بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
وقائع من ليلة انقلاب الحزب السوري القومي في العام 1949
  13/06/2010

وقائع من ليلة انقلاب الحزب السوري القومي في العام 1949

الزعيم الرحل انطون سعادة

في نهار من العام 1949، رعى الزعيم أنطون سعادة احتفالاً في الجميزة لمناسبة إطلاق حزبه جريدته، فأدى الاحتفال الى وقوع صدام بين أنصار الحزب السوري القومي ومحازبي الكتائب اللبنانية. حصل إطلاق نار في الصدام، وكان بين مستقبلي الزعيم في الجميزة، شبان من الحزب السوري القومي أتو من المريجة، بينهم جوزف الطويل الذي أصيب بطلقة نارية في رجله، وابن خالته خليل سعادة الذي اعتقل لمشاركته في الحادثة، فتغيّب عن عمله الليلي في "سنترال" برج البراجنة، وعمله النهاري في صيدلية والده الدكتور بشارة سعادة، القريبة من "السنترال" الذي كنت، بعد دوامي المدرسي، أعمل فيه موظفاً مناوباً بين الرابعة بعد الظهر والثامنة مساء. لذا طلبت مني إدارة "السنترال" أن أقوم بالمناوبة فيه طوال الليل.
ليلة "السنترال"

أثناء دوام عملي الطويل، لفتني تردد شبان غرباء عن ضيعتنا المريجة، الى صيدلية الدكتور بشارة سعادة قبالة "السنترال"، بعدما أخذ شاب من الشويفات ينتمي الى الحزب السوري القومي، واسمه نبيل صعب، يداوم في الصيدلية بديلاً عن رفيقه الحزبي المعتقل، خليل سعادة.
بعد ليلة أو اثنتين راحت تتكاثر لقاءاتهم في الصيدلية التي رأيتهم يخرجون منها قبل قفلها، كيساً كبيراً من الخيش مليئاً بما لم أستطع أن أقدر ماذا يكون، فيما هم يضعونه في سيارة أحدهم ويغادرون. كنت موقناً أنهم من محازبي السوري القومي، مثل إبن صاحب الصيدلية المعتقل وبديله فيها، نبيل صعب.
في الليلة التالية، صحوت فجأة من النوم في "السنترال" على أصوات قوية في الخارج، وحين قمت وتقدمت من بابه الذي تعودت على تركه مفتوحاً، فوجئت بأنه مقفل ولم أستطع فتحه، فاعتليت منضدة صغيرة ونظرت الى الخارج من فتحة فوق الباب. رأيت نبيل صعب منهمكاً في قطع الاسلاك الهاتفية التي تصل الى "السنترال"، والى جانبه شاب فلسطيني أعرفه واسمه خليل مياسي، حاملاً مسدساً من نوع "برابلو"، فيما شخص ثالث لا أعرفه يحمل بندقية حربية إنكليزية من التي يحملها رجال الدرك في المخافر. على مسافة أمتار منهم كان يقف شقيق جوزف الطويل، وشاب من المريجة اسمه فؤاد متى. أما عبد الحفيظ علامة (الذي أعدم لاحقاً)، وهو من الغبيري فرأيته يحمل أجهزة من التي كانت في داخل "السنترال"، الذي أيقنت أنهم دخلوا اليه، فيما كنت نائماً، وعطلوا الاجهزة واستولوا على بعضها.
نزلت عن المنضدة وأحضرت مسدسي من الداخل، ثم تقدمت من الباب، ففتحته بقوة وصرخت بهم شاتماً، فما كان من نبيل صعب الذي اعرفه جيداً كما يعرفني، إلا أن قال لي إنني في غنى عن التورط في الامر، وأن أضع المسدس جانباً، ما دام لا ناقة لي ولا جمل في ما يفعلون. في الأثناء كان الآخرون قد ركبوا سيارة وتبعهم نبيل صعب، قبيل أن تنطلق السيارة بهم في العتمة
سيارة الساحة
خرجت من "السنترال" الى ساحة المريجة، وكان الوقت ما بعد منتصف الليل بقليل، فتوجهت فوراً الى بيت رئيس مركز "السنترال" حبيب متى في تحويطة الغدير. بعدما أخبرته بما حدث، ارتدى ثيابه عازماً على الذهاب معي الى مخفر الحدث الذي كانت برج البراجنة والمريجة تابعتين له أمنياً. لكن والدة حبيب منعته عن الخروج خائفة على ابنها الوحيد من التورط في ما لا تحمد عقباه. في ساحة المريجة التي عدت اليها حائراً ماذا أفعل، رأيت سيارة الفورد القديمة التي أعرفها وأعرف صاحبها أيوب حبيب عوكر، متوقفة في جهة من الساحة. كنت أعلم أن الرجل غالباً ما يوقف سيارته الخصوصية ويغفو في داخلها منتظراً أن يطلب منه شبان ورجال من محبي السهر، أن يوصلهم الى خمارات في بيروت، فيسهر ويشرب معهم، ثم يدفعون له إيجار السيارة التي تقدمت من نافذتها، فرأيت أيوب نائماً يشخر، وملقياً رجليه على المقود. ناديته: عمي أيوب، عمي أيوب، فاستيقظ. رجوته أن يوصلني الى مخفر الدرك في الحدث، بعدما أخبرته بما حدث في "السنترال". "أنا شو خصني؟ حل عني عمي، حل عني، تركني نايم"، قال قبل أن أرجوه وأقول له إنني أدفع له إجرة السيارة، فسألني: "مصرّ يعني؟"، ثم اعتدل في جلسته محاولاً تشغيل المحرك الذي لم يشتغل، فرحت أدفع السيارة وأدفعها، فسارت مسافة طويلة من دون أن يشتغل محركها. حين وصلنا الى مقربة من بيته، ركن العم أيوب سيارته جانباً، وخرج منها، قائلاً لي: شكراً، يعطيك العافية، تصبح على خير، ثم دخل الى بيته وتركني.
سكارى "الفورد"

عدت للمرة الثالثة الى ساحة المريجة، فوقفت في العتمة وحيداً خائباً حائراً ماذا افعل، قبل ان المح ضوء سيارة فورد تصل فجأة، فأوقفتها، فاذا سائقها شخص من برج البراجنة أعرفه واسمه حسن (نسيت كنيته العائلية)، والى جانبه ادوار جريس الحسيني الموظف في سلك بوليس بيروت، وثالث هو شارل حنين الذي كان معلم تمديدات كهربائية. كان الثلاثة عائدين من سهرة في بيروت، ومتوجهين، يتعتعهم السكر، الى بيوتهم في البرج والمريجة، فأخبرتهم بما أنا فيه، وبدل ان يقلّوني الى الحدث، اوصلوني الى بيت رجل حلاّب في تحويطة الغدير، هو الياس اسعد مطر الذي يعمل في جمع حليب الابقار من الاهالي ويملك سيارة (E6) طراز 1921، يدار محركها بواسطة "المنيفيل"، وطول مقدمتها بين 3 و4 امتار، وكنت اعلم ان صاحبها قام بطلائها بالفرشاة بنوع الطلاء الذي يستعمل للبيوت. وبعدما اعطاني الرجل مفتاح سيارته، ساعدني سكارى الفورد في تشغيل محركها بـ"المنيفيل" فانطلقت بها الى مخفر الدرك في الحدث.
كان المخفر في بيت زراعي عتيق وسط كرم من الزيتون. ولما طرقت بابه وفتحه الدركي الامباشي، اخبرته بما حدث في "سنترال" البرج، وطلبت منه ان يوقظ الشاويش والباش شاويش رئيس المخفر من نومهما، ففعل. كان الباش شاويش فؤاد علم الدين من صوفر ومن محاسيب المير مجيد ارسلان، فراح يداعب شاربيه بأصابعه وهو نصف نائم، فيما كنت اروي له ما حصل في "السنترال". وسرعان ما قال ان احمد سعيد منصور هو الذي فعلها، معتمدا على سوابق هذا الرجل الذي كنت اعرفه كما يعرفه اهالي المريجة، سكيراً ويكثر من اشهار مسدسه في اي شجار يفتلعه مع امثاله. ومرة في واحدة من مشاجراته اطلق عليه النار رجل من سلك التحري، فأصابه في رجله، مما سبّب له عرجاً دائماً.
الى السلاح
حين قلت للباش شاويش انني اعرف احمد منصور، ولم يكن بين مهاجمي "السنترال" الذين اعرف معظمهم ورأيتهم رأي العين، اخذته نوبة من غضب، وراح يصرخ بي قائلا: "روح فك عني، شو جايي تعلمني ع شغلي الساعة تنتين بالليل؟! روح فك عني اتركني بدي نام، وبكرا بنشوف"، ثم استلقى على السرير، و"تلحّف" (تغطى باللحاف) ونام. لم تمضِ لحظات على ذلك، حتى رن جرس الهاتف في المخفر، ومن السماعة التي وضعها الخفير على اذنه، سمعت صوتا يصرخ متوتراً: لقد هوجم مخفر قرانوح في الغبيري، على كل المخافر اخذ اقصى درجات الحيطة، ووضع عسكري على سطح المخفر بعد تعتيمه. وممنوع على أي كان الاقتراب من المخفر اكثر من 200 م، وكل من يتجاوز هذه المسافة تطلق عليه النار فورا... فهب الباش شاويش فجأة من سريره، واخذ يقول لي ان اروي له ما حدث في "السنترال". وفيما هو يصرخ بالشاويش والامباشي ان يجهزا السلاح، تابع الصوت الطالع من السماعة الكلام قائلا: لقد قتل الدركي نسيم النسر في مخفر الغبيري. هنا راح الباش شاويش يولول، ضاربا كفاً بكف، قبل ان يقول: له... له... له، يا ضيعانك يا نسيم، خمس اولاد عندك يا نسيم، تعترت مرتك وولادك يا نسيم. ثم ما لبث ان كرر اوامره صارخاً: الى السلاح... الى السلاح، استنفار... استنفار... توزعوا... توزعوا.
خرجت من مخفر الحدث، وعبثاً حاولت تشغيل محرك سيارة الـE6. جرح "المنيفيل" يدي جرحاً بليغاً، فيما كنت احاول، فساعدني الباش شاويش بأن نزل معي الى طريق الحدث العام، وقام بوقف سيارة بويك قادمة من الزيتونة بركاب الى الحدث، ثم أمر سائقها بأن يوصلني الى ساحة المريجة.
الهجوم على مخفر الغبيري
في صبيحة النهار التالي لليلة "السنترال" ومخفر الحدث، علمت أن مخفر الغبيري هو الوحيد الذي هاجمه انقلابيو الحزب السوري القومي في ساحل المتن الجنوبي. شاويش مخفر الغبيري نسيب داغر هو الذي روى لي ما حدث في مخفره تلك الليلة. فالمجموعة الحزبية السورية القومية التي نفذت عملية "السنترال" وعطلت أجهزته وقطعت خطوط الهاتف، ليتسنى لها الهرب مستبقة الاتصالات الهاتفية بين مخافر الساحل، هي نفسها كانت قد هاجمت المخفر الذي ما ان فتح الدركي نسيم النسر بابه بعدما طرقه المهاجمون، حتى عاجله احدهم بطلقات نارية من بندقيته الرشاشة، فأرداه فور صرخته الوحيدة: الى السلاح... الى السلاح. وهو السلاح الذي اراد المهاجمون الاستيلاء عليه وقتل الشاويش نسيب داغر ثأرا منه لتشدده وقسوته على المحازبين السوريين القوميين في قرى الساحل، وخصوصاً في الغبيري. ذلك ان داغر كان من محاسيب الشيخ سليم الخوري (الملقب بالسلطان سليم)، شقيق رئيس الجمهورية بشارة الخوري.
بعد قتلهم الدركي نسيم النسر الذي قام من سريره في ثيابه الداخلية وفتح الباب، دخل المهاجمون الى المخفر، فما كان من الدركيين النائمين فيه، الا ان انقلبوا عن اسرتهم واختبأوا تحتها. وحين دخل المهاجمون الى مهجع الشاويش رئيس المخفر، امطروا سريره بوابل من بنادقهم الرشاشة، فظنوا انه قتل لا محالة. لكن الشاويش داغر لم يكن نائما في المخفر في تلك الليلة. فرغم ان نظام المناوبة كان يحتم عليه المكوث في المخفر، فانه غادره ونام في بيته القريب، فأنقذته مخالفته من القتل المحتم.
خرج المهاجمون من مخفر الغبيري حاملين ما استطاعوا حمله من اسلحة ثم توجهوا الى "سنترال" البرج في ساحة المريجة، ومنه صعدوا الى سرحمول قرب عيتات. هناك طاردتهم في الغابات قوة من الدرك يقودها النقيب توفيق شمعون الذي اصيب برصاصة قاتلة في رأسه، فيما كان يقف مستطلعاً المسلحين السوريين القوميين بالمنظار. قوة الدرك وقوة من الجيش اللبناني استطاعتا تطويق المسلحين الذين كان يقودهم جورج عبد المسيح.

 عن النهار اللبنانية
رواية خليل خالد الفغالي كتابة محمد ابي سمرا


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات