بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
الصراع الإسرائيلي- العربي رؤية شاملة لتاريخ فلسطين:
  08/05/2007

الصراع الإسرائيلي- العربي رؤية شاملة لتاريخ فلسطين:
 
     يعود تعبير"فلسطين" إلى الفترة اليونانية-اللاتينية القديمة. ويدل على المعرفة التي استطاع اليونانيون تحصيلها عن تلك المنطقة، والمتمثلة في آن منطقة الساحل الصخري كانت مسكونة منذ نهاية الآلف الثانية قبل المسيح بالفلسطينيين، بينما كانوا يجهلون أن مناطق الداخل كانت مسكونة بشعوب تتحدث لغة سامية يسمون عادة بالكنعانيين.كان العبرانيون يشكلون جزءاً من هذه الشعوب، وكانوا يقيمون على جانبي نهر الأردن. تغيرت المساحة الجغرافية التي شغلوها تبعاً للحقب، إذ تقلصت أحياناً واتسعت أحيانا أخرى حسب ميزان القوى بين الدول المحلية الصغيرة.
أدى نفي اليهود إلى بابل انطلاقاً من القرن السادس قبل الميلاد إلى ولادة الشتات "الدياسبورا" اليهودي، في منطقة ما بين النهرين أولاً ثم على طول الشواطئ المتوسطة. لقد ظهرت دولة عبرية ثانية في الحقبة الهيلينية- اليونانية- لكنها لم تنجح في لم جميع سكان المنطقة الفلسطينية في شعب متجانس مما أدى غلى توترات كبيرة بين مختلف المجموعات البشرية. زادت أعداد الشتات اليهودي دائماً لأسباب اقتصادية- أصبحت المنطقة أرضا للهجرات- آو بسبب اعتناق اليهودية التي كانت الدين التوحيدي المفتوح للتبشير الديني لدى غير اليهود.
أدى النزاع مع روما وحركات التمرد  في القرنين الأول والثاني الميلاديين إلى نهاية الوجود السكاني لليهود في منطقة القدس. لكن بقي لليهودية الحضرية والزراعية وجود في مناطق شمال فلسطين وخاصة في منطقة الجليل. ثم أنهى اعتناق السكان اليهود في فلسطين واصبح يهود الشتات هم الذين يمثلون أساساً العالم اليهودي. وعندما جاءت الفتوحات العربية في القرن السابع كانت فلسطين مسيحية بصورة شبه كاملة.
حلَ العرب في فلسطين منذ قرون بعيده إذ كانوا يرتحلون أو يتاجرون على طول نهر الأردن قبل ميلاد المسيح. قامت الدول العربية في شرق الأردن وخاصة في البتراء ثم قامت إمارة الغسانيين المسيحية في الحقبة البيزنطية. انتشر الإسلام بسرعة ومعه اللغة العربية عبر اندماج أولئك الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً مع البائل العربية الفاتحة وتبنيهم لسلالة نسبهم. لم يعتنق جميع الفلسطينيين الإسلام إذ بقيت نسبة تقارب %10 من السكان تدين بالمسيحية وخاصة بالمذهب الأرثوذكسي- اليوناني إلى القرن العشرين، وكان هؤلاء المسيحيون العرب يقولون بانتمائهم إلى فترة ما قبل الإسلام. أما عملية التعريب اللغوي والثقافي فقد كانت كاملة.
شهدت الفترات اللاحقة تحركات سكانية كبيرة خاصة مع الحروب الصليبية والإقامة المنتظمة للبدو القادمين من شبة الجزيرة العربية حتى مطلع القرن التاسع عشر. وأنة لمن الصعب كثيراً التحديد الدقيق عما إذا كانت هناك استمرارية كاملة لا انقطاع فيها في مسألة أعمار البلاد بالسكان منذ القديم حتى ألان، لكن من المؤكد أن الأعياد الإسلامية الكبرى المحلية تكرم أنبياء اليهودية القدامى مثل موسى، وأن القدس قد أصبحت ثالث مدن الإسلام المقدسة إلى درجة أنها أضاعت تسميتها الأساسية وأصبحت تدعى بيت المقدس. إن احتفظ الثقافة الشعبية بتلك الذكريات المتجددة للحقب النورانية عبر الرواية الإسلامية للأحداث يمكن تفسيره بتواجد الأماكن المقدسة للأديان التوحيدية الثلاثة، وكذلك بدوام طقوس وتقاليد عب آلفي عام من الزمن وتعاقب الديانات السماوية.
شكلت فلسطين جزءاً من بلاد الشام في العهد العثماني. وكانت تعبيراً جغرافياً غير محدد المعالم استخدمه الجغرافيون الغربيون وحافظا عليه. ظهر ذلك التعبير في اللغة العربية في القرن التاسع عشر حيث تمَ آخذه عن الغرب كما كان الآمر بالنسبة لتعبير سوريا. لكن الظروف السياسية ساهمت بخلق كيان فلسطيني حقيقي حيث شكلت المنطقة الإدارية لدمشق الممتدة على طول غور نهر الأردن حتى البحر الأحمر حدودا شرقية لفلسطين، وكونت منطقة جبل لبنان المستقلة ذاتياً وولاية بيروت الساحلية حدودها الشمالية، كما تم تكريس حدودها مع مصر دولياً عام 1907، ودعت مسألة الأماكن المقدسة العثمانيين إلى ربط القدس وجنوب فلسطين مع عاصمة الإمبراطورية مباشرة. لقد أبرزت الطقوس الإسلامية المحلية وطقوس النبي موسى وجود شخصية فلسطينية متميزة.
على الصعيد الاقتصادي والديموغرافي، أوضح تاريخ فلسطين وجود دورة ديموغرافية خاصة محددة بالعلاقة مع البدو. إذ كان هؤلاء الرحّل يحّلون في كل مكان ويطغون على الفلاحين ويحدَون من زراعات الحضر فيتضاءل عدد السكان ؛ كل هذا عندما تكون السلطة ضعيفة. بالمقابل عندما تكون هذه السلطة قوية، يتم دحر البدو أو توطينهم فتتوسع الزراعات ويزداد عدد السكان بسرعة . لقد شهدت المنطقة فترة ازدهار كبيرة أثناء الفتح العثماني في القرن السادس عشر بينما ضغطت الأزمة في القرن السابع عشر . وكانت المرحلة النصف الثاني من القرن الثامن عشر فترة تجديد اقتصادي مع تصدير القطن والتبغ نحو أوروبا ، كما كانت فترة تزايد سكاني هام. لكن مرور الفرنسيين عام 1799 والفوضى السياسية التي ولَدها أديا إلى حالة من الانفلات والجمود الاقتصادي استمرت طيلة النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولم يستتب النظام والسيطرة على البدو إلا مع العثمانيين في حوالي عام 1850. أستقر عدد السكان في سنوات 1850 وفي مطلع سني الستينات على ما يقارب 350,000 نسمة بينهم 30% في التجمعات المدينية الإحدى عشر. وكان توزيعهم الطائفي كالتالي: 85% مسلمين،  11% مسيحيين، 4% يهود. إن تدعيم السلطة العثمانية منذ أواسط سني الستينات والتكامل الاقتصادي المتنامي في السوق العالمية بفضل توسع زراعة الحمضيات ، أدَيا إلى زيادة سكانية كبحتها حروب البلقان 1876-1878 التي تسببت بمقتل أكثر من 10,000 جندي دون أي تغير يذكر في نسبة التوزع الطائفي أو في التوزع الديموغرافي بين المدن والأرياف. سمحت هذه الزيادة السكانية الكبيرة باستصلاح أراضٍ جديدة للزراعة في الوقت الذي وصل فيه المستوطنون الصهاينة الأوائل.

فلسطين 1945-1947
التدخل الأمريكي:
 

أبدى حزب العمال البريطاني تعاطفه غالباً مع الحركة الصهيونية عندما لم يكن في السلطة. لكن سرعان ما أدرك وزير الخارجية البريطاني الجديد "أرنست بوفان" تعقيد المسألة الفلسطينية . لقد قرر، بعد استشارة الخبراء، متابعة سياسة "الكتاب الأبيض" لعام 1939 والمتمثلة في اعتبار أن فلسطين تبقى، في حال الجلاء عن قاعدة السويس، المكان الوحيد الذي يمكن تركيز الاحتياط البريطاني فيه في منطقة الشرق الأوسط المهددة، كما يبدو، بالتوسع السوفييتي. لنفس السبب أيضاً، ينبغي مصالحة الدول العربية وعدم الخضوع أمام المطالب الصهيونية. لكن حاجة بريطانيا للقروض الأمريكية كانت تزداد أكثر فأكثر، على الأقل من أجل تأمين الغذاء لقاطنيها . إنها لم تعد قادرة على أن تتخذ القرارات بمفردها كما كان الأمر عام 1939 ، بسبب واقع أنها أصبحت تابعة.
إن المسائل النفطية ومسؤوليات الولايات المتحدة العالمية الجديدة دفعتها إلى الاهتمام بالشرق الأوسط . تاريخ الاتصال الحقيقي يعود لعام 1945 حيث التقى روزفلت، عندما كان في طريق العودة من يالطة، مع ابن سعود وفاروق وتبادل الرسائل مع رؤساء الدول العربية. والتزام الرئيس الأمريكي المؤيد علانية حتى ذلك التاريخ للصهيونية بعدم القيام بأي عمل يمكن أن يساعد اليهود ضد العرب ويكون معادياً للعرب.
عندما وصل ترومان للسلطة أعلن مثابرته على السياسة التي رسمها روزفلت لكن بصيغة مصالحة مثيرة للشكوك بين التصريحات العلنية المؤيدة للصهيونية والتطمينات الخاصة للعرب بعدم القيام بأي عمل دون استشارتهم. كان الرئيس الجديد متأثراً بالفعل من المصير الرهيب للشعب اليهودي إثر مجزرة الحرب العالمية الثانية. لكن ترومان كان رجل سياسة قليل الشهرة في مواجهة معارضة سياسية نشيطة، لذلك كان بحاجة إلى أصوات اليهود التي يمكن أن يكون لها وزناً حاسماً إذا كانت موازين القوى الانتخابية متقاربة القوة. بنفس الوقت، دفعت وزارة الخارجية الأمريكية، من جهتها نحو سياسة تصالحيه حيال الدول العربية بسبب مخاطر التوسع السوفييتي في الشرق الأوسط وللدفاع عن مصالح الشركات النفطية الأمريكية. لكن العرب لا يملكون حق الانتخاب في الولايات المتحدة على حد قول ترومان لدبلوماسيين أمريكيين.
طلب ترومان منذ شهر يوليو - تموز 1945 ، من الإنكليز أن يمنحوا 100000 وثيقة هجرة لفلسطين خاصة بأشخاص مهّجرين يهود في أوروبا. رفض الإنكليز ذلك واقترحوا على الأمريكيين المساهمة في حفظ الأمن في فلسطين وفهم المشاكل المطروحة بصورة أفضل. لم يلق هذا الاقتراح أذاناً صاغية لدى ترومان الذي نقل إلى العلن في شهر أيلول 1945 ضمن إطار حملة الانتخابات لبلدية نيويورك . قلقت الدول العربية بسبب عدم احترام الوعد بالاستشارة المسبقة. وفي شهر أكتوبر-تشرين أول اقترح بوفان تشكيل لجنة تقصّي إنكليزية-أمريكية حول مصير اليهود في أوروبا. تشبث ترومان بالاقتراح ووسّع مجال عملية التقصّي بحيث تشمل إمكانية الهجرة اليهودية خارج أوروبا وخاصة إلى فلسطين.
استمرت عمليات استقصاء اللجنة من شهر يناير- كانون الثاني حتى شهر أبريل- نيسان 1946. وانتهت إلى ضرورة بقاء الانتداب أو فرض وصاية الأمم المتحدة على الأراضي الفلسطينية المترفقة بنفس الوقت مع إبطال القسم الأكبر من قرارات " الكتاب الأبيض". أجاب الإنكليز بضرورة مساهمة الأمريكيين المالية والعسكرية بتيسير الأمور الفلسطينية. وأعلن بوفان بتاريخ 12 يونيو-حزيران1946  بأن إلحاح الحكومة الأمريكية على حرية الهجرة إلى فلسطين يرتكز على رغبة الحد من هجرة اليهود إلى الولايات المتحدة. هاجمت الصحافة الأمريكية الوزير البريطاني واتهمته بمناهضة السامية، بينما أعلن ترومان أن الولايات المتحدة ترفض إدارة شؤون فلسطين وحدها أو مشاركة الإنكليز. هكذا كان الطريق مسدوداً بالكامل.
أقترح الإنكليز في شهر تموز 1946 خطة تقسيم فلسطين إلى مقاطعات مستقلة ذاتياً بحيث تبقى المصالح الجماعية خاضعة لإدارة قوة الانتداب ( تقرير موريزون-غرادي). مال ترومان إلى قبول المشروع البريطاني. لكن الصهاينة الأمريكيين مارسوا ضغوطاً كبيرة على الرئيس. قام بوفان بعقد مؤتمر في لندن بقصد التفاوض حول مستقبل فلسطين مع العرب والصهيونيين. اصطدم الإنكليز بالرفض الكامل لمقترحاتهم من قبل الدول العربية وبدأوا بالتفاوض مع الصهيونيين. لكن في الرابع من شهر تشرين أول 1946، أي يوم عيد الغفران (الكيبور) اليهودي، وقبل شهر من انتخابات الكونغرس الأمريكي، أعلن الرئيس ترومان موافقته على تقسيم فلسطين بين اليهود والعرب مما نسف المحاولات البريطانية للوصول إلى مصالحة.
في شهر شباط 1947 قام بوفان بمحاولة أخيرة قائمة على أساس الحرية الكاملة لهجرة اليهود مقابل استقلال فلسطين الموحّدة خلال فترة خمس سنوات. فقدّم الصهيونيون مشروعاً لتقسيم فلسطين يعطيهم القسم الأكبر من البلاد وطلب العرب الاستقلال الفوري لفلسطين الموجّدة.
قرر بوفان إحالة الملف الفلسطيني أمام الأمم المتحدة بتاريخ 18 شباط 1947، بالرغم من معارضة المسؤولين العسكريين الذين ارتقبوا خطراً استراتيجياً في التخلي عن فلسطين.

الوضع في فلسطين:

 كان بن غوريون مقتنعاً كل القناعة منذ نهاية الحرب بأن النضال ضد الإنكليز ولاحقاً ضد العرب واقع لا محالة. في شهر تشرين أول 1945 أعطى الأوامر لـ " الهاغانا" للقيام بعمليات تخريب. بينما كان يفترض أن يظل "الإرهاب " من اختصاص مجموعتي "شتيرن" و "أرغون" ، هذا على الرغم من أن عمل مختلف المنظمات كان منسقاً على أعلى مستوى, وتوجب على الإنكليز أن يزيدوا عدد قواتهم المرابطة في فلسطين من 50000 رجل عام 1945 إلى 80000 رجل عام 1946 وإلى 100000 رجل عام 1947 وذلك من أجل وضع حد لتلك الهجمات التي كانت تستهدف خاصة شبكة المواصلات ( طرق، سكك حديد ).
أثقل ذلك الجهد كثيراً على اقتصاد بريطاني مُخرب بسبب الحرب وعلى بلد يرى بأن التهديد الأكبر يتواجد في أوروبا مع بدايات الحرب الباردة . أصبح من العبث تقديم مثل ذلك الجهد في الوقت الذي أعطت فيه إمبراطورية الهند الاستقلال دون مقاومة عملياً.
رد العسكريون البريطانيون على عمليات المنظمات اليهودية بأعمال التمشيط واستجواب بحثاً عن الأسلحة. ووضعت موضع التنفيذ مجموعة من التشريعات الاستثنائية واستؤنف العمل بالتشريعات التي طُبقت ضد العرب في الفترة الواقعة بين 1936و1939 والقاضية بسجن الأشخاص لعدة شهور دون محاكمة إذا تم اعتبار أنهم يشكلون خطراً على الأمن.
ردت المؤسسات الصهيونية على الإجراءات الإنكليزية بسياسة عدم التعاون مع السلطات . وانسحبت حركة "الهاغانا" اعتباراً من شهر يونيو- حزيران 1946 من العمليات الحربية واكتفت بتنظيم الدعاية مثل قضية "اكزودوس" والهجرة السرية . سمح ذلك الانسحاب باستئناف المفاوضات بين الإنكليز والمؤسسات الصهيونية الرسمية.
تابعت المنظمات الرجعية عملها ، فبتاريخ 22 يوليو - تموز  1946 فجرت مجموعة "أرغون" قسماً من فندق الملك داوود في القدس الذي كان قد أصبح قصر القيادة العامة للجيش البريطاني. وسبب الانفجار مقتل 92 شخصاً ( لا يعرف إذا كان قد أُعطي الإنذار بوقوع الانفجار في وقتٍ كافٍ أم لم يعط أي إنذار). ساد مناخ حقيقي من الكراهية بين الجنود البريطانيين والسكان اليهود . وأصبح العنف واقعاً يومياً . كما أن السلطات البريطانية حكمت بالموت على نشيطي " أرغون" الذين قتلوا جنوداً  أو موظفين بريطانيين ، فردت منظمة مناحيم بيغن بالقيام بعمليات احتجاز  رهائن واحتجاز سجناء . بنفس الوقت تم إرسال طرود بريدية ملغمة في أوروبا وبريطانيا موجهة إلى المؤسسات الرسمية البريطانية.
كان فشل السياسة البريطانية على أرض الواقع واضحاً . إذ أصبحت مهمة الحفاظ على الأمن أكثر وطأة ولا تتناسب مع الوسائل والمصالح البريطانية ، الأمر الذي يفسر إرسال الملف إلى الأمم المتحدة.
كان عرب فلسطين منقسمين بين مؤيدي مفتي القدس وخصومه . وجعلت ذكريات العنف التي شهدتها أعوام 1936-1939 المصالحة مستحيلة. في عام 1945 , كان المفتي لا يزال في أوروبا حيث يقيم في مكان يحرسه الفرنسيين الذين رفضوا الطلبات الإنكليزية بتسليمه. هيأت مجموعة "أرغون" عملية انتحارية " كوماندوس" لاغتياله، لكنه نجح في النجاة في شهر مايو- أيار 1946؛ ربما حدث الأمر بتواطؤ من السلطات الفرنسية التي رفعت تقريباً جميع إجراءات الأمن . لجأ المفتي إلى مصر واستأنف الإشراف على منظمته " اللجنة العربية العليا" .
اهتمت الجامعة العربية منذ نشوئها بالمسألة الفلسطينية . واعتبرت أن " الكتاب الأبيض " الصادر عام 1939 يشكل مرحلة انتقالية نحو إقامة دولة فلسطينية موحدة ذات غالبية عربية. لقد كلفت موسى العلمي ، الشخصية السياسية الحيادية والذي حظي بتقدير الجميع , بتمثيل فلسطين. اقترح رجل السياسة الفلسطيني " البراغماتي"  سلسلة من الإجراءات ترمي إلى مساعدة السكان العرب في مواجهة التفوق الاقتصادي للمستوطنات اليهودية. خربت عودة المفتي جهود العلمي إذ تم الاعتراف بأمين الحسيني كناطق رسمي باسم الفلسطينيين في مؤتمر بلودان ( في سوريا ) في شهر يونيو- حزيران 1946.
لعبت الدول العربية دوراً في السياسة الدولية. ومارست ضغطاً على الإنكليز والأمريكيين .لقد فاجأها تطور السياسة الأمريكية في ظل ترومان لأنها آمنت بالالتزامات التي قطعها روزفلت عام 1945.
حافظ السكان العرب على هدوئهم طيلة فترة 1945-1947 بينما تضاعف العنف بين الإنكليز والصهيونية. كان الانقسام السياسي في ذروته . اجتمع المتشددون خلف المفتي بينما حاولت بعض مجموعات اليسار التي ظهرت حديثاً في الأوساط المدينية , الوصول إلى اتفاق تصالحي مع الصهيونيين. عارض بن غوريون من جهته أية مفاوضات يمكن أن تؤدي إلى قيام فلسطين مزدوجة القومية. أما خصوم الحسيني فقد تحولوا نحو ملك شرق الأردن عبدا لله الذي وجد في القضية الفلسطينية وسيلة تحقيق المرحلة الأولى من مشروعه للوصول إلى سوريا الكبرى. لقد اعاد تأكيد سراً للسلطات الصهيونية بخصوص مشروعه في تحقيق قدر كبير من الاستقلال الذاتي اليهودي في مملكته العربية الكبرى. وعرض اعتباراً من عام 1946 فكرة التقسيم الوادي لفلسطين بين الصهيونيين والأردنيين. وإذا كانت الاتصالات قد استمرت بين الملك والوكالة اليهودية، فأنة لم يتم التوصل إلى اتفاق . شك المفتي والدول العربية بنوايا الملك عبدالله وقرروا الوقوف بوجهها بجميع الوسائل.
الحرب الفلسطينية:
كانت الأمور واضحة بالنسبة للمفتي: استقلال فلسطين العربية يمر عبر النضال ضد الدول العربية وفي مقدمتها الأردن كما ضد الصهيونيين. واعتقد أنه يستطيع الوقوف أمام مشروع التقسيم ظناً منه آن ميزان القوى الذي شهدته أعوام 1939-1936 لا يزال قائماً.
أعطى المفتي الأمر بإضراب عام في مجمل فلسطين في الأول من شهر كانون أول 1947. وترافقت تلك الحركة مع صدمات عنيفة مع السكان اليهود، فالصهيونيون بينهم أيضاً متطرفون. أما المنظمات الرجعية اليهودية التي تطالب بمجمل ارض فلسطين الكبرى التي تضم شرق الأردن فقد رفضت خطة التقسيم وأملت الاستفادة من الوضع من أجل الاحتجاج على تقسيم الأرض. ساد العنف طيلة شهر كانون أول ليطال المراكز المدينية الساحلية والقدس حيث يتمركز في هذه الأخيرة أنصار المفتي. وكان أحد أحفاده، عبد القدر الحسيني، هو الذي يقود العمليات في تلك المنطقة. أما في شمال البلاد فقد آخذت قوة عربية من المتطوعين، تابعة للجامعة العربية ويقودها فوزي القاوقجي، مواقعها في شهر كانون ثاني 1948. والقوقجي هو بطل النضال من أجل الاستقلال العربي. وهو ضابط سابق في القوات الخاصة في المشرق وكان أحد قادة الثورة السورية الكبرى 1926-1925 (الحرب المسماة بحرب الدروز)، ثم أحد قادة الانتفاضة الفلسطينية 1938-1937 . ولقد قاتل إلى جانب قوات فيشي ضد الإنكليز والديغوليين عام 1941 قبل أن يلتجأ إلى ألمانيا. كانت علاقاته مع المفتي متواضعة ولم يكن هناك أي مجال للتنسيق بين القوتين العربيتين غير النظاميتين.
كانت استراتيجية الحسيني بسيطة وتمثلت في ضرورة الاستفادة من تناثر المستوطنات اليهودية لقطع وسائل اتصالاتها. وكانت قواته متواضعة ولا تضم سوى 2000 إلى 3000 بالإضافة غلى حوالي 5000 من المتطوعين العرب، خاصة من الأخوان المسلمين. كان الصهيونيون يمتلكون قوات يصل عددها إلى ضعفين آو ثلاثة أضعاف. وبشكل عام ساهم السكان الفلسطينيون بشكل اقل بكثير منن مساهمتهم في معارك 1939-1936. وفضلوا محاولة الإبقاء على الاتفاقيات المحلية حول عدم الاعتداء.
اختار الصهيونيون، في البداية البقاء في موقع الدفاع إذ خشوا تدخل القوات البريطانية المنسحبة والتي كانت تمنع بصورة دائمة دخول المهاجرين اليهود. مع ذلك قامت منظماتهم بأعمال رد عنيفة إذا استخدمت مجموعة شتيرن للمرة الأولى في الشرق الأوسط أسلوب السيارات المفخخة في شوارع يافا بتاريخ كانون الثاني 1948. ومنذ شهر شباط 1948 تفوق الصهيونيون، وهرب قسم من السكان العرب قاطني التجمعات السكانية الساحلية الكبرى خوفاً من المعارك، خاصة من أبناء الطبقات الميسورة ومن النساء والأطفال. كانت تلك هي الدفعة الأولى من النازحين الشبيهة بحركة الهجرة التي شهدتها فترة 1939-1936، لكن لم يكن بادياً في تلك الحقبة بان هناك سياسة مرسومة مسبقاً للطرد.
فكَر الأمريكيون أمام اتساع رقعة الاضطرابات بتن إعادة نظام الوصاية قد يكون حلاً أفضل بالنسبة للمستقبل (يمكن ممارسة الوصاية مباشرة من قبل الأمم المتحدة، على عكس الانتداب). لم يبرح القلق وزارة الخارجية الأمريكية حيال علاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي. ورأت آن نفط الشرق الأوسط يشكل ضرورة أكيدة للنهضة الاقتصادية في أوروبا كما رسمتها خطة مارشال. لكن ترومان كان بحاجة لأصوات اليهود بصورة مستمرة من أجل الفوز في الانتخابات القادمة مما حدا به آلي نقد مبادرات الدبلوماسية الأمريكية عندما كانت تبدو وكأنها تذهب بعيداً باتجاه العرب، مع العالم أنه كان من مؤيدي تلك الدبلوماسية سابقاً. لقد رد مستشار البيت الأبيض على الحجج الدبلوماسية بالقول بأن الدول العربية المصدرة للنفط ترتبط بالغرب فيما يتعلق ببقائها الاقتصادي والسياسي وليس هناك ما يثير القلق من أي استخدم محتمل لسلاح النفط.
أما بالنسبة للسلطات الصهيونية فقد كان مطلبها هو الفوز في حرب العصابات قبل التدخل المحتمل للدول العربية. كان ذلك هو هدف خطة"داليت" التي كانت تقتضي إحلال السلام في مناطق الاستيطان اليهودي، مما يعني في الواقع استسلام القرى العربية وطرد السكان وتهديم المنازل. كان المدلول الأساسي للخطة يتمثل في إنهاء القوى المعادية داخل المنطقة المشمولة بمشروع التقسيم وفي المناطق التي يمكن ضمها فيما بعد، كان ينبغي تامين تواصل جغرافي للمجال اليهودي الذي كان بصدد التشكل وضمان إمكانية إيجاد حدود آمنة بالنسبة للدولة القادمة. كان ينظر لجميع السكان على انهم أعداء، ولذلك تم إلغاء اتفاقيات عدم الاعتداء. وقام المسؤولون الصهيونيون بالتحضير لعملية ضم أراضٍ إضافية بحجة أنها ضرورية لمسألة الأمن، هذا على الرغم من تأكيدهم المستمر على تمسكهم بمشروع التقسيم. كان إيغال يادين صاحب خطة "داليت" هو نفسه رئيس عمليات "الهاغاناه" التي كان يفترض آن تتم قبل 15 أيار 1948 تبعاً لانسحاب القوات البريطانية. كان هدف خطة داليت "عسكرياً" في الأساس، فهي ليست خطة سياسية لطرد السكان العرب. لكنها كانت تتضمن ذلك، عملياً، دون أن يستهجن ذلك أحد على مستوى السلطات آو على مستوى منفذي العمليات. لم تكن هناك على الأغلب حاجة لتنفيذ أوامر الطرد ضمن المقياس الذي دفعت فيه المعارك السكان الفلسطينيين إلى الهرب.كما لا يمكن الحديث بالنسبة لتلك الفترة عن سياسة طرد مبرمجة سابقاً ومنسقة من قبل مختلف مراكز القرار الصهيونية.
بدأت العمليات في مطلع شهر نيسان وأحرزت نجاحاً كبيراً. كما أدى رحيل القوات البريطانية وهرب الأعيان الفلسطينيين إلى تسارع تفسخ المجتمع الفلسطيني. كان لدى السكان إحساس عميق بأنه قد تم التخلي عنهم وانهم قد تركوا دون سلاح في مواجهة القوات الصهيونية. زاد انهيار الاقتصاد واضطراب النظام العام في المدن من البلبلة بين السكان. لقد فوجئ المسؤولون الفلسطينيون  والعرب من حجم الهجرة الجماعية للمدنيين. وحاولوا أن يكبحوا تلك الهجرة أو أن يجعلونها تقتصر على الأقل على النساء والأطفال والشيوخ. فهم آل الحسيني أن  المعركة مع المستوطنين اليهود خاسرة وأنه لم يبق لهم أمل إلا عبر تدخل الدول العربية. في نهاية شهر نيسان بدأت الدول العربية تدرك الخطر الذي يشكله عليها تخلي السكان الفلسطينيين عن أرضهم فأمرت بالصمود وبالعودة.
كانت "طبريا" هي أول بلدة عربية تسقط بتاريخ 17 نيسان، وهرب سكانها. أما الصدمة الكبرى فقد جاءت من احتلال حيفا التي بدأ الهجوم عليها بتاريخ 22-21 نيسان ثم سقطت بعد قصف مدفعي غزير. بدأ النزوح قبل الهجوم وحصل الأعيان على الحماية البريطانية لتأمين رحيلهم. وحاولت السلطات المدنية الصهيونية مثلما كان الأمر في الحالات الأخرى، الـوصول إلى مصالحة بينما أيدت وحدات الهاغاناه سياسة متصلبة حيث كانت تسيطر على الوضع بواسطة فرض القوانين العرفية. لم يكن لسكان المدينة الحق بالعودة إلى منازلهم المتروكة لأخذ حاجياتهم. تحسن الوضع قليلاً في نهاية الشهر. وقام أفراد وحدات "الهاغاناة" دون أن يتلقوا الأوامر، بإرهاب السكان لدفعهم إلى الرحيل. لم يبق في مدينة حيفا، في مطلع شهر أيار، سوى ثلاثة إلى أربعة الاف عربي من مجموع سكان بلغ تعدادهم 70000 نسمة، أي ما يعادل حوالي %10 من مجموع اللاجئين الفلسطينيين. رأى بن غوريون في هرب السكان العرب حجة شرعية لاستملاك الأراضي من قبل اليهود.
وفي يافا، حيث جرى الهجوم بتاريخ 25 نيسان بقي ما بين 50و60 ألف عربي من أصل 70 إلى 80 ألف من السكان الأصليين. لم تتوقع قوات " الهاغاناة" قيام معارك في المدينة وضواحيها إذ اعتبرت بأن عملية الحصار قد تكون كافية. منظمة "أرغون" هي التي قامت بالهجوم وقصفت السكان. لقد تم دحرها، لكن معنويات السكان كانت منهارة اثر سقوط عدد كبير من الضحايا في صفوف المدنيين. اتهمت الدول العربية الإنكليز بالتواطؤ  مع الصهيونيين لطرد سكان حيفا. وثار "بوفان" ضد السلطات العسكرية البريطانية التي شك بأنها أفسحت المجال لقيام المجازر ضد السكان العرب، الأمر الذي أثار حنق " مونتغمري". وقرر الإنكليز اثر هذه الأزمة الصغيرة التدخل لإنقاذ سكان يافا. وتوصلوا تحت ضغط التهديد بالتدخل إلى دفع "أرغون" للتراجع عن مواقعها المتقدمة. لم ينجح الإنكليز في وقف الهجرة الجماعية إذا استولت بنفس الوقت قوات"أرغون" و"الهاغاناة" على القرى المجاورة مما استدعى هرب السكان ودعم عزلة سكان المدينة الذين كانوا يدركون بأن الحماية البريطانية لهم لن تستمر بكل الأحوال بعد 15 أيار وأنهم سوف يجدون أنفسهم وحدهم في مواجهة الصهاينة. وبتاريخ 15 أيار عندما استسلمت المدينة، لم يبق فيها إلا ما يتراوح بين 4و5 آلاف عربي.
كانت خطة "داليت" تقول بالعمل قرب الحدود السورية والأردنية من أجل تأمين موقع قوي في مواجهة الجيوش العربية التي جرت في شهر أيار حيث هرب سكان المناطق المعنية نحو سوريا ولبنان.
قامت المعارك الأخرى حول القدس، وفي منطقة يفترض تدويلها. أعطيت الأوامر بتدمير كل القرى العربية على الطريق الواصل بين المدينة والشاطئ. ضمن هذا السياق قام هجوم مجموعتي "أرغون" و"شتيرن" ضد قرية دير ياسين بدعم مدفعية "الهاغاناة". كانت هذه القرية قد وقعت اتفاق عدم اعتداء واحترامه. بلغت حصيلة المجزرة 250 قتيل عربي من عدم المقاتلين بشكل أساسي. شاع خبر المجزرة سريعاً ودب الرعب في القرى الأخرى.
استمر طرد العرب مما كان يفترض أن يصبح النواة الجغرافية للدولة العبرية حتى شهر أيار. القرى العربية جرى تهديمها عموماً. وهرب السكان في أغلب الأحيان قبل الهجمات اثر عمليات التخويف مثل بث الإشاعات أو رفض أية هدنة أو اتفاق عدم اعتداء. وعرفت التجمعات السكانية التي وقعت مع المستوطنات اليهودية اتفاقات سلام وصداقة مصيراً مشابهاً. لم تكن موجة اللاجئين الثانية التي شملت ما بين 200 غلى 300 ألف شخص ثمرة سياسة مصممة سابقة، لكن نتيجة اعتبارات عسكرية رمت إلى تأمين طرق المواصلات وأمن خطوط الجبهة القادمة بعد 15 أيار . كان انهيار النظام العام والاقتصاد في المدن الكبرى وهرب الأعيان السبب الرئيسي في الهجرة الجماعية من تلك المدن، إضافة إلى الأثر المترتب على سقوط طبريا. لكن لم تتم أية عملية جلاء جماعي قبل هجوم القوات اليهودية الذي كان عاملاً أساسياً في الهجرة. كانت الحرب العالمية الثانية قد شهدت ظواهر مماثلة في أوربا، وخاصة في فرنسا. أما في الأرياف فقد كانت عمليات التخويف والإشاعات حول فظاعة ما يجري بمثابة الأسباب الرئيسية للهجرات التي حدثت في أغلب الأحيان قبل الاحتلال النهائي للقوات الصهيونية. وإذا كانت السلطات الإسرائيلية لم تعط الأوامر بالطرد، فإن ضباط "الهاغاناة" استفادوا واقعياً من سلسلة تعلمت خطة "داليت" لتأمين مستقبل الدولة العبرية.
الحرب الإسرائيلية- العربية
 
المرحلة الأولى من العمليات(15 أيار 1948 - 11 حزيران1948 ):

ضمت القوات العربية حوالي 24000 رجل ومتطوع منهم 10000 مصري و4500 أردني من الفيلق العربي و3000 سوري و3000 عراقي و 3000 لبناني من خلال الجامعة العربية. كان قد تم إقصاء القوات الفلسطينية الرئيسية. آما الإسرائيليون فقد كانوا يتصرفون بحوالي 30000 رجل. كان التفوق العربي نوعياً في البداية بواسطة التسلح الأفضل والتدريب الأكبر والقوات الشابة. لكن لم يكن هناك أي تنسيق، بل وأسوأ من غياب ذلك التنسيق، ساد في الأجواء حذر عميق ومبرر حيال النوايا التي يضمرها العرب حيال بعضهم البعض. كما كان العرب يعانون من التبعية للغربيين وخاصة للإنكليز فيما يتعلق بالتزود بالأسلحة والذخائر، وقد فرض حظر كامل وعام على السلاح الموجه نحو الشرق الأوسط بضغط من الولايات المتحدة لتجنب وضع عبثي يصبح فيه الإنكليز مصدراً للأسلحة الموجهة إلى العرب بينما يوجه الأمريكيون السلاح للإسرائيليين. لم يلعب الاتحاد السوفييتي لعبة الغربيين، إذ في الوقت الذي بدأت فيه أزمة برلين كثفت بلدان الشرق من الهجرة اليهودية أرسلت أسلحة تشيكية إلى إسرائيل عن طريق مرافئ يوغسلافية ورومانية. ومنذ آن غدت تلك المرافئ مفتوحة أمام إسرائيل أصبح تفوق القوات الإسرائيلية بالرجال والأسلحة ساحقاً.
بدأ الهجوم السوري في الشمال بتاريخ 16 أيار 1948. تم اقتحام خط المستوطنة اليهودية القريبة وهرب السكان اليهود من المعارك. لكن استطاع ضابط إسرائيلي شاب هو موشي ديان أن يصد التقدم السوري بتاريخ 20 أيار واقتصرت العمليات بعدها على تبادل نيران متفرقة حتى تاريخ 10 حزيران حيث نجحت القوات السورية بإحراز تقدم جديد هام تم توقيفه في الغد عبر صدور قرار وقف إطلاق للنار. أما الحدود اللبنانية فقد شهدت معارك عنيفة تم خلالها احتلال مواقع ثم العودة عنها ثم احتلالها من جديد وهكذا دواليك. كان الهجوم الأساسي على جبهة الجنوب مع الجيش المصري إذ احتل المصريون سريعاً من الطريق الساحلي منطقة غزة لكنة اصطدموا بمقاومة عنيفة من قبل المستوطنات اليهودية مما أخر تقدمهم. وبتاريخ 19 أيار دخلوا إلي منطقة فيها كثافة يهودية كبيرة ليتوقف تقدمهم قريبا من نهاية المنطقة الممنوحة للعرب. كما استطاع هجوم مصري في الداخل احتلال النقب والوصول إلى الضفة الغربية.
كان مصير فلسطين يتقرر في منطقة القدس. لقد تمسك غلوب باشا بخطته الأولية القائلة باحتلال المنطقة العربية المنصوص عنها في مشروع التقسيم دون الاصطدام مع الإسرائيلي. لكن هؤلاء زادوا من ضغطهم على القدس وهددوا بالاستيلاء عليها كلها. طلب السكان العرب النجدة من الأردنيين. فقرر عبدالله إرسال الفيلق العربي الذي دخل إلى المدينة المقدسة بتاريخ 19 أيار واستولى على الأحياء اليهودية في المدينة القديمة بتاريخ 28 أيار. ثم انتقلت المعركة بعد ذلك حول طريق المواصلات بين القدس والشاطئ. استولى الأردنيون علة الموقع الأساسي المتمثل في اللطرون وفشل الإسرائيليون بدورهم في احتلاله بعد آن تكبدوا خسائر كبيرة. كان عليهم أن يشقوا طريقاً جديداً لتأمين الاتصال مع القدس. ترك الأردنيون مكانهم في جنوب الضفة الغربية للعراقيين الذين احتلوا مواقعهم في المنطقة المسماة بمثلث "جنين، نابلس، طولكرم" التي يمكن انطلاقاً منها التهديد بهجوم على الساحل. وفي مطلع شهر حزيران أمكن صد هجوم إسرائيلي على المثلث.
عينت منظمة الأمم المتحدة الكونت برنادوت وسيطاً مكلفاً بإحلال السلام. وقد استفاد من حالة الإنهاك التي يعاني منها مختلف الخصوم بالتوصل إلى هدنة فعلية منذ 11 حزيران 1948. في ذلك التاريخ كتب بن غوريون في صحيفته يقول بأن هناك ثلاث جبهات:"القدس والجبهة الوسطى(بما في ذلك المثلث) حيث تتمثل مهمتنا في تدمير الفيلق العربي والاستيلاء على المثلث، وجبهة الجنوب مع النقب وجبهة الجليل مع حيفا. هدفنا في منطقة الجليل هو ضرب بيروت (صيدا وصور) وإثارة نهوض مسيحي وعلى الجانب الآخر ضرب القنيطرة ودمشق. أما في الجنوب فعلينا مواجهة مصر التي سيأتي دورها بعد أن نكون قد حطمنا الفيلق ودفعنا لبنان إلى الخروج من اللعبة".
بالمقابل، كان عبداللة قد حصل على أغلبية المناطق التي كان يأمل بها، وبالتالي لم يكن يفكر بعد إلا بالوصول إلى نهاية مشرفة لحرب قد تدمر جيشه الصغير.
زمن المفاوضات
منظمة الأمم المتحدة ومشكلة اللاجئين:


أصبح تقرير برنادوت المنشور بعد موته مبدأ رسمياً لمنظمة الأمم المتحدة ووجد تجسيده في القرار ذي الرقم 194 الذي تبنته الجمعية العمومية بتاريخ 11 ديسمبر- كانون أول 1948 والذي نصه:
إن الجمعية العامة،[…].
2- تنشئ لجنة توفيق مكونة من ثلاث دول أعضاء في الأمم المتحدة ، تكون لها المهمات التالية:
ا- القيام بقدر ما ترى أن الظروف القائمة تستلزم بالمهمات التي أوكلت إلى وسيط الأمم المتحدة بفلسطين.[…].
ب- تنفيذ المهمات والتوجيهات المحددة التي يصدرها إليها القرار الحالي ، وتلك المهمات والتوجيهات الإضافية التي قد تصدرها إليها الجمعية العامة أو مجلس الأمن.[…].

5-تدعو الحكومات والسلطات المعنية إلى توسيع نطاق المفاوضات المنصوص عليها في قرار الأمن الصادر في 16 تشرين الثاني – نوفمبر 1948 وإلى البحث عن اتفاق بطريق مفاوضات تجري إما مباشرة أو مع لجنة التوفيق، بغية إجراء تسوية نهائية لجميع المسائل المعلقة بينها.
6- تصدر تعليمات إلى لجنة التوفيق لاتخاذ التدابير بغية معاونة الحكومات والسلطات المعنية، لإحراز تسوية نهائية لجميع المسائل المعلقة بينها.

8- تقرر أنه نظراً إلى ارتباط منطقة القدس بديانات عالمية ثلاث ، فإن هذه المنطقة بما في ذلك بلدية القدس الحالية، يضاف إليها القرى والمراكز المجاورة التي يكون أبعدها شرقاً أبوديس، جنوباً بيت لحم وأبعدها غرباً عين كارم (بما فيها المنطقة المبنية في موتسا) وأبعدها شمالاً شعفاط، يجب أن تتمتع بمعاملة خاصة منفصلة عن معاملة مناطق فلسطين الأخرى ويجب أن توضع تحت مراقبة الأمم المتحدة الفعلية.[…].
.
11- تقرر وجوب السماح بالعودة ، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعّوض عن ذلك الفقدان الضرر من قّبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.
·   وتصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق لتسهيل إعادة اللاجئين  ، وتوطينهم من جديد، وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي ، وكذلك دفع التعويضات وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة في منظمة الأمم المتحدة.[…].
14- تدعو الحكومات والسلطات المعنية جميعاً ،إلى التعاون مع لجنة التوفيق وإلى اتخاذ جميع التدابير الممكنة للمساعدة على تنفيذ القرار الحالي.[…].

رفضت إسرائيل أية عودة للاجئين وتبنت سياسة تجعل من المستحيل عودة السكان المدنيين الفلسطينيين. إن تسلسل الأحداث له دلالته في هذا السياق. تعود الهجرة الفلسطينية للتعارض الأساسي بين المبدأ الصهيوني الذي يرى بأن الأرض المقدسة مخصصة حصراً للشعب اليهودي وبين إرادة السكان العرب في البقاء في أراضيهم. ولم يكن المجتمع الفلسطيني، الذي عانى من خلل سياسي كبير إثر سياسة القمع البريطاني التي شهدتها سني الثلاثينات، بقادر على الحفاظ على تماسكه وتلاحمه في مواجهة الضغط الصهيوني. لقد انهار منذ المعارك الأولى. واعتباراً من شهر أبريل- نيسان 1948 أصبحت عملية طرد العرب تجري بشكل عادي دون الحاجة إلى أمر عام أو إلى سياسة مصممة مسبقة. إذ كان المسؤولون الصهيونيون  مصممين على جميع الأصعدة إنهاء أكبر قدر ممكن من الوجود العربي في المناطق التي يحتلونها. وقد تم، خدمة لهذا الهدف، تدمير مناطق تجمع السكان العرب ( كان من بينها 350 قرية) وصودرت الأرض الزراعية العربية وأنهيت النشاطات الاقتصادية العربية. لقد أبدى السكان العرب إرادتهم في مقاومة اعتباراً من شهر يوليو- تموز 1948 فالهجرات بدافع الخوف أصبحت أقل كما زاد بالوقت نفسه اللجوء إلى استخدام العنف. استمرت عمليات الطرد حتى عام 1950 بل وحتى عام 1951 في بعض الحالات.
يمكن تقدير العدد العام للاجئين في فترة 1944-1948 بـ: 600000 إلى 760000 لاجئ. طلبت الجامعة العربية من جانبها تدخل المنظمات الإنسانية الدولية منذ شهر يوليو- تموز 1948. واهتم برنادوت بشكل خاص بالحصول على مساعدة الوكالات المختصة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة وبتنسيق جهود مختلف المؤسسات ( كانت المنظمات البروتستانتية الأمريكية هي الأكثر نشاطاً). بتاريخ 19 نوفمبر – تشرين الثاني 1948 أيدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة تقديم مساعدة مستعجلة لمواجهة أخطار الشتاء، سرعان ما تمت الاستعاضة عنها بمؤسسات دائمة هي " الأونوروا " المكلفة ليست بالمحافظة على بقاء السكان فحسب ولاكن بتأمين مختلف الخدمات الاجتماعية ( الطب والتربية …الخ ) التي لا تستطيع الدول العربية تقديمها. شهدت السنوات اللاحقة زيادة في عدد المطالبين بالمساعدة إثر الزيادة السكانية وذلك على الرغم من اندماج قسم هام من اللاجئين بالحياة الاقتصادية العربية ( خاصة بلدان الخليج ) . أصبحت مخيمات اللاجئين بمثابة استمرار للجغرافيا البشرية لفلسطين وأماكن للتعبير عن الهوية الفلسطينية . لم يكن المشاريع الدورية الرامية للدمج الإقليمي للاجئين أن تخفي واقع التمسك القوي بأرض الأجداد  والتمسك بالجنسية ( الانتماء إلى الوطن ) المفقودتين.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات