيلية، لكن نحن العجلة الأضعف والأقل مقاومة.
محمد كريشان: على ذكر السياحة، بحيرة طبرية لا تبعد كثيراً عن مرتفعات الجولان، وهناك حركية سياحية واضحة، هل امتدت هذه الحركية للجولان؟ يعني هل هناك أعداد وإن كانت قليلة تأتي هنا –على الأقل- من باب الفضول لمعرفة هذه المنطقة؟
سلمان فخر الدين: لأسباب تتعلق في الجمهور الإسرائيلي نفسه لا يوجد إقبال على المنطقة العربية للسياحة.
محمد كريشان: لكن حتى كسياح أجانب أقصد يعني.
سلمان فخر الدين: لا يقصدون قرانا لزيارتها، على الرغم نحن -أنت ذكرت طبرية- عندنا جبل الشيخ اللي هو طريقه تمرُّ من بلدنا، لكن السيَّاح الإسرائيليين بالتحديد لا يتوقفون نهائياً، بعضهم يتوقف على جانب الطريق في مطعم أو في استراحة، لكن هذا قليل جداً لا يمكن أن نتحدث عن سياحة عربية في الجولان أو منشآت سياحية عربية في الجولان، وهذا يعود إلى أسباب عديدة: منها عدم وجود بنية تحتية، عدم تشجيع الإسرائيليين لاستثمار من هذا النوع، حتى بتمويلنا المحلي، نحن نواجه حصار من هذا النوع في رقعة الأرض المخصصَّة للبناء، في رقعة الأرض المخصصة للخدمات، للأماكن العامة، لا يوجد في الجولان ولا في قرية ملعب أطفال، أماكن اللعب المفضلة للأطفال عندنا هي الشوارع، بينما عند المستوطنات ترى الحدائق الخضراء والمساحات المفتوحة والجو اللطيف هذا، لكن هنا أنا لا أتخلى عن الإنسانية، لكني أقول إن يستمتع طفل مستوطن إسرائيلي في هواء الجولان وأشجاره ومناظره على حساب عدد سكان الجولان.. لاجئي الجولان أو نازحي الجولان الآن حسب دراسات أجرتها السيدة رانيا قباني 500 ألف إنسان، بمعنى ينعم 14 ألف مستوطن تقريباً بما هو حق ل 500 ألف سوري في الجولان.
محمد كريشان: هذا الذين تركوا والذين.. الوضع الاقتصادي الخانق هل شجَّع المزيد من الأهالي على ترك الجولان؟ خاصة ربما من بين الشباب الذين لا يجدون فرص عمل مغرية؟
سلمان فخر الدين: نحن نعاني من حالة هجرة فردية فقط إلى الآن لم تصبح جماعية، جزء منها نتيجة رسوخ مفهوم الوطن، هنالك أكاديميين يعملون في الزراعة ويعملون في البناء في الجولان، بدل من التفتيش عن مواقع هجرة، اتنين طبيعة العلاقات الريفية القائمة في المجتمع تبقي الأسرة والعائلة الممتدة متماسكة أكثر، وهذا يشجع على.. ضد الهجرة، لكن هنالك حالات فردية بالآحاد من هاجروا من الجولان لحد الآن، نأمل إنه المستقبل بدأ يكون أكثر انفتاحاً وأكثر مفتوح هنالك تفاؤل.
محمد كريشان: على ذكر المستقبل، ربما هذا التفاؤل يعيده البعض- على الأقل- كصحفيين ومراقبين إلى إمكانية تحلحل الوضع مع مجيء إيهود باراك في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وما يعرف عن استعداده لتسوية معينة مع سوريا ومع لبنان، هل تقبل الرأي العام هنا في المنطقة بارتياح فوز باراك، وهناك نوع من التعويل على مستقبل أفضل؟

سلمان فخر الدين: إجمالاً ثقة الناس في العودة والتحرير ثقة لم تخضع لبورصة السياسة فيمن يفوز بالانتخابات، وهذا مثبت عندنا في الوثيقة الوطنية في العام 81، نحن عرب سوريين، وعلى الأرض أن تعود لسوريا طال الزمن أو قصر، ربما يكون –وهذا رأيي الشخصي- باراك لن يؤثر بشكل كبير على مستقبل المنطقة، السياسية الخارجية الإسرائيلية عادةً لا تتأثر في محاورها الأساسية بتبدل الحكومة، وهنالك صلف إسرائيلي، لكن باتجاه الموقف السوري لم تستطيع إسرائيل خرق الموقف السوري في أي من الزوايا، استطاعت الانفراد بالفلسطينيين عبر دهليز (أوسلو) الذي ثبت أنه مغلق، واتفاقية "العربة" والاتفاقيات اللاحقة، لكن الموقف السوري بدا أكثر تماسك، بدا أكثر وضوح، وبدأ يقتنع الجمهور في إسرائيل، كل إسرائيلي بدأ يقتنع إنه لا سلام بدون سوريا.
وإذا كان الإسرائيليين الآن يركزون على الجانب اللبناني أيضاً هنا يوجد قناعة إسرائيلية لدى الجمهور الإسرائيلي لا يوجد حل في لبنان بدون سوريا، من هنا نشأت الحاجة إلى حل مع سوريا، مضاف إلى ذلك أن الحل مهما يكن أنا أعتقد -وهذا رأيي الشخصي- سيبقى في صالح إسرائيل في النهاية، لأننا نتخلى عن فلسطين، عن الجزء الأكبر من فلسطين لدولة إسرائيل مقابل اعترافنا بدولة إسرائيل، وهذه مسألة جداً معقدة في الذهن العربي.
لكن مع ذلك هنالك -ما أنا أسميه- هنالك إجراء تصالحي مع إسرائيل أو فكرة التصالح مع إسرائيل، بدأت تتشكل لدى الإسرائيليين قناعة راسخة، لا يمكن دفع هذه العربة من الوحل بدون موافقة سوريا، وهنالك أيضاً قناعة -عندنا- راسخة جداً لا يمكن أن تقبل سوريا بأقل من عودة الجولان كاملاً مكملاً، وهذا ما قد ينجزه باراك قبل الآخرين بسنة أو سنتين، وهذا هو الفارق بين قيادة وقيادة.
لكن الإسرائيليين إلى الآن لازالوا متمسكين بشيء يعتبرونه شيء من الثوابت انسحاباً في الجولان وليس انسحاباً من الجولان، وهذه (فزلكات) لفظية لا تصلح في السياسة اتجاه هذا الموقف، لأنه إلى الآن الأكاديميات السياسية لم تنتج نظرية جديدة تقول بأكل الكعكة والحفاظ عليها معاً.
محمد كريشان: يعني هو بالتأكيد الحل سيصاغ من قبل المفاوض السوري والإسرائيلي بمجرد عودة المفاوضات، لا سيما وأن نسبة كبيرة من الحل تبلور على الأقل في عهد حزب العمل والمفاوضات السورية الإسرائيلية السابقة، ولكن المواطن العادي هنا في الجولان هل في ذهنه تصور ما لطبيعة هذا الحل؟ حل يبقي على المستوطنات، حل ينهي هذه المستوطنات وتسلم للأهالي، بعض الإجراءات الأمنية، الرادارات، محطات الإنذار المبكر، يعني هل للمواطن بعض الأفكار حتى وإن كانت سطحية أو عامة؟ هل لديه تصور لما يمكن أن تؤول إليه المفاوضات؟
سلمان فخر الدين: يمكن القول عن تصورين: التصور الأول أن الحكومة السورية هي صاحبة الشأن، وهي صاحبة القرار في هذا، التصور الآخر هو رؤيتنا لما قد ترضاه أو ترفضه الحكومة السورية، أنا لا أعتقد أن هنالك سوري واحد بما فيها الحكومة يرضى بوجود الاستيطان الإسرائيلي، حتى لو أراد السماح للإسرائيليين بالعودة للسكن في الجولان في ظل العلم السوري، هذا إجراء سيادي أن تسمح سوريا لعائلات يهودية أن تسكن في الجولان، أو تسكن في حمص، أو تسكن في دمشق، إذا نشأت ظروف سلمية، هذا شأن سيادي يخص سوريا وليس احتلالاً، لكن الاستيطان بقوة السلاح إجراء غير قانوني وإجراء غير شرعي، يجب أن يكون لاغياً مع الاحتلال نفسه، اتنين: لا يمكن أن نعتبر التصالح مع إسرائيل –اليوم بالتحديد- بعد أن استطاعت المقاومة اللبنانية أن تحدث توازن رعب مع العدو الإسرائيلي، استطاعت أن تفرض شيء من الحل في التوقيت، وليس صدفة أن باراك الآن يعد أنه خلال سنة سيتم الانسحاب من لبنان، أنا أعتقد ذات السنة –يمكن القول- ستعمل على تحريك شيء في الجولان.
محمد كريشان: يعني هذه الأجواء جعلت المواطن هنا أكثر تفاؤل من أي مرحلة في السابق؟ يعني أم ربما الأيام جعلته أكثر حذر في التعاطي مع أجواء التفاؤل عندما يقع الحديث عنها؟

سلمان فخر الدين: يوجد الآن ثورة حماس، لكن الحماس الجماهيري عندما تترجمه إلى جدول زمني أحياناً عامي يقول إنه المسألة مسألة أسابيع، لأنه هو بأسابيع يستطيع أن يظب أغراض البيت ويرحل من مكان إلى مكان، لكن الأمور ليست بهذه السهولة، لكن هنالك قناعة راسخة، وأنا أعتقد وطنياً كانت عندنا قناعة راسخة منذ اليوم الأول للاحتلال أن هذا الاحتلال زائل، وحتى الذاكرة لا زالت تحتفظ بشكـل –جداً- طازج بكل ذكريات قبل الاحتلال، وهنا يمكن القول إن نضال الجولان ضد الاحتلال الإسرائيلي تعمد بدم الشهداء، والجنود الأسرى اللي لا زالوا إلى الآن يقبعوا في باستيلات إسرائيل، وهم جزء من الحركة الوطنية الأسيرة، لا يمكن إلا أن تكون هذه المجموعة من شموع الحرية تهتك ظلام الاحتلال على طول سنوات الاحتلال.
ومن هنا مسألة التفاؤل -أنا قلت لك وهذا حقيقة- لم توجد في الجولان ولا مرة، لم تكن ولا مرة بورصة سياسية تؤثر فيها وجود حكومة ما في إسرائيل،لكن أحياناً الاحتلال كان يقع في أخطاء تكتيكية أن يهين السكان أكثر فكان هذا يسبب ثورات، ويسبب طفرات في العمل السياسي تبدو على شكل انتفاضة وانتفاضات متقطعة، لكن يمكنني القول إن النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي لم ينقطع يوم واحد في الجولان.
محمد كريشان: إذا أردنا أن نستبق الأمور قليلاً، ونعتبر بأن الانسحاب الإسرائيلي -لنقل- وشيك بدرجة أو بأخرى يعني حتى من الباب الافتراضي، يعني ما الذي استخلصه السكان -هنا في المنطقة- من هذه التجربة التي امتدت لأكثر من 32 عام الآن من الاحتلال؟ ما هي الدروس؟ ما هي العبر؟ هل أصبحتم تعرفون إسرائيل بشكل أفضل من السابق؟ هل أنتم قادرون على التعايش معها مستقبلاً في حدود الرابع من حزيران؟ ما الذي خرجتم به في النهاية أو ستخرجون به بالتأكيد؟
سلمان فخر الدين: مجموعة مفاهيم في السياسة: أهمها النزوح عن الأرض هو بداية ضياع حقنا على الأرض، وهذا ما يحدث في فلسطين 48، الآن لا يتحدث أحد عن اللاجئين، كذلك في الجولان، مسألة البقاء على الأرض والتضحية والبقاء مش مهم، وهذا عانت منه كافة حركات التحرير العربية، هنالك من نظر سوءاً إلى العرب الذين بقوا في أرضهم في فلسطين.
القضية الأخرى الصراع هو صراع إرادات، يجب عدم التخلي عن المبادئ في سبيل إنجاز بعض المكاسب، الآن نحن نواجه الشرق أوسطية التي يطرحها (بيريز) كل مشروع التصالح مع إسرائيل هو مشروع بجوهره يخدم المصلحة الصهيونية، إذا كانت إسرائيل استطاعت خلال الخمسين سنة الأولى من حياتها أن تثبت أمن الدولة الإسرائيلية، فهي تعمل الآن إلى السلام -بين مزدوجين- لتثبيت أمن المواطن الإسرائيلي، إسرائيل إلى الآن -والغرب يدعم إسرائيل- لم تهتم إلى الآن بشأن الإنسان العربي، والمواطن العربي، والحق العربي، كل ما يجري السعي إليه الآن هو المصلحة الإسرائيلية، والمواطن الإسرائيلي، والمستقبل الإسرائيلي، أحياناً.. أحياناً يكون هذا الطرح مقبول علينا نتيجة حالة الضعف التي نعاني منها.
لكن هنا يمكن القول إن طبيعة الأشياء هي أن تلجأ الشعوب أو تسعى الشعوب إلى العيش السلمي فيما بينها، لأنه الحرب لا يمكن أن تدوم لمئات السنوات، وعلى إسرائيل أن تفهم ذلك، لكن على إسرائيل أن تفهم حقيقة أخرى -هي جغرافية- إذا أرادت إسرائيل إجراء تعديل على حدود الهدنة عام 49 نتيجة امتلاكها للقوة، هذا يعطينا الحق بتعديل اتفاق الحدود القائم حالياً بعد خمسين سنة لأننا نمتلك القوة، بمعنى أن التصالح الآن أو المسيرة التصالحية مع إسرائيل الآن في جوهرها هي بصالح إسرائيل.
محمد كريشان: يعني هذه الأجواء مع قرب الحل هل -برأيك- يمكن أن تعطي نوع من الطفرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الجولان؟ هل يمكن أن نشهد ربما حركة عودة لبعض الأهالي، حركة بناء أكثر نشاطاً من السابق؟ هل بدأ نوع من التهيؤ على الأرض لمرحلة مختلفة عن السنوات القاسية الماضية؟
سلمان فخر الدين: على المستوى الاقتصادي يمكن تلخيص موقفنا، نحن نحتاج ما ستوفره لنا سوريا، إسرائيل تمنع عنا حاجاتنا من الأرض والمياه الآن بفعل وجودها على الجولان، الرغبة عندنا أن نكون مزارعين، وأن نكون فلاحين بسطـاء نعيش على أرضنا ونفلح أرضنا إسرائيل.. تمنعنا من ذلك، يوجد في إسرائيل عداء راسخ للفلاح، بينما في سوريا الفِلاحة تُشجع كأحد الخيارات الوطنية.
من هنا -نحن مستقبلنا- لم يعد أي شئ ينتظرنا في ظل الاحتلال الإسرائيلي إلا التحرير، لكن ككل الخلاص من الاحتلال الصورة وردية جداً، لا أعتقد بالتحديد أين ستصاب الصورة بالخلل؟! لابد أن يكون الواقع شيء مختلف، لكن لا يمكن أيضاً التأثير على ثورة الحماس عند الجمهور، لأن المستقبل.. خاصة وأن هنالك واقع إنساني سيئ في الاحتلال بفصل العائلات.. ربما نكون شفنا اليوم كيف تتحدث العائلات بمكبرات الصوت وكيف ترى بعضها بالمنظار، هذا واقع إنساني جداً أليم!!
محمد كريشان: شكراً لضيفنا سلمان فخر الدين (أحد القيادات السياسية هنا في الجولان السورية المحتلة)، وقد خضنا معه في قضية الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، والآفاق التي ربما ستصبح متاحة مستقبلاً إذا ما سارت الأمور بشكل جيد، السيد سلمان، شكراً جزيلاً.
سلمان فخر الدين: نأمل ذلك، شكراً.
تاريخ الحلقة: 17/08/1999
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات