بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
عيد الأضحى لدى الدروز... صيام وقيام ولا حج إلى مكة
  17/11/2010

عيد الأضحى لدى الدروز... صيام وقيام ولا حج إلى مكة
ماهر الشيخ


مشايخ الدروز الموحدون يؤدون صلاة عيد الاضحى

بيروت- يحظى عيد الاضحى لدى طائفة الموحدين الدروز في لبنان بأهمية دينية خاصة ومميزة جداً، ناهيك عن قيمته الاجتماعية الكبيرة. فالدروز يعتبرون من الطوائف الإسلامية التي انشقت عن الدعوة الإسماعيلية، خلال عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. وتعود الإسماعيلية في جذورها إلى المذهب الشيعي، لكنها تتوقف عند الإمام السادس جعفر الصادق، وتؤمن بإمامة إبنه إسماعيل، بينما تؤمن الطائفة الشيعية بإثني عشر إمام وآخرهم المهدي "المنتظر".
وتتأسس عقيدة الدروز على القرآن الكريم وتفاسيره، تأثراً بالمنحى الشيعي الإمامي، خصوصاً أن الإنقسام الرئيسي في الإسلام، يتمحور حول تحديد دور الإمام، أي المذهب السني الذي يقول باقتصار دوره على الإدارة السياسية للأمة وتنظيم شؤونها، والمذهب الشيعي الذي يعطى للإمام دوراً دينياً إلى جانب دوره السياسي، أي شرح حقائق الرسالة السماوية، إضافة إلى توليه مسؤولية الإدارة السياسية للأمة.
ويتزامن حلول عيد الأضحى مع أداء المسلمين فريضة الحج إلى مكة المكرمة في استعادة لقصة النبي إبراهيم، الذي يعتبرونه الدروز أحد الأنبياء التوحيدين الخمسة الكبار في التاريخ الإنساني، إلى جانب نوح وموسى وعيسى ومحمد. ويبدأ الاستعداد للاحتفال بالأضحى عند الدروز في اليوم الأول لشهر ذي الحجة، ويستمر حتى اليوم العاشر منه. حيث يتوافد أبناء الطائفة إلى الخلوات لسماع الشعر الروحي والوعظ الديني، ويعودون إلى منازلهم، ليبدأ بعدها رجال الدين في الطائفة تلاوتهم الخاصة للقرآن، والتفاسير التي توضح أسرار الحكمة الإلهية للرسالة السماوية، وهي نصوص من التراث الإسلامي، تتعلق بقصص الزهاد والعباد والمتصوفة المعتدلة.
اسرار خاصة بالطائفة
يوضح الشيخ غسان الحلبي مستشار مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز في لبنان، أن لعيد الأضحى أهمية كبيرة لدى أبناء الطائفة مشيراً إلى أن ما يشاع عن أسرار خاصة بالطائفة، ما هو في الحقيقة إلا تدقيق في المعنى اللطيف لأوامر الدين ونواهيه، وتتعلق في كيفية تهذيب الجوارح البشرية، ويعطي مثالاً على ذلك "اعتبار رواتب الدولة شبهة، والتدخين من المحرمات، والنهي عن الانصراف إلى قضاء ساعات في مشاهدة التلفاز". وشرح التأثير السلبي لهذه الشبهات على بصيرة المرء وروحانيته وصفاء قلبه وخواطره، والتعمق في فهم الدعوة القدسية التي أرادها الله نوراً لبني البشر.
يصوم أبناء الطائفة خلال الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة بالامتناع عن كل طعام وشراب طيلة النهار والليل، ولكن ذلك أمراً اختيارياً وليس واجباً دينياً شرعياً. ويصل التعبد لدى أبناء الطائفة ذروته خلال الليلة الأخيرة للأيام العشرة المذكورة، حيث يسهرون ويواصلون التلاوة حتى الصباح. وفي صبيحة اليوم الأول للعيد يعود الجميع إلى منازلهم وتذبح الأضاحي التي تقدم بغالبيتها إلى دور الأيتام الخاصة بأبناء الطائفة.
يشرح الشيخ الحلبي المعنى الديني لتلك الطقوس قائلاً: "إن رجال الدين والمريدون من أبناء الطائفة يؤدون الفرائض، مع إحياء تلك الليالي بتلاوة القرآن والتفاسير والصوم والصلاة (السجود والقراءة) وزكاة أموالهم والمجاهدة، وكل ذلك من أجل أن تكون النفس ونوازعها بأمرة العقل الطائع لله الحق، وصافية لاستكمال معنى الأضحية، وشكر الله على تمام العبادة بالقول والإحساس".
فروقات بين المذاهب
لا ينفي إجماع المذاهب الإسلامية على الأهمية الدينية والاجتماعية لعيد الأضحى، وجود فروقات تميز هذه المذاهب بعضها عن بعض في كيفية أداء الفروض الدينية الخاصة بكل منها. وهذا ما يظهر جلياً في التشابه بين المذهبين السني والشيعي، واختلافها عن المذهب الدرزي، ويتمثل الاختلاف بداية بالحج إلى مكة المكرمة من قبل اتباع المذهبين الأولين وتنفيذهم العديد من المناسك المتعلقة بالحج، وأداء صلاة صبحية اليوم الأول للعيد في المساجد والمناطق المفتوحة. بينما لا يؤدي أبناء الطائفة الدرزية فريضة الحج إلى مكة، علماً أن ثمة مخطوطات قديمة، تبين أن العديد من شيوخ الدروز في زمن السيد عبدالله التنوخي، كانوا يذهبون لأداء مناسك الحج، ويقتصر أداء فروضهم الدينية المتعلقة بالأضحى على الذهاب إلى الخلوات التي هي بمثابة المساجد بالنسبة إليهم، واستباق العيد بالصوم الاختياري والمجاهدة وأحياء ليلة الوقفة بديلاً لصلاة الصبح في المساجد لدى المذهبين السني والشيعي.
لكن يكاد الاختلاف في أداء الفروض الدينية بين المذاهب الإسلامية أن يذوب عند الانتقال إلى البعد الاجتماعي للعيد والذي يتحول إلى سلوك اجتماعي واحد لدى جميع تلك المذاهب لجهة المساعدة للفقراء، وتبادل الزيارات والتهنئة بالعيد، ومواساة الذين فقدوا أحد أفراد عائلتهم.
ويلفت المفتي الجعفري لمنطقة الهرمل الشيخ علي طه (شيعي) بأن الفروق بين الشيعة والسنة بالنسبة لعيد الأضحى بسيطة جداً ومجرد اجتهادات فقهية خاصة بكل مذهب من المذاهب الخمسة (الشافعي، المالكيِ، الحنفي، الحنبلي والجعفري) بل إنها خلافات فقهية داخل المذهب نفسه. ويشير طه إلى أن الجانب الاجتماعي للعيد يبقى في الاهتمام بالفقراء والمحتاجين عبر زيارتهم وتقديم المساعدة لهم.
ويوافقه الرأي إمام مسجد شهاب في العاصمة بيروت الشيخ مصطفى سوبرة (سني) حول غياب الخلاف بين المذهبين حول معنى وشعائر عيد الأضحى، باستثناء افتعال التباين من قبل بعض مراجع الشيعة برأي سوبرة حول تحديد نهار العيد، بالرغم من عدم وجود أي مبرر فقهي لذلك، ولا يؤدي سوى لزيادة الشرخ والفرقة بين المسلمين.
احتفالات الماضي
وفي محاولة للوقوف على الفارق بين طقوس الاحتفال بعيد الاضحى في الماضي والحاضر تتنهد أم عبد الله وهي ترتب منديلها الأبيض، تغطي رأسها جيداً وبعض من وجهها الممتلئ. ترتسم معالم الحزن على الجزء المكشوف منه، هو إحساس يطبع يومياتها الرتيبة في حانوتها الصغير، عند أطراف حي وطى المصيطبة البيروتي، بعد أن باتت أيام طفولتها وصباها في قريتها الشوفية في جبل لبنان، مجرد ذكرى تستعيدها بين الحين والآخر. تواجه صخب الحياة اليومية في العاصمة بيروت التي تحولت أشبه بطاحونة تستحق ساكنيها، فتأخذ في طريقها كل شيء، بما في ذلك لحظات الفرح الجميلة التي كان يحملها قدوم عيد الأضحى إلى أبناء القرية، عندما كان يحول الجميع إلى عائلة واحدة، يسودها التضامن والتآلف وتقاسم الأفراح والأتراح.
تجد أم عبد الله في السؤال عن معنى عيد الأضحى فرصة للترحم على الماضي الجميل، حيث كان للعيد بهجته التي لا توصف. تسترجع الذكريات التي تحتفظ بها عن العيد الذي كان المناسبة الدينية والاجتماعية الأهم لدى طائفة الموحدين الدروز. وتروي المرأة الستينية بفرح كبير، كيف كانت تنتظر بداية شهر ذي الحجة من كل عام والتي تسمى "عشور العيد"، حيث كان أبناء القرية يبدأون الاستعداد للاحتفال بالعيد الذي يحل في العاشر من الشهر نفسه. كانوا يباشرون زيارة الخلوات والمزارات والمقامات، ويبلغ الجميع ذروة السعادة أثناء الليلة التي تسبق صبيحة العيد "الوقفة" وأول أيامه. عندما يكون الأطفال والشباب وجميع الناس، قد ارتدوا أجمل ما عندهم من الثياب وصنع الحلوى "نقل العيد"، وذبح الأضاحي من الماشية. وتتحول أيام العيد الثلاثة إلى تبادل متواصل للزيارات، وخصوصاً بين الأقارب والأصدقاء لمعهايدتهم وتصفية القلوب، إضافة لزيارة الشيوخ الكبار للطائفة بغية التهنئة والتماس البركة.



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات