بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
كيف ينظر السوريون اليوم للاحتقان الطائفي والعرقي المتزايد وآليات التعا
  03/05/2013

إرادة السلم الأهلي وتحديات المرحلة

كيف ينظر السوريون اليوم للاحتقان الطائفي والعرقي المتزايد وآليات التعامل معه



هل يدقّ مؤتمر السلم الأهلي ناقوس الخطر لحرب أهلية قادمة أو احتقان طائفي تجاوز نقطة اللاعودة، أم أنّه يفتح باباً مشرعاً للحوار وطرح الحلول الممكنة، استناداً إلى طبيعة السوريين السلمية وإرادتهم الكبرى للعيش بكرامة يريدونها للجميع كما يطلبونها لأنفسهم؟
يبدو أن للثورة السورية أفضالاً على السوريين، وإن غلا ثمن التضحيات وكبر عبؤها، ففي الثورة السورية بدأ السوريون يسمعون بأسماء قرى ومناطق سورية لم يكونوا قد سمعوا بها أو زاروها، أو تعرفوا على خصوصيتها وأحلام أهلها وطبيعتهم، بدؤوا أخيراً ينظرون إلى الأزمات الاجتماعية التي غرقت في قاع الأحداث نتيجة قمع النظام والصمت الطويل، وما إن تتراءى الأزمة حتى يصبح بالإمكان البحث عن حلولها.
كانت هذه إحدى ثمرات التقاء السوريين في مؤتمر للسلم الأهلي، الذي مثل كافة المناطق والمكونات السورية، وأظهر في شيء من مسار النقاشات أنّ الاستبداد أولاً والجهل ثانياً والمصالح الضيقة ثالثاً هي أصل في هذه المشكلة، إذ يعتبر الكثير من المشاركين في مؤتمر السلم الأهلي المنعقد في (اسطنبول 17 و18 نيسان 2013)، أنّه ضرورة ملحة في المرحلة التي تعبرها الحالة السورية اليوم، في محاولة للتأكيد على سوريتهم قبل كل سمة أخرى، مع الاعتراف بوجود تعدديات إثنية ودينية ومذهبية، بل تباين بالرؤى حول حلم سوريا القادمة بين إسلامي وعلماني، لكنهم يصرون على أن تكون هذه التعددية تنوعاً وإثراءاً للثقافة السورية، فلا أقلية ولا أكثرية بل سوريون متساوون من مشارب ورؤى مختلفة.
فهذا ما عرف عن سوريا كما تؤكد (بيان الطنطاوي) في كلمتها في افتتاح المؤتمر: “إننا هنا لا نبني من فراغ، ولا ننشئ شيئاً جديداً في عالم سوريا، إنما نحن نعيد الأمور إلى نصابها، إلى ما كانت عليه سوريا التي فتحنا أعيننا عليها”، ثم تضيف: “أحلم أن يتكلم كل سوري عن أخيه كما كان والدي يتكلم عن فارس الخوري”.
فيما يؤكد مدير المؤتمر الدكتور عبد الكريم بكار في كلمته على إنسانية السوريين، وأنها الدعامة الحامية للنسيج والوئام السوري: “دل ما لايحصى من التجارب أنّه حينما تضعف النزعة الإنسانية، فإن كل النصوص والمبادئ العظيمة، تصبح قابلةً للتأويل من أجل خدمة التوحش والعدوان”، ثمّ يعرف السلم الأهلي بطريقته: “السلم الأهلي رفض تحويل الحق بالاختلاف إلى إيديولوجيا اختلاف، يُنَظّر لها وتُعمّق في وجدان الناس وفي عقولهم”.

فيما عبر الشيخ الشيعي المناهض للسياسة الإيرانية وسياسة حزب الله في لبنان (هاني فحص)، عن أنّ الساسة وأصحاب المصالح وإن قويت شوكتهم، لا يختصرون ولا يعبرون عن فكر الناس وحبهم للسلم والوئام: “ما كان يمكن أن أكون بينكم بهذه الصراحة، لأعود إلى بيروت وإلى الضاحية الجنوبية تحديداً، لولا أنني مطمئن إلى أنّ هناك من يحميني في طائفتي، قلةٌ، كثرةٌ، أنتم رأيتم كيف تقدم السلطة تقريرها في الانتخابات الرئاسية، والتسعة وتسعون بالمئة، دائماً أهل التغيير كانوا في المشهد أقلية، وفي الواقع أكثرية، وهذه الأكثرية الآن ليس تحديها تحدّي أعداد، بل تحدي مسؤولية”.
فيما أكّد الشيخ معاذ الخطيب على أمورٍ ثلاث: “كل فكر تكفيري دموي يستبيح دماء الناس مرفوض شرعاً وأخلاقاً، كل فكر يريد أن يفرض نفسه على الناس مرفوض، فلا إكراه في الدين، كل فكرٍ يريد أن يدمر النسيج الاجتماعي السوري مرفوض”.
ونبّه عصام العطار مرشد الإخوان المسلمين السابق في كلمة مسجلة أنّ: “المواطنة الواعية الصادقة طوق نجاة وسبيل تقدم وازدهار، فلا تتركوا طوق النجاة”.
وفي كلمة اللواء سليم إدريس رئيس هيئة الأركان التي ألقاها نيابة عنه اللواء فاتح حسون قائد جبهة حمص، قال: “نحن في الجيش الحر لا نفرق بين طائفة وأخرى إلاّ على أساس تبعية الفرد للنظام، دون المساس بطائفته أو عرقه أو انتمائه، والجيش الحر يتسع لكل حر يرفض أعمال الفتنة في المجتمع السوري، ويكون انتماؤه لدولة الوطن الواحد”.
مع كل هذه الإيجابية لا بدّ من سؤال يتبادر إلى الذهن، أين تكمن المشكلة إذاً؟ ما هو مصدر كل العنف الذي أرهق الشعب السوري على مدى عامين حاصداً أكثر من مئة ألف قتيل؟
يجيب هيثم المالح عن دأب حافظ الأسد على تخريب بنية مؤسسات الدولة وهيبتها وإفراغها من مضمونها، وتسخيرها لخدمة مشروعه، في تخريب المجتمع السوري وتفكيك لحمته للسيطرة عليه، حيث ربط كل شيء به، فأفسد التعليم والقضاء، وأفسد الجيش بأن حوله من جيش وطني إلى جيش عقائدي، مجبراً كل ضابط على الانتماء لحزب البعث، علماً أنّ ذلك مخالف للمادة 151 من قانون العقوبات العسكرية، التي تعاقب كل عسكري يتحزب أو يدعو لحزب أو يشكل حزباً بالسجن خمس سنوات، ونص المادة قائم حتى اليوم لم يتغير، لهذا: “فقط في سوريا الجيش يتدخل ليقتل الناس”.

فيما يقول رئيس المجلس المحلي للسلم الأهلي المنتخب في السويداء يحيى القضماني: “النظام الأسدي اصطفى الأسوأ وزعّمه على الناس في كل المجالات، الاجتماعية والسياسية والعلمية والفنية، حيث لم يكن يسمح لأي شخص يعارض سياسته بالظهور والتقدم، وهجرة شبابنا أكبر دليل على ذلك”، وكان غسان هيتو أكد في كلمته: “إنّ الظلال التي زرعها النظام وخلفها الاستبداد الطويل، حفرت آثارها عميقاً في بنيتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية، ثم تلا ذك سنوات من عنف دموي خلقت كوارث بشرية وعمرانية، بتأثير العنف العسكري من قبل النظام المغتصب للسلطة في بلادنا منذ اندلاع الثورة”.
فيما يشير الدكتور (علي أبو عواد القادم من مجدل شمس بين وفد الجولان المحتل): “يجب أن نتذكر أنّ النظام بخبثه ولا وطنيته استطاع ليس فقط أن يفكك المناطق، بل دخل إلى الأسرة الواحدة وعمل على تفكيكها بالترغيب والترهيب”.
ورغم كثافة الاجتماعات بين تشكيل ورشات العمل وتقسيمها، ومشاركة المئات من الفعاليات في الداخل والخارج وضيق الوقت، إلاّ أنّ ممثلي حراك السوريين وثورتهم، بدا أنهم مصرون على السير في هذا الطريق بثقةٍ بنواياهم الحسنة، أو فهم عميق لخصوصية المجتمع السوري وإرادته في التخلص من الاستبداد والقمع، والسير قدماً على طريق ثورته الدامي، واثقاً بنصره ومستقبله، ثمّ تحديد كثير من الاقتراحات والحلول التي من شأنها –كما يظنّ المؤتمرون- أن تعيد اللحمة الوطنية، ثم بسط سيطرتها على البلاد لخلق الأمن والأمان وتطبيق القانون، من خلال حكومة منتخبة تعبر عن تطلعات الناس، وتستطيع إدارة موارد الدولة، تبدأ بانتصار الثورة على الأرض من خلال قدرة الثوار على حسم الصراع، إذ لا أمان ولا استقرار بوجود النظام، إلى قوانين تضمن الحقوق للجميع إضافة إلى تفعيل دور المجتمع المدني القادر على لأم الجراح.

وحول هذه الحلول والآليات يقول (فحص): “السلم الأهلي يعني دولة مدنية جامعة حاضنة ديمقراطية تعددية، تحوّل الأعداد إلى معاني وإلى أدوار”. (ان الضمانة الاساسية للسلم الاهلي واستمراره هي:
فقد أعرب (المالح) عن أمله في أن يحسم الثوار الصراع على الأرض، وأن يسعى السياسيون لحشد الطاقات في الخارج والداخل للمساعدة في حسم الصراع، لأنه حسب رأيه: “لا يوجد حل سياسي مع هذا النظام”.
بينما يؤكد (منذر ماخوس) على ضرورة تشكيل الحكومة وإدارة المناطق المحررة من قبلها، وتعبئة الموارد خاصة النفط، وأضاف: “يجب أن نحول الاعتراف السياسي إلى اعتراف قانوني”.
وحذر الشيخ (عصام العطار) من ألاعيب النظام وما يرمي إليه هو وحلفاؤه، فقال: “لا تتركوا أعداءنا يخوفون بعضنا ببعض، ويضربون بعضنا ببعض، ويستغلوننا لمآربهم ضد بعضنا البعض”.

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "
وهذا ما أشار إليه رئيس الحكومة المؤقتة (غسان هيتو) بقوله: “إنّ الحاجة تشتدّ لنشر مفاهيم ومبادئ المجتمع المدني، وبناء السلام وحل النزاعات بالوسائل السلمية، وتطمين الفئات المتوجسة من التغيير وتبديد مخاوفها مستقبلياً، لتدرك أن المجتمع السوري بكامل مكوناته هو الضمانة الوحيدة لاستمرار وجودها، وليس النظام الأسدي الذي تنحسر سلطته وتتقهقر ضمن جميع المناطق”.
أما (عبد الكريم بكار) فقد حض جميع السوريين على التعاضد، لأنه ضمانتهم الوحيدة مهما تغيرت الظروف، قائلاً: “يجب أن نجعل المجتمع الخزان الذي يمدنا بالقوة وروح الوحدة والتعاون، ولو انقسم السياسيون”.


في حين أشار الدكتور (علي أبو عواد) في الاجتماع الذي ضم ممثلي المحافظات الثلاث (السويداء، درعا، القنيطرة): إلى ضرورة تجنب الخلط بين مجرمي النظام في منطقة ما من جهة، وبين المنطقة عامة ومناضليها وثوارها خاصة، بقوله: “عمل النظام عبر عقود طويلة ليكون عابراً لكل الطوائف، والثورة كموقف عابرة لكل الطوائف، ومسألة تحميل جرائم شبيحة النظام لأهلنا على أساس مناطقي أو ديني أو قومي هو خلل كبير”.
وروى الشيخ الدكتور ابراهيم محمد الحريري في اجتماع المحافظات الجنوبية الثلاث مثالاً جيداً عن النوايا الحسنة، وتقديم الخير في التعامل بين الإخوة والأهل قائلاً: “يجب ألاّ ننظر إلى الثورة من قدم فيها أكثر، فهي ليست مجالاً للمزاودة، بل هي مسؤولية الجميع كل حسب ظرفه وطاقته، وقد سئلت على إحدى الفضائيات في بداية الثورة عن حلب، وكانت حلب لم تتحرك بعد، فأجبت بقول رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ يقول: أمتي كالغيث، لا يدرى آخره خير أم أوله، وقلت لهم حلب قادمة إن شاء الله، وقد قدمت حلب والحمد لله وكانت فارقةً في مسار الثورة”.

وبحثاً عن الحلول والآليات يشير رئيس مجلس السلم الأهلي المنتخب في الحسكة (حفيظ عبد الرحمن) أنّه لا بدّ من تعاضد القانون ومجالس السلم الأهلي، بحيث ينظم القانون عملية العدالة الانتقالية، وأضاف: ” ترتكز العدالة الانتقالية على ثلاث نقاط: أولاً مبدأ المحاسبة، ثانياً جبر الضرر والتعويض، ثالثاً المصالحة الاجتماعية الوطنية، ويأخذ القانون الشقين الأول والثاني، فيما تبقى بعض الأشياء مرتبطة بطبيعة المجتمع وعاداته وإرثه الديني وقيمه المختزنة، ربما اختصرت هذه المسافات، وتوصلنا إلى نفس النتيجة فالقانون شيء لا بدّ منه، فإن توفرت أدوات مجتمعية تختصر المسافة فلم لا؟”
وبهذا المنحى أيضاً يرى الشيخ (عبد الغني البطوشي) نائب رئيس المجلس المحلي للسلم الأهلي في ريف حلب أنّ المصالحة تقوم على إعادة الحقوق من خلال المحاسبة من جهة، والتعويض من جهة أخرى.
فيما أكد ممثل محافظة القنيطرة في الائتلاف (محمد صبرا)، على ضرورة إنشاء تقاطعات ولجان تعمل على السلم الأهلي بين المحافظات يتم انتخابها من شخصيات الداخل ذات الثقل الاجتماعي والعمل على حل الخلافات والالتباسات الحاصلة.
بينما يرى أمين سر المجلس المحلي للسلم الأهلي في السويداء (فاضل المنعم)، ضرورة تطوير جهاز أمن داخلي من الثوار والمنشقين، لمساعدة المجالس المدنية في المناطق المحررة من السقوط في اللا أمن وخاصة منها نقاط التماس، أمّا في المناطق غير المحررة حتى الآن، فيجب تشكيل هذه اللجان المشتركة التي أشار إليها الأستاذ محمد صبرا، لتعمل على درء الخطر ووأد الفتن التي يعمل عليها النظام قبل تفاقمها.
حل الأزمة في جيل الشباب، إن كان كل الكبار يتكلمون ضد الطائفية، هل تنويع من تكلموا مناطقياً ودينياً شاملين كل الطوائف، دليل على أمان قادم تعيشه البلد، إذ يُجمع الكل على نبذ الطائفية والفرقة والعنف؟
ينظر الجميع اليوم إلى الوضع في سوريا بكثير من القلق، خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل كثيرة تساهم في الأزمة ومذبحة الشعب السوري على الأرض، منها الظروف الإقليمية والدولية التي تدير صراعاً على مصالحها، أرضه سوريا، روسيا وإيران وحزب الله والتدخل العراقي، ومن جهة أخرى دول غربية وعربية إضافة إلى التحشيد الديني المضاد، حيث يقدم إسلاميون من بقاع كثيرة تحت دعوى نصرة الشعب السوري، فهل من المشروع السؤال حول مؤتمر السلم الأهلي فيما لو كان نفحة من خيال الأماني، ولا يمثل ما يحدث على أرض الواقع، أم أن إرادة السوريين بالعيش ستنتصر على المحنة

 ضوضاء – مؤتمر السلم الاهلي – اسطنبول 17 و18 نيسان 2013

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات