بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
لباحث تيسير خلف يستكشف التاريخ العربي عبر المخطوطات السريانية
  09/03/2013

الباحث تيسير خلف يستكشف التاريخ العربي عبر المخطوطات السريانية

حقّق أقدم نص لرحلة عربية تعود إلى العصر الأموي

تيسير خلف كاتب وباحث سوري من قرية «الظاهرية» الجولانية المحتلّة. خرّيج كلّيّة الآداب قسم الاعلام. له العديد من المؤلّفات الأدبية والبحثية منها: «قطط أخرى» (قصص)، «دفاتر الكتف المائلة» (رواية)، «السينما الفلسطينية الجديدة»، «دليل الفيلم الفلسطيني»، «إصدارات مهرجان الشاشة العربية المستقلّة»، رواية «عجوز البحيرة» و«صورة الجولان في التراث الجغرافي العربي الإسلامي» (جغرافيا تاريخية، «الجولان في مصادر التاريخ العربي»، «الكتاب العزيزي» لـ«الحسن بن أحمد المهلبي»، «استكشاف الجولان»، «وثائق عثمانية حول الجولان»، «المسيح في الجولان»، «الجولان الرائع»، «المرجع في الجولان»، «كتاب الجولان المصوّر»، «رجم الهري وحضارة الدوائر الغامضة»، كنيسة العرب المنسيّة»، «رحلة حمود البوسعيدي»، «رحلة نيقولا سيوفي»، «رحلتان إلى الحجاز ونجد»، «رحلة محمد سعيد الزعيم وعبد الحميد شومان»، «الفتوحات الإسلامية في المصادر السريانية»، و«موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين». مؤخّراً أنجز الكاتب تحقيق نص أقدم رحلة عربية تعود الى العصر الأموي ودراسته. في هذا الحوار القيّم معه دار الحديث حول قضيّتين أساسيّتين: أولاهما هذه الرحلة، أما الثانية فهي تتعلّق بجولاته الثقافية في سورية.
«المشاهد السياسي» ـ دبي

> حقّقت مؤخّراً نصّاً لرحلة تعود إلى العصر الأموي، وصاحبها هو بطريرك سرياني. ما أهمّيّة هذا النص؟
< ينفرد النص الذي تركه البطريرك السرياني ديونيسيوس التلمحري المعاصر لأربعة خلفاء من بني العباس، هم: هارون الرشيد، ومحمد الأمين، وعبد الله المأمون، وأبي إسحاق محمد المعتصم، بأنه الشهادة المعاصرة الوحيدة على الكثير من الوقائع والأحداث التاريخية المفصليّة، والتي دوّنت وقائعها في كتب التاريخ العربية، نقلاً عن روايات شفهيّة بعد عقود طويلة، لعلّ أقربها ما دوّنه خليفة بن خياط العصفري في تاريخه المسمّى (تاريخ خليفة بن خياط)، أو أبو جرير الطبري في كتابه المسمّى (تاريخ الرسل والملوك)، أو أحمد بن أبي إسحاق اليعقوبي في تاريخه المسمّى (تاريخ اليعقوبي). لقد قام البطريرك التلمحري بثلاث رحلات إلى بغداد ورحلتين إلى مصر، دوَّن وقائعها بشكل متفاوت.. فبينما أسهب في رحلتيه إلى مصر بذكر أوصاف الأماكن التي زارها، وتحدّث عن بعض العادات التي عاينها لدى المصريين، نجده في رحلاته إلى بغداد وبلاد الجزيرة، مشغولاً بالقضايا الرعوية والصراعات المحتدمة في الكنيسة السريانية، مارّاً على ذكر الأماكن مرور الكرام. ومع ذلك نجده قدّم رسماً غاية في البراعة والصدق لعدد من الشخصيّات المؤثّرة في حركة التاريخ، مثل الخليفة المأمون، والخليفة المعتصم، والأمير عبد الله بن طاهر، والقادة العسكريين، أمثال الأفشين حيدر أو خيذر بن كاوس، وعجيف بن عنبسة،، وعثمان بن ثمامة العبسي. وأيضاً زوّدنا بمعلومات نادرة عن بعض الثائرين على الخلافة العباسية، أمثال المبرقع الكردي الشهير بالمهدي، وتميم أبو حرب الشهير بالمبرقع اليماني، وإبن بيهس الدمشقي، ونصر بن شبث العقيلي، وغيرهم ممن رسموا ملامح ما أطلق عليه اسم العصر العباسي الأول، أو العصر الذهبي للخلافة العباسية.
ولئن ضمّن البطريرك أخبار رحلاته في تاريخه الذي وضعه في جزئين، متناولاً أخبار الدولتين العربية الإسلامية والبيزنطية، بالاضافة إلى أخبار الكنيسة، فإن الجزء المتعلّق بشهادته الشخصيّة على أحداث زمنه، امتاز بعدد من المزايا التي جعلته واحداً من أرفع النصوص السريانية وأكثرها صدقاً وحرارة، نظراً الى اعتماده لغة وجدانية تعتمد في صياغتها ضمير المتكلّم والتجربة الذاتية، وهي الصيغة التي يعتمدها أصحاب كتب الرحلات عادة. ولد البطريرك ديونيسيوس التلمحري في بلدة تلمحرة من أعمال الرّها عاصمة السريان الثقافية والحضارية، في الجناح الغربي من أجنحة المدى السرياني المنتشر على جانبي حوض الفرات. عشق الحياة الرهبانية فانتسب إلى دير قنسرين ذائع الصيت غربي مدينة حلب، واتّشح فيه بالأسكيم الرهباني. وفي وقت كانت الخلافات والانشقاقات تعصف بالكنيسة السريانية، تم تنصيب الراهب التلمحري في العام 818م بطريقة وصفها هو في مقدّمة مذكّراته وأخبار رحلاته. وقد أمضى حياته محاولاً توحيد الكنيسة السريانية وإعادة المتمرّدين إلى حياضها، وقد انتقل إلى جوار ربّه في العام 845م.
وضع البطريرك التلمحري تاريخاً في جزئين وطواه على ست عشرة مقالة، بمعدّل ثماني مقالات في كل جزء مقسّمة إلى فصول. وقد كتبها تلبية لرغبة إيوانيس مطران دارا، وضمّنها كل ما جرى خلال مئتين واثنتين وستّين سنة، بدءاً من حكم الإمبراطور موريقي (موريس)، أي سنة 894 يونانية (581م)، وحتى سنة 1154 يونانية (843م)، وهي السنة التي توفّي فيها الخليفة المعتصم أبي إسحاق، وثاوفيل ملك بيزنطة. أما تاريخ البطريرك التلمحري، فهو في الحقيقة ذيّل على تاريخ قورا البطناني، كما يؤكّد هو ذلك في مقدّمة الكتاب، الذي استوعبه بالكامل البطريرك ميخائيل الكبير، بما فيه المقدّمة.
ومن الواضح أنه اعتمد على مجموعة كبيرة من الوثائق الكنسيّة، واستوعب كتاب التاريخ الذي وضعه المؤرّخ سرجي إبن القائد السرياني في الجيش البيزنطي يوحنّا الرصافي، المعاصر لزمن الفتوحات الإسلامية. والمؤرّخ المذكور لم يكن بعيداً من الناحية الزمنية عن التلمحري نفسه، وربما فصلت بينهما أجيال أربعة أو خمسة، كما أن هناك صلة قرابة كانت تجمعهما. وقد انتشر خطأ تاريخ لراهب مجهول من دير زوقنين دعي باسم تاريخ الزوقنيني، ظنّ بعض المستشرقين خطأ أنه للبطريرك التلمحري، ولكن نظرة سريعة تكفي لاكتشاف أن ذلك التاريخ لا علاقة له بالبطريرك التلمحري لا من قريب ولا من بعيد.
وقد ضمّن البطريرك التلمحري أخبار رحلاته ومذكّراته الشخصيّة في تاريخه، ولكنه أفرد لها مكاناً مميّزاً ومقدّمة خاصّة وخاتمة مناسبة أوضح فيهما حيثيّات كتابته هذه النصوص المتعلّقة بتجربته الشخصية، وضمّنها الكثير من لواعج نفسه وتأمّلاته.

رحلات البطريرك

 هل لك أن تعطينا فكرة عن الرحلات التي قام بها هذا البطريرك، ومن أين بدأها. وإلى أين مضى في ترحاله؟
< بدأ البطريرك التلمحري أولى رحلاته إلى بغداد عبر بلاد الجزيرة في العام 820م للحصول على فرمان اعتراف بسلطته الكنسية، فحصل على الفرمان بمسعى الأمير طاهر بن الحسين الخزاعي. الذي كان يكنّ للمسيحيين احتراماً ومحبّة خاصّين. وكان يودّ التوجّه إلى تكريت، غير أنه بسبب أسقفها المتمرّد باسيل، عرج على الموصل، ثم قصد مدينة قرقيسياء عند مصبّ نهر الخابور في نهر الفرات جنوبي دير الزور، ثم توجّه نحو قرى حوض الخابور، ووصل إلى نصّيبين ودارا وكفرتوثا قبل أن يعود إلى مقرّ إقامته في دير قنسرين.
تلا ذلك رحلته الأولى إلى مصر، التي قصدها هو وشقيقه أثناسيوس، مطران الرها في العام 825م للاحتجاج على هدم الكنائس، فنزل من أنطاكية إلى دمشق فميناء يافا، حيث ركب سفينة أوصلته إلى مدينة تنيس، التي بقي فيها فترة من الزمن واطّلع على أحوال أهلها، قبل أن يلتحق به شقيقه المطران الذي أتى عن طريق البرّ، فالتقى البابا يعقوب بطريرك الأقباط، وطاف ببعض مدن الوجه البحري وزار الإسكندرية، قبل أن يلتقي الأمير عبد الله بن طاهر، ويحصل منه على رسائل توصية بوقف هدم الكنائس.
رحلته الثانية إلى بغداد، كانت في العام 829م، وكانت بسبب انقسام الكنيسة نتيجة قرار أصدره الخليفة المأمون حول الطوائف والجاليات، والذي يحقّ وفاقه لكل عشرة أشخاص أن يقيموا عليهم رئيساً، من دون أن يحقّ لأحد معارضتهم.
وتكمن أهمّيّة هذه الرحلة في أنها نقل حيّ للحوار الذي تّم بين البطريرك والخليفة. وقد غادر البطريرك بعدها بغداد إلى تكريت لحلّ بعض القضايا الكنسية، قبل أن يغادر إلى سورية في كانون الأول سنة 830م.
أما رحلته الثانية إلى مصر فهي الأهم على الاطلاق، إذ كلّفه بها الخليفة المأمون لكي يقف على أسباب ثورة أقباط إقليم البشروط أو البشرود في الدلتا، ومحاولة إقناعهم بالعدول عن تمرّدهم.
وقد بدأت هذه الرحلة من دمشق مطلع العام 832م بصحبة الخليفة، وصولاً إلى مصر برّاً عبر طريق فلسطين القديم. ووصل إلى الفرما، وهناك اجتمع بالخليفة قبل أن يتوجّه إلى إقليم البشروط بصحبة بابا الإسكندرية البطريرك يوسف، لكي يتوسّطا لإنهاء التمرّد. وكانت النتيجة غير مرضية. فعاد إلى دمشق بطريق البرّ نفسه.
الرحلة الثالثة إلى بغداد كانت في عام 834م وسببها تهنئة الخليفة الجديد أبي إسحاق المعتصم، واستمرّت أكثر من عام بسبب الانشقاقات الكنسية، إذ لم يزر الخليفة إلا في مطلع عام 836م، حيث التقى ملك النوبة جاورجي بن زكريا وتوسّط له عند الخليفة، وروى قصّة العلاقة بين مملكة النوبة المسيحية ذات العقيدة الأرثوذكسية (اليعقوبية) مع الخلافة العباسية.
وعموماً، فإن هذه الرحلات، التي كانت تستمرّ لشهور طويلة، كانت زاداً مهمّاً للبطريرك في كتاباته، فقد كان يلتقي خلالها كبار الأمراء والقادة والحكّام، كما كان يلتقي كذلك رجال الإكليروس والأناس العاديين، ويستمع إليهم ويجادلهم، ولذلك نقل هذه الشهادة النادرة عن أوضاع الخلافة العباسية، وتركيبتها وآليّات الحكم فيها، والصفات الشخصيّة للخلفاء الذين التقاهم.
هذا الكتاب
> ولكن حدّثنا عن كتابك الذي بنيته عن هذا الرحّالة، لا سيما أنه ينهض على عدد من المظانّ والمراجع التاريخية؟
< يعدّ النص المتعلّق برحلات البطريرك التلمحري الذي اقتبسه البطريرك ميخائيل الكبير أقرب النصوص إلى الأصل، فلم يتدخّل البطريرك ميخائيل فيه إلا قليلاً بقصد الاختصار، ولكننا وبمقارنات بسيطة، نجحنا في إكمال بعض هذه النواقص من مصادر عديدة أهمّها (تاريخ الرهاوي المجهول)، و(تاريخ الزمان) لإبن العبري.
وقد رجعنا إلى النصوص السريانية الأصلية التي استنسخنا منها بعض النسخ من المتحف البريطاني، وكتاب الاسناد السريانية للمستشرق يوحنّا شابو، وهو ما ساعدنا على مقارنة ما ورد في الطبعات المختلفة لهذه الكتب، وتصويب بعض التسميات التي طمس منها حرف هنا، أو استبدل منها حرف هناك. حتى توصّلنا إلى نص يقترب أكثر فأكثر من النص الذي وضعه البطريرك التلمحري.
وقد أجرينا عملية تقاطع بين أسماء الأعلام والأماكن في تاريخ الطبري للفترة نفسها، مع ما ورد في نص التلمحري، وكانت التقاطعات مذهلة بتطابقها، وهو ما يعبّر عن صدقيّة عالية لهذا النص، نظراً الى موثوقية تاريخ الطبري بالنسبة للفترة التي يغطّيها نص التلمحري. ومع ذلك وجدنا الكثير من المعلومات التي يقدّمها البطريرك فريدة في محتواها، وتشرح وتفسّر الكثير من المعطيات الغائمة الواردة في كتاب الطبري وغيره من المؤرّخين المسلمين، نظراً الى نقلهم الأخبار عن رواة متعدّدين ومتواترين بشكل شفهي.
وقد شرحنا الكثير من الاشارات العابرة والعبارات الغامضة الواردة في النص، والتي ساهمت في فكّ مستغلقاته، التي استعصت على مترجمي النصوص السريانية أمثال ألبير أبونا مترجم تاريخ الرهاوي المجهول، ومار غريغوريوس صليبا شمعون مترجم تاريخ ميخائيل الكبير. وفيما انطوى اقتباس الرهاوي المجهول على خطأ جغرافي واضح عند حديثه عن ظهور حوت كبير أقلق صيّادي اللؤلؤ في البحر الأحمر، تبيّـن لنا أن الحديث يدور عن الخليج العربي، وفاقاً لنص ميخائيل الكبير، ولولا الخرم الكبير في الأصل السرياني لتاريخ الرهاوي المجهول، والمتركّز في الفترة التي يغطّيها البطريرك التلمحري، لكنّا عثرنا على الكثير من المعلومات التي يمكن مقاطعتها مع النص الذي اقتبسه البطريرك التلمحري. ولزيادة الفائدة قمنا بإضافة خمسة ملاحق إلى الرحلة.
> في السياق نفسه، سبق لك أن أصدرت في دمشق، عن مؤسّسة فلسطين للثقافة، كتاباً يشتمل على دراسة نوعية، تحمل عنوان «الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية» ما أهمّيّة هذه الرواية؟
< دعني أشر أولاً إلى أن هذا الكتاب ينفسم إلى ثلاثة أقسام غير متساوية، ففي القسم الأول، تتمّ مناقشة موضوع السريان والتاريخ، وخصوصية التواريخ السريانية واختلافها عن كتب التاريخ الأخرى، مع تناول مصادر التاريخ السرياني بالتحليل وتبيان درجة صدقيّتها.
أما القسم الثاني، فيورد النصوص التي تناولت أخبار الفتوح والفترة التاريخية التي سبقتها مباشرة، لما لها من علاقة مباشرة بالأحداث التي جرت بعدها، مع محاولة تفسير الغموض الذي لفّ بعض النصوص، وتوضيح بعض الأسماء والأماكن الوارد ذكرها، والتعليق على بعض الأحداث. ثم يأتي القسم الثالث من الكتاب مخصّصاً لتحليل الرواية السريانية تحليلاً نقدياً أضاء بعض الجوانب المبهمة فيها، ووضع بعضها الآخر في نصابها المنطقي.
> وسبق لك أن تجوّلت في بقاع سورية طولاً وعرضاً بحثاً عن معالم آثارية وثقافية، كجزء من البحث العلمي والأدبي في حقل أدب الرحلات والتأريخ عموماً... هل لنا أن نتوقّف عند بعض هذه المعالم اليوم، بينما هناك جزء منها معرّض للزوال في ظلّ حرب طاحنة يشنّها النظام السوري على شعبه وبلاده؟
< نعم، لقد تجوّلت في طول سورية وعرضها مراراً وتكراراً عبر سنوات، وشاءت المصادفات مرّة أن أزور مدينة جاسم، عاصمة بلاد الجيدور، قبيل اندلاع الثورة السورية بأيام قليلة، إذ دعاني بعض الأصدقاء الى القيام بسياحة تاريخية في المكان الذي نشأ فيه الشاعر أبو تمّام، حبيب بن أوس الطائي.
أذكر أنه وقف شاب يمتلئ حماسة، وأشار إلى بيت باذخ العمارة وقال لي: ربما هنا، في مكان هذا البيت ولد الشاعر أبو تمّام، ثم استدار باتّـجاه آخر. وأشار إلى بيت متواضع أشبه بكومة من الأحجار: ولكن المتّفق عليه أنه ولد هنا.. وأردف: هنا أو هناك لا يهمّ، المهمّ أنه ولد في مكان ما ضمن هذه الدائرة الصغيرة التي لا تتجاوز كيلومتراً مربّعاً واحداً. وأشار إلى بيوت بلدة جاسم الوادعة في نهايات سهل حوران والمتجمّعة فيما يعرف بالبلدة القديمة.
إذن، في هذا المكان ذي الصخور البركانية السوداء والتربة الحمراء، والذي تظهر في نهاياته الغربية مرتفعات الجولان الشاهقة المكلّلة بالثلوج، ولد الشاعر الملتبس الأصل! والصريح الموهبة، الذي نقل القصيدة العربية من حال إلى حال. غادر أبو تمّام جاسم ولما يبلغ العاشرة، وعمل عند أحد الخيّاطين في دمشق، وفي دمشق اليوم سوق عريق للخيّاطين يقع في نهاية سوق الحميدية إلى الجنوب من الجامع الأموي الكبير.
في هذا السوق الذي تراصّت دكاكينه على بعضها بعضاً، وازدحم فيه المارّة، عمل أبو تمّام عند أحد أسلاف هؤلاء، هو ووالده، قبل أن يقرّر السفر إلى القاهرة ليعمل سقّاء في مسجدها الكبير ويقبل على مجالس العلم فيها ويحفظ آلاف أبيات الشعر.
لا شك في أن الحنين هاجمه في لحظات خيباته الكثيرة لهذا التلّ الأخضر المكسوّ بالأشجار، القابع غربي القرية كأنه اقتطع من الغابات الساحلية، وألصق في هذه البقعة «الملتبسة» الانتماء بين الجولان الأخضر وحوران الأصفر. ربما من هنا نسب المسعودي في كتابه «مروج الذهب» قرية جاسم للجولان فيما نسبها آخرون إلى حوران!.
> من كان وراء استعادة ابي تمّام في الثقافة الشعرية العربية المعاصرة، لمن يعود هذا الفضل لو كان هناك فضل لأحد بإعادة اكتشاف أهمّيّته كشاعر؟
< الواقع أنه بعد اثني عشر قرناً اكتشف الشاعر علي أحمد سعيد «أدونيس» فرادة أبي تّمام، فرآه «بداية جديدة في الشعر العربي. ربما كتب أكثر شعره بفشل كثير ونجاح قليل، لكنه في كل ما كتب خلاّق، لا متأرجح يخبط وراء انفعاله: إنه الشاعر العربي الأول الذي خلق لنفسه سلاسل فنّيّة وعاش يرقص ضمنها، كما يعبّر نيتشه.
إنه سجين إبداعه، تسيّر شعره إرادة حادّة، ويحكمه تصميم آسر. إنه قبل كل شيء مسكون بهاجس الفن، فالشعر عنده ليس أسير الحياة، بل آسرها، يكيّفها ويختارها ويخلقها على مثال فنّي خاص.
إنه خبير جمال ينام مع صوره ومعانيه نومه مع حبيبته. وهو بغموضه الفنّي الشفّاف، وصوره المتضادة (الصحو الممطر، الضياء المظلم..) لا يوجّه النظر إلى مادة القصيدة فحسب، بل يوجّهه كذلك الى كيفيّتها وشكلها وصناعتها. ولقد خلق في هذا كلّه طقساً جديداً هو طقس الصعوبة حيث لا مجال للسهولة.
عبر مئات السنين كان القمح الحوراني يشحن على عربات الخيل أو البغال إلى دمشق، وكان سائقو العربات المحمّلة بأكياس القمح يشعلون قناديل الزيت ليلاً وينامون فتمضي رواحلهم في طريقها الذي اعتادته من دون خطأ أو خطل.. وفي النهار يتابع الحوذي رحلته التي قد تستغرق يومين.
> كيف لمع نجم أبو تمّام في التاريخ الثقافي العربي، وما هو الظرف الذي ظهر فيه بعد مغادرته دمشق التي شبّ فيها ونشأ وعاش بعد رحيله عن جاسم في حوران؟
< وصل أبو تمّام إلى بلاط المعتصم في سامرّاء، أو «سُرّ من رأى» كما يحلو لبعضهم أن يسمّيها، بعد أن شاع ذكره، فعمل فيه قصائد عدّة، وأجازه المعتصم وقدّمه على شعراء وقته، وقدم بغداد فجالس فيها الأدباء وعاشر العلماء، وكان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس، كما يقول الخطيب البغدادي. لقد حوّل أبو تمّام المعتصم من قائد أرعن دموي الطباع، كما يصفه مؤرّخو تلك العصور، إلى رمز من رموز النخوة العربية.. «وا معتصماه»..

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات