بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
بيسان الفلسطينية تاريخيّاً والجولان المحتل راهناً
  19/07/2013

الأرض بين إرادة الأهالي وحكم الاستعمار:  بيسان الفلسطينية تاريخيّاً والجولان المحتل راهناً

لموقع
"جولان نيوز"

د. منير فخرالدين *



حوار مع د. منير فخر الدين حول أطروحته في تاريخ فلسطين، "جماعات المُلاّك: قانون الأرض، الحكم، والسياسة في فلسطين في آواخر العهد العثماني وإبان والحكم الانتدابي البريطاني، 1858-1948" (جامعة نيويورك، 2008)


الحلقة الأولى – محورها المركزي: ملكية الأرض في النظام العثماني

لماذا كتبت رسالة دكتوراة عن بيسان؟


أردت أن أفهم تاريخ الصراع حول الأرض في فلسطين، واخترت بيسان نموذجا، ثم اكتشفت أن لها خصوصية معينة، وبالتالي يمكن أن يكون فيها سر ما يساعدنا على فهم الصورة العامة. لكن قبل أن أدخل في التفاصيل، أريد الإجابة على هذا السؤال كسؤال شخصي، فذلك من لبّ الموضوع أيضا. لقد قادتني إلى موضوع الأرض أسئلة أو أمور غامضة، أثّرت فيّ منذ الصغر، وخلال نشأتي وبداية تفتحي على جغرافيا الاستيطان التي نعيش فيها. أذكر سؤالا راودني كثيرا: كيف يمكن للإنسان أن يقول هذه القطعة من الطبيعة التي يعبر عليها ويندثر فيها، هي ملك له، يرثه أو يورثه، وترتبط به كرامته وسيادته ارتباطا وثيقا وجوهريا؟ أذكر حسرة جدي الكبيرة التي لم تفارقه طيلة حياته نتيجة خسارته لقطعة أرض خلف خط وقف إطلاق النار مع القوة المحتلة من عام 1974. أذكر أيضا أني كنت في الصغر أذهب مع أخي وجدتي إلى جبل الشيخ بحثا عن بقرات جدتي، وكنا نهبط أحيانا من "سهل نصوبا" نزولا حتى تخوم قرية جباثا على السفح الغربي للجبل. كانت جدتي تحذّرنا من الجيش الإسرائيلي ومن المستوطنين، وتقول لنا إنهم طردوا أهالي جباثا ودمروا قريتهم واستعمروا أراضيهم. هذه الجوانب الشخصية من قصة الأرض لم تفارقني أبدا، بل عادت لتؤثر في خياري الأكاديمي.

ما الذي تعلّمته من البحث في مسألة الأراضي في فلسطين؟

هذا السؤال يحتاج إلى بعض الشرح. إنّ ملكية الأرض كما نعرفها اليوم تعود جذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا إلى قانون الأرض العثماني من عام 1858 وقانون الطابو الذي تبعه. في هذه التشريعات، وفي تعديلات عديدة لاحقة، نشأ ما يشبه الملك في الأرض الميري. إذ أنَ الأرض الميري كانت تعتبر، من حيث المبدأ، الأرض التي ليست من فئة "الملك"، وبالتالي لا تطبق عليها مبادئ الشريعة الإسلامية التي تصون حق الملكية الفردية صونا تاما، إنما القانون الإداري العثماني، الذي يرجع "الرقبة" فيها إلى السلطان. وقد أعلن العثمانيون معظم الأراضي التي فتحوها من المماليك في بداية القرن السادس عشر، أرضا "ميري". لكن حقوق الفلاحين في حيازة واستغلال الأرض حُفظت سياسيا، اشتقاقا من مقولة العدل السلطاني، أي واجب السلطان في حفظ العدل وشرع الله على الأرض، وكذلك شكّلت الحجر الأساس لميزانية الإمبراطورية ونظامها الاقتصادي. وكانت الأرض تقاس ليس بالمتر إنّما بالقيمة النقدية للضرائب التي تجنى منها، وكان يتوسط بين مالك الرقبة (السلطان) والمتصرف (المزارع) قادة العسكر العثماني بمراتبهم المختلفة، الذين كانوا يكلَّفون بجبي ضرائب الميري من الفلاحين (وهي عادةً عُشر محصول الفلاح من الأرض). هذا النظام له تاريخ طويل ومعقّد، فعلى سبيل المثال، استبدلت طبقة العسكر الوسيطة ودخلها أصحاب الرأسمال من المدنيين منذ منتصف القرن التاسع عشر (أي حركة التنظيمات التي يؤرخ لبدايتها في العام 1839). أنا أتحدث هنا بالطبع باختزال شديد، لتبيان البنية العامة للنظام وتحولاته التاريخية، دون كثير من التفاصيل. ما حدث في منتصف القرن التاسع عشر – وهو جزء من الدمج التبعي للإمبراطورية العثمانية بمركز نظام الاقتصاد الرأسمالي العالمي في أوروبا آنذاك – هو تبلور مفهوم الدولة المحددة جغرافيا (لا الدولة التوسعية) وارتبط بذلك تحول مفهوم الأرض من شيء يقاس بقيمة الضريبة المجنية منه، أي كشيء لا يملك إنما تملك منتوجاته ويتم تقاسمها بين المزارع وجاني الضريبة والسلطان، إلى شيء قائم بحد ذاته ليملك ويباع ويشترى كمساحة مجردة عن حقوق تقاسم الانتاج المرتبطة بها. هذا من جهة، أما من جهة ثانية، ترافق ذلك التحول الكبير مع النشوء التدريجي لفكرة الدستور الذي يحفظ الملكية الخاصة في الأرض الميري ضمن إطار مواطنة عثمانية يتساوى فيها جميع الرعايا دون تمييز ديني. إذن، وإجابة على سؤالك، يجب التأكيد على البعد السياسي للملكية الخاصة، إذ أنّها اقترنت في القرن التاسع عشر بالحقوق السياسية للمواطن، والتي تقع في توتر ما مع المفهوم السلطاني للسيادة وتملك رقبة الأرض.

هل نجحت السلطنة العثمانية في هذا التحول؟

ليس بشكل تام، إنما إلى درجة كبيرة. فما حدث هو أن السلطنة كانت تجري عملية التحديث هذه تحت نوعين من الضغوط: أولا، الضغوط الخارجية والمتمثلة بالهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأوروبية (أو ما يعرف بـ"المسألة الشرقية" والحروب الطاحنة للعثمانيين مع الروس تحديدا)؛ وثانيا، الضغوط الداخلية، الاقتصادية والإدارية والسياسية، التي أدّت إلى ارتداد السلطان عبد الحميد الثاني عن فكرة الدستور ومبدأ سيادة الشعب. فكما هو معروف أوقف عبد الحميد أول تجربة ديمقراطية عثمانية بعد عامين فقط على نشوئها (1876-1878) وحكم استبداديا، حتى أن تمّ عزله بانقلاب عسكري عام 1908، أعاد الدستور والبرلمان ورفع جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم.

الحكم الاستبدادي بطبيعة الحال ينتهك حقوق الفرد أو يقلّصها، هل كان لحكم عبد الحميد أثرا سلبيا على الملكية الخاصة في الأرض؟

الجواب هو لا! وهذه مفارقة مهمة. كان عبد الحميد حاكما مستبدا من الناحية السياسية، وهذا ممّا لا شك فيه، وقد استعمل خطابا إسلاميا كخليفة جميع المسلمين في العالم، وتحدث بصفته صاحب مشروع حضاري إسلامي (تقاطعت معه تيارات نهضوية عربية في ذلك الوقت)، لكي يضفي الشرعية على حكمه الاستبدادي. لكن لم يكن بإمكان عبد الحميد، ولا حتى برغبته، تحويل عجلة التاريخ إلى الوراء وتفكيك منجزات حركة التنظيمات في بناء الدولة الحديثة. بل إن الأبحاث الأكاديمية الجديدة تؤكّد على أنّ عبد الحميد شرع في تعزيز سلطة الحكومة المركزية ومهّد بذلك لتركيا العلمانية لاحقاً. بالطبع، كانت مساهمته هذه قد هُمّشت من قبل أجيال من المؤرخين الأتراك والأوروبيين، لتظل صفة الاستبداد هي الأبرز في سيرته. إلاّ أنّ ما حدث في مسألة الأرض في تلك الفترة لهو مؤشر على قوة الليبرالية الاقتصادية في عهده ورغم سياسياته. فالملكية الخاصة اتّسعت بدل أن تتقلص، خاصة على شكل مزارع ذات مساحات شاسعة متمركزة بيد عدد قليل من الملاك. وهذا لم يعتمد فقط على عوامل السوق إنما أيضا على سياسات الحكومة (الرامية إلى سد عجز الميزانية بعد إعلان الإفلاس في العام 1872 وخضوع الإمبراطورية إلى سيطرة الأوروبيين على ميزانيتها مباشرة). حتى أنه يمكن القول عموما إن الرأسمالية أو الليبرالية الاقتصادية لا تتناقض مع، بل تحتاج، الاستبداد السياسي والاستعمار. هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فقد قام عبد الحميد في تلك الفترة باستحداث نوع جديد-قديم من الملكية السلطانية، ليعزز من مكانته السياسية داخل الامبراطورية ويحد من قوة البرجوازية وسيطرتها على ثروات المجتمع العقارية.

تقصد هنا ما يعرف بأرض "الجفتلك"؟

نعم. لكلمة الجفتلك معاني عديدة، أحدها هو الأرض السلطانية (أو جفتلك هومايون)، إذ قام عبد الحميد باستغلالها، فطوب باسمه ملكيات شاسعة في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر، بلغت مساحتها ملايين الدونمات، موزعة على مناطق عديدة في المملكة، من فلسطين وسوريا والعراق والأناضول. في فلسطين، جزء هام من هذه الأراضي كان في الغور، وتحديدا في بيسان وسمخ وأريحا. المساحة الأكبر كانت في بيسان، وقد تمّ إحياء وتطوير بلدة بيسان لتصبح مركز مديرية الأراضي السلطانية، وأقيم فيها خان ومباني حكومية وسوق وشقت الطرق وبنيت الجسور، ومُدّت لاحقاً سكة حديد الحجاز (خط حيفا-درعا) بحيث ربطت أراضي السلطان ومرج بن عامر بحيفا ودمشق. وهكذا جُعلت بيسان مركزا تجاريا وإداريا للمناطق الواقعة على ضفتي نهر الأردن، واستقطبت التجار والصناعيين من نابلس والناصرة وطبريا، وأثّرت في حياة الجماعات البدوية المحيطة. وقد كان لهذه التطورات مغزى سياسي هام جدا، إذ دلّت على أنّ السلطان بحاجة إلى أن يؤكد على سيادته إزاء بيروقراطية الدولة الحديثة وقوة التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وكذلك إزاء المصالح الغربية شبه السيادية التي اجبرت الامبراطوية على الاعتراف بها نتيجة الحروب الطاحنة التي خاضتها مع روسيا تحديدا. ولتوضيح هذه النقطة، أشير إلى أنّ ملكيات عبد الحميد الكبيرة هذه نشأت متزامنة مع، ومن خلال، نفس الإجراءات الإدارية والقانونية لملكيات عائلات سرسق وتويني وبشارة والخوري والقباني وسواهم من المتموّلين الكبار من بيروت ودمشق، التي تمركزت في السهول الخصبة وأشهرها مرج بن عامر (الذي بيع، كما هو معروف، لشركات الاستعمار الصهيونية في أول عهد الحكم البريطاني). إذن نتحدث هنا، داخليا، عن تنافس اقتصادي بشكل بيِّن، وسياسي-قانوني بشكل مبطّن، بين نمطين متناقضين من الملكية الخاصة: الأول خاص بالسلطان، الذي هو من حيث المبدأ السلطاني صاحب الرقبة على الأرض، والثاني خاص بالمالك الفرد الذي صار صاحب حق الملكية في الأرض الميري، بما يزاحم السلطان على سيادته. أما على الصعيد الخارجي، فإننا نتحدث عن تنافس اقتصادي سياسي مع القوى الأجنبية التي أتاح لها نظام الأراضي الجديد نوافذ ليست صغيرة في البلاد.

يوجد هنا تشويه معين لمبدأ سيادة الشعب!

بالتأكيد. إذ أنه من المفترض أن تقترن الملكية الخاصة بحق المشاركة السيادية للمواطن، أي حق الاقتراع للسلطة التشريعية (أو ما يسمى بالانجليزية enfranchisement). هذا من ناحية داخلية، أما من ناحية خارجية، فالمعضلة هي كيف يمكن للمجتمع أن يكون رأسماليا دون تقويض سيادته الوطنية. هل هذا ممكنا؟ هذه كانت معضلات النهضة العربية في ظل العثمانيين وبعدهم، وإلى الآن.

وقع المجتمع العثماني إذن بين مُلك السلطان ومُلك أصحاب الرأسمال الكبار والمستعمرين فضاع الشعب بين الاثنين.


نستطيع أن نطلق هذا الحكم إلى حد ما. لكن علينا أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار أن الجماعات الأهلية المحلية، كما في إقليمنا مثلا (إقليم البلان) وغيره، حافظت على بنى السلطات العائلية أو القبلية الهرمية، وهذه البنى لم تعارض فكرة المساواة النسبية بين أبنائها، ولم تعارض فكرة الملكية الخاصة، إنما عارضت أن يكون للدولة سلطة إدارية مباشرة على الأفراد بشكل يتخطى تماما وبالتالي يدمّر السلطة الهرمية الأهلية. على سبيل المثال، كانت منطقة مرج اليعفوري عندنا تقسّم بالأرباع والأسهم على العائلات المختلفة ويعاود فرزها وتوزيعها كل فترة معينة بين المزارعين، مما خلق نوعا من العدالة الاجتماعية ضمن بنية المشيخة الهرمية، وهو ما يعرف بنظام المشاع (وللتنويه كلمة مشاع لا تعني أن الأرض مباحة هكذا، دون عرف أو شرع، بل هي نظام له قوانين وأحكام يضعها أهل البلد بأنفسهم – هذا كان صحيحا تاريخيا كما أنه صحيح اليوم، كما تشهد مسألة أراضي وقف الجبل في مجدل شمس). وحين دخلت الأشجار في بداية القرن العشرين، مثل التوت لتربية دود القز، بدأت الأراضي تستقر بأيدي المزارعين كأملاك خاصة وثابتة، وبالتالي تأسس نظام الملكية على أساس النظام السابق وحافظ على مبدأ العدالة الاجتماعية النسبية التي كانت فيه. ربما كانت قوانين الدولة الجديدة (قانون الطابو والضريبة) عاملا في فرز المشاع وتكوين الملكية الخاصة، لكن النقطة هي أنّ القرى كانت قادرة على تنظيم الكثير من أمورها الداخلية بذاتها، خاصة عندما كانت تتصرف انطلاقا من أنّ لها شخصية سياسية، تضطر الدولة أن تعترف بها وتتعامل معها ولو ضمنيا. وجود هذه الاستقلالية المحلية النسبية، كان صمام أمام ضد استبداد السلطان كما ضد استبداد الرأسماليين. هذه المقدرة على حكم الذات، حتى وإن كانت جزئية وغير منتظمة وتتعرض لضغط منهجي من قبل الدولة المستعمرة، ما زالت موجودة، وهي تساعدنا في الصمود أمام مخططات الاحتلال والدفاع عن كياننا وهويتنا وحقوقنا الأساسية.

أريد أن أسألك لاحقا عن مسألة حيازة الأرض في الجولان المحتل اليوم، لكن لنبقى في موضوع الأطروحة: كيف تعامل الحاكم البريطاني مع الاستقلالية الأهلية في فلسطين؟

ما حدث زمن الانتداب البريطاني، هو أن حكومة الانتداب هاجمت الاستقلالية المحلية النسبية للقرى والعشائر بأكثر حزم من سابقاتها العثمانية، خاصة في مسألة نظام الحيازة على الأرض. إذ عدّلت قوانين الأرض وقانون الطابو العثماني وأدخلت ما يسمى بـتسوية الأراضي أو بالانكليزية Land Settlement.

أو ما يسمونه بالعبرية "هسدير كركعوت".

نعم، هذه هي الترجمة اللغوية للكلمة، لكن في الواقع هناك فارق مهم هو، باختصار، أن "تسوية الأرض" الإسرائيلية ضيّقت على الفلاح العربي أكثر، ومكّنت إسرائيل من مصادرة كثير من الأراضي العربية من أجل الاستيطان اليهودي عبر مؤسسة الصندوق القومي اليهودي وإدارة أراضي إسرائيل. التطبيق الأكثر شهرة لهذه السياسة العنصرية كان عبر مشروع "تهويد الجليل" في ستينات القرن الماضي، حيث أدّت إلى هبّة يوم الأرض الدامي عام 1976. لكن هناك أيضا بدو النقب الذين ما برحوا يعانون أشد معاناة من هذه السياسات. وكذلك لنا نحن حصة كبيرة من هذا السلب الاستعماري المنتهك لروح العدل والأعراف الحقوقية الكونية.

هل نجح البريطانيون في فرز المشاع وتعميم الملكية الخاصة من خلال تسوية الأرض؟ لماذا نسمع أن تسوية الأرض استمرت بعد قيام إسرائيل؟

البريطانيون فعلا سعوا بجدية لتعميم الملكية الخاصة وفرز المشاع، لكنهم لم يستطيعوا استكمال التسوية إلا في ثلث من مساحة فلسطين، وكان معظم ذلك في المناطق التي تملّك فيها اليهود.

لماذا؟

لأسباب سياسية بالأساس، لكن هنالك أيضا اعتبارات جغرافية وإدارية. وهذه الأسباب متعلقة ببعضها إلى حد كبير.

الأسباب السياسية تعود بالتأكيد إلى وعد بلفور عام 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

نعم، فلقد تم تضمين هذا الوعد (وهو رسالة من وزير خارجية بريطانيا بلفور إلى زعيم الحركة الصهيونية العالمية هرتزل آنذاك) في أحد بنود صك الانتداب الخاص بفلسطين الصادر عن عصبة الأمم في العام 1922، وقد تعامل معه البريطانيون بنوع من القدسية واستعملوه مرارا وتكرارا لضرب فكرة الدولة الديمقراطية التي يتساوى فيها جميع المواطنين، والتي تمسكت فيها القيادة الفلسطينية طيلة الانتداب وإزاء قرار التقسيم عام 1947.

إذن جاءت تسوية الأرض خدمة للمشروع الصهيوني وانتهاكا لحقوق العرب؟

إن وضع الأمور في هذه الصياغة يصيب جانب من الحقيقة، لكنه يعتم على جوانب أخرى جوهرية. من العبث القول إن الملكية الخاصة كانت في مصلحة اليهود حصرا دون العرب، فهذا لم يكن صحيحا تاريخيا ولا يمكن أن يكون صحيحا حاليا أو مستقبليا، فالبرجوازية المحلية استفادت ودافعت عن حق الملكية الفردية في الأرض.

أين تقع المشكلة إذن؟

أولا في الصراع الطبقي، وثانيا في منع الاستعمار لنشوء تمثيل سياسي تكون فيه الأغلبية العربية هي المشرِّع في الدولة، وليس الأقلية المفضلة والحكام البريطانيين الاستعماريين (إذ لم يكونوا في حقيقة الأمر "منتدبين" بل مفروضين من الخارج). التاريخ السياسي للانتداب في فلسطين ظل محكوما بوعد بلفور ورغم محاولات عدة لتأسيس برلمان (على غرار سوريا ولبنان والعراق) إلاّ أنّ بريطانيا ظلت متمسكة بألا يكون للأغلبية العربية وزن الأغلبية على الإطلاق، وبالتالي مُنعت من القول في مسائل الهجرة وانتقال الأراضي لملكية قومية يهودية، أي منعت من حقها في تقرير مصيرها القومي. إذن المشكلة ليست في شراء الأرض أو بيعها كملكية خاصة، إنما في سحب حق السيادة من الغالبية العربية الأصلية في البلاد ومنح امتيازات استعمارية لأقلية يهودية وافدة من أوروبا لتملّك الأرض في إطار مشروع دولة إثنية استعمارية في طور النشوء. ما قاله أحد رجالات النهضة في بدايات الاحتلال في هذا الصدد، ظل صحيحا طيلة فترة الانتداب، "وأنكرنا وصايتهم علينا \ وقد جعلوا بوادرها اغتصابا؛ ولم نندبهم للأمر فينا \ وقد حكموا وسمّوه انتدابا؛ ودسّوا السمّ في الدستور دسا \ فما ذقنا الطعام ولا الشرابا" (من قصيدة لوديع البستاني بعنوان "طبخة الدستور" نشرت في مجلة الزهرة عدد 1-2 السنة 3 (أيار 1923)). لكن ما أخفاه خطاب النهضة بمعظم تياراته هو علاقات القوة والهيمنة الطبقية داخل المجتمع الفلطسيني.


ماذا حدث في بيسان؟ هل تمّت خصخصة أراض السلطان هناك وهل سهلت الملكية الخاصة الاستيطان اليهودي هناك؟


ما حدث في بيسان أمر في غاية الأهمية. بعد عزل السلطان عبد الحميد حاولت حكومة الاتحاد والترقي بيع ممتلكات السلطان المدوّرة (أي المرجعة إلى خزينة الدولة بعد مصادرة خزينة السلطان الخاصة) إلى رأسمالي كبير من بيروت، يدعى نجيب الأصفر، بحجة التطوير ودعم خزينة الدولة المأزومة. لكن الأهالي استطاعوا، في حملة شعبية دامت قرابة أربعة أعوام (1909-1913)، وبمساندة النواب العرب في البرلمان والأعيان والصحافة المحلية، أن يثنوا الحكومة عن قرارها. اتهم الأصفر آنذاك بأنه يعمل خفية لحساب شركة صهيونية في أوروبا، مما أعطى للحركة الشعبية زخما نادرا. لكن حتى وإن لم تكن تلك التهمة صحيحة، فإنّ المشكلة كانت في تمليك رأسمالي كبير كهذا، مما كان سيضرب الرابط السياسي والأخلاقي للأهالي بالأرض (الذي ضمنه لهم جفتلك عبد الحميد)، فيتيح إخراجهم منها مستقبلا حسب ظروف السوق ومتطلبات الرأسمال، بلا اعتبارات سياسية أو أخلاقية... كما حدث في وقت لاحق مع أهالي مرج بن عامر ووادي الحواريث وغيرها، التي تملّكها رأسماليون آخرون غير الأصفر.

نجاح تلك الحملة الشعبية يدل على أهمية ما ذكرته بخصوص التمثيل السياسي.

نعم، هذه هي النقطة التي أريدها. فتلك كانت حقبة إعادة الدستور والبرلمان كما أسلفت، ولا شك أن كانت لها ثمار ملموسة، بالرغم من سلبياتها المعروفة بالنسبة للعرب (مثل سياسة التتريك التي كانت تهدف إلى إضعاف التعددية الثقافية ضمن الإطار العثماني وضرب نزعة اللامركزية في الولايات العربية).

كيف نظّم الفلسطينيون أنفسهم سياسيا في ظل غياب برلمان في زمن الانتداب؟


على الرغم من كل انتقادات المؤرخين لأداء القيادات الفلسطينية في هذا المجال، إلا أن الإنصاف يوجب التروي قبل إصدار أحكام تكرر مقولات المستعمر، فالفلسطينيين مارسوا التنظيم السياسي الوطني ومارسوا التنظيم الشعبي وكذلك الانخراط في أجهزة الحكم، إضافة إلى الاحتجاج بكافة أشكاله، من برقيات ووفود سياسية إلى لندن وثورة.

هل نفهم من كلامك أن الفلسطينيين قاوموا بكل ما يمكنهم القيام به تاريخيا، وعلى أتم وجه؟

لا بالطبع، ما من مؤرخ يمكنه أن يقول لك مثل هذا الكلام، ليس فقط عن الفلسطينيين بل عن أي شعب آخر. ما أريد قوله هو أن نقاط القصور في أي شيء لا يمكن أن تظهر للعيان بنظرة سطحية إلى الأمور، ولا بد من النظر عن كثب في التاريخ واستعمال أدوات البحث والمصادر وأطر التحليل المتاحة في كل عصر.

ما الذي وجدته في بيسان؟

ما وجدته في بيسان في بداية الاحتلال البريطاني هو حركة نهضة وطنية متميّزة عن سابقتها في آواخر العهد العثماني من حيث تواصلها المباشر مع الفلاحين ومحاولة تنظيمهم. ولهذا الأمر سياق. لقد اعتبر البريطانيون، كما حكومة الاتحاد والترقي قبلهم، الأرض السلطانية المدورة "أرض دولة"، وسعوا كذلك لخصخصتها وقد استعملوا حجة التطوير كما فعلت حكومة الاتحاد والترقي، لكن بفارق جوهري وهو أنهم اعتبروا أن هذه المهمة لا يقدر عليها إلا المهاجرين اليهود ذوي الرأسمال والعلم والخبرة الذين سيأتون بالمنفعة على السكان الأصليين. وبالفعل فقد واجه أهالي بيسان خطر داهم في بدايات الاحتلال، إذ كان المحتلون يرمون إلى منح الحركة الصهيونية امتيازات خاصة في أراضيهم. لكن الحركة الوطنية تنبّهت وهبّت بكل قواها ونجحت في تنظيم الاحتجاج الشعبي، الذي حرّكه شبان متنورون أبرزهم كان جبران كزما (وأصله من الناصرة) ومبارك زعبي (من إحدى قرى بيسان) ويوسف زمريق (وأصله من دمشق) وفريد فخر الدين (وأصل عائلته من نابلس – لا علاقة قرابة بي)، وغيرهم كثيرون. لقد نظّم هؤلاء أولا حملة شعبية ناجحة للامتناع عن دفع الضرائب، بعد أن زجّت السلطة في بيانات الضريبة لعام 1921 كلمة "مستأجر" بما يعني أن الأرض ملك للدولة وبالتالي فإن الوجود العربي عليها هو علاقة اقتصادية فحسب تحكمها قوانين وأعراف الإيجار والاستئجار. أما أهل البلد فاعتبروا أنفسهم بالطبع أصحاب الملك، بالمعنى الاقتصادي والسياسي والأخلاقي في آن معا. وقد كان الامتناع عن توقيع هذه المستندات تعبيرا وتجسيدا لهذه الرؤية الشعبية.

لكنهم لم يملكوا وثائق ملكية...

لقد ملكوا الحق التاريخي والأخلاقي والإرادة الشعبية، مما اضطر هربرت صموئيل، المبعوث البريطاني لإدارة فلسطين (قبل شغله منصب المندوب السامي بشكل رسمي حين دخل الانتداب حيز التنفيذ عام 1923) للإذعان والاعتراف بأن للعشائر والقرى في بيسان حقوق ملكية أقدم من حق السلطان، وأن فساد السلطة العثمانية هو السبب في خسارتهم لصكوك الملكية، الخ. المهم هنا أن البريطانيين قرروا الاعتراف برابط أخلاقي بين السكان والأرض (وهم بذلك مشوا على خطوات عبد الحميد وإن كان بشكل مختلف) وبالتالي أبرم الطرفان اتفاقا سمي "اتفاق غور المدورة" وتم بموجبه تطويب الأرض باسم المزارعين الحاليين لقاء رسوم تساوي قيمة الأرض في السوق. وكان للحركة الوطنية دور حاسم في التوصل إلى هذا الاتفاق والدفاع عنه في بدايات تطبيقه...

لكن تمت هنا عملية بيع وشراء...

ليس بالضبط، الاتفاقية أصيغت بشكل ضبابي، لكي تتيح لكل طرف أن يسميها كما يشاء.

لكن الدولة أقوى وهي التي تحدّد المعنى...

من ناحية يوجد دائما الإرادة الشعبية التي يمكنها أن تفرض على السلطة منطقا معينا، لكن الحالة غير مثالية تماما. من المهم أن نرى هنا تركيبة المعنى العملي للعقود والنصوص والدساتير والقوانين وما شابه، فهو ليس شيئا بسيطا أو ذي بعد واحد. أقصد التالي: ما حصل في تسوية الأرض هو فعلا عملية تمليك للسكان. من هذه الناحية تم الحفاظ على الأرض من الناحية الاقتصادية، لكن بقيت الحق السياسي سؤالا معلقا، إذ أن تسوية الأرض أدخلت أرض بيسان كسائر أراضي فلسطين في معادلة الانتداب الاستعمارية وفكت الرابط بين الملكية والمُلك (أو الحق السياسي في تقرير مصير الأرض). ومن هذا المنطلق، وبنظرة إلى الوراء، نجد أن النصر السياسي لم يتحقق بفضل هذا الاتفاق، بل أن الخسارة السياسية سوف تؤدي إلى نشوء مستعمرات في 30% من أرض بيسان في الأربعينات.


هل غفلت الحركة الوطنية عن هذا الأمر تماما؟

لا أعتقد ذلك، لكننا بالتحليل يمكننا القول أن التأكيد على الانجاز كان ربما من ضرورات بعث الروح الوطنية. بشكل عام، كان أيضا هناك أمل عند فئات معينة في أن البريطانيين سوف يعدلون مع أهل البلاد. البعض قالوا إن البريطانيون كانوا مخدوعين وأنهم يجهلون الحقيقة "البلشفية" للحركة الصهيونية وأنهم إذا ما أدركوا تلك الحقيقة سوف يعجّلون إلى ربط مصالحهم بالعرب حصرا. أحد أشهر هؤلاء هو نجيب نصار، صاحب جريدة الكرمل التي صدرت في حيفا منذ أواخر العهد العثماني حتى الحرب العالمية الثانية، ويعتبر أحد طليعي الصحافة الفلسطينية الوطنية (لقب لاحقا بشيخ الصحافة الفلسطينية). لقد أسّس نصار، في بداية الاحتلال، "الحزب "الانكلوفيلي" أي "المحب للانكليز"، وظل مع هذا الهاجس سنوات، قبل أن يتحقق من أن العرب هم المخدوعون بحقيقة البريطانيين لا البريطانيين بحقيقة الصهيونية.

لكن بعد فوات الأوان!

علينا أن نعي مسألة مهمة في تاريخ القرن العشرين عموما، وهو وجود مفاهيم معينة لحكم السكان، تنظر إلى الإنسان بوصفه كائنا بيولوجيا في تركيبة سكانية هي موضع سياسات اقتصادية أو صحية، الخ، وليس فقط ككائن ذي إرادة سياسية. أي أن الإنسان حتى حين يكون مواطنا، أي كائنا سياسيا يمارس حكم ذاته بذاته ومن أجل ذاته عبر نظام التمثيل البرلماني (وهو التعريف العام السائد للديمقراطية)، فهو في ذات الوقت موضوع للسلطة الحكمانية (فوكو). في الدول الليبرالية-الرأسمالية المتقدمة يوجد نظام تمثيل ثابت وواضح إلى درجة كافية بحيث يحقق الإنسان من خلاله وجوده ككائن سياسي، ويوجد بالمقابل قنوات للمشاركة في بلورة سياسات حكم السكان بشكل منتظم من خلال مؤسسات المجتمع المدني كمراكز الأبحاث والخدمات، وهو عالم المنظمات غير الحكومية ومجموعات الضغط، الخ. في هذه التركيبة يوجد أيضا حركات الاحتجاج التي تنزل إلى الشارع، كما في أوروبا عام 1968، أو كما يحصل مؤخرا ضد العولمة، لكن هذه الحركات تبقى خارج عمل البنية السياسية وآلية الحكم. أما في بقية العالم، وفي الواقع الاستعماري تاريخيا، فإن عملية الحكم والسياسية تستثني السكان بدرجة أكبر بكثير ولذا فإن الثورات الشعبية وحركات الاحتجاج تلعب أدوارا مختلفة، منها مقدرتها على تعطيل عملية الحكم أو تعديلها، أو الدفع جدليا باتجاه صيغ سياسية جديدة لها، كرفع درجة الاستقلال أو إجبار المحتل على إعادة الانتشار أو الجلاء، الخ.

فلسطين تحت الانتداب فشلت في تحقيق الجلاء.

صحيح. لم يتم الاعتراف بالفلسطيني ككائن سياسي مستقل إلا في عام 1947، أي في آخر يوم للانتداب، دون أدنى تهيئة أو تحضير، واجتزاء لحقه (أي على شكل مشروع تقسيم لبلاده)، فكان الأمر مستحيلا أو بحاجة إلى معجزة من السماء. التاريخ جليّ هنا، لكن الدعاية الصهيونية وأصدائها العربية تعتم عليه. لقد جاء القرار كحل للمسألة اليهودية وتتويجا لتحضيرات الحركة الصهيونية لإقامة دولة يهودية منذ مؤتمر بيلتمور في نيويورك عام 1942 على الأقل (حيث أعلن بن غوريون عن مشروع الدولة اليهودية على كامل فلسطين لحل المسألة اليهودية في أوروبا تحت الخطر النازي)، وليس تتويجا لتحضيرات عربية لدولة مستقلة، إذ كان الاستقلال العربي أمرا محظورا ومسلوبا من قبل الانتداب منذ اللحظة الأولى حتى قرار التقسيم. وقد تطورت منظومة حكم السكان بشكل خاص يعكس هذا الحظر، إذ فُرض التكنوقراطي البريطاني كوصي سياسي وأخلاقي على صاحب البلد الأصلي، بينما تمتع المستوطن بدرجة عالية من الحكم الذاتي والتأثير في سياسات الإمبراطورية البريطانية. الحاكم الاستعماري كانت له مصلحة بحماية السكان المحليين إلى درجة ما، لكنه رفض أن يقول لهؤلاء هذه أرضكم تعالوا نرى كيف نطورها لكم ولأبنائكم من بعدكم... رفض أن يقول لهم هذه حياتكم وهذا مصيركم ومصير أبنائكم فتعالوا نرى كيف نضع أفضل الوسائل الممكنة لتقويمه. مثل هذا الكلام لا يقوله الاستعمار للشعوب المسلوبة. من السذاجة الإيمان بذلك كما فعلت البرجوازية الفلسطينية أو حتى بعض الفلاحين. بل يقول: أنتم جهلة ولا تعرفون مصلحتكم لذا أنا أقرر لكم ما أراه مناسبا لي. هكذا يتكلم الطغاة في كل وقت وكل زمان، الاستعماريون منهم و"الوطنيون". وتستمر الأزمة حتى بعد سقوط الطغيان لأنّه كان قد غرس السّمّ في المجتمع إلى مدى بعيد. هذا ما تشهد عليه حال الفلسطينيين اليوم، بعد أن أعاد الاحتلال نشر قواته على جزء من أراضيهم بعد أربعين عاما من القمع والتدمير و"الإبادة السياسية" (بحسب تعبير عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كميرلنغ)، وصار يطالبهم بالخضوع النهائي.


لنعد قليلا إلى نقطة سابقة... كيف أثّرت منظومة الحكم الاستعماري على مسألة الأرض في بيسان؟

لنضع المأزق السياسي جانبا للحظة، ولننظر في الأزمة على هذا المستوى"الاقتصادي" تحديدا، فهذا هو مجال عمل سياسات الحكم والوصاية معا في ظل غياب الاعتراف السياسي الذي يمكّن الفلسطيني من حماية سيادته على الأرض كشعب وليس فقط حماية ملكيته للأرض كفرد. في الحقيقة، على عكس ما قالته الحركة الوطنية آنذاك حول كون الاتفاق حدثا تاريخيا وأن نجاح الحركة الوطنية أقفل الباب أمام الصهاينة بشكل نهائي، فإن رسوم التطويب وظروف الاقتصاد في تلك الفترة أثقلت كاهل الفلاحين وأبناء العشائر الذين لم تكن لديهم آلية إنتاج للسوق، إنما كان معظم اقتصادهم للاكتفاء الذاتي. أضف إلى ذلك بنية المجتمع وعلاقات التبادل والنخوة وإعادة فرز الأراضي على سكان القرية أو العشيرة بشكل دوري. كل هذه الأمور يقوضها نظام الملكية الفردية، لكن الخطر الأكبر لهذا النظام كان في فتح سوق الأرض للغرباء الذين لا يستطيع الأهالي منافستهم فيه. ولقد تنبّه الأهالي والحركة الوطنية لهذا الأمر وضمنوا في الاتفاقية حلا مؤقتا له، إذ منع أصحاب الأرض من بيعها لأي شخص من خارج "جماعة الملاك" المحليين الذين شملتهم الاتفاقية إلا بعد إتمام الأقساط على مدار 15 عاما. لكن لم يكن هذا كافيا، إذ كان الأهالي بحاجة إلى دعم مادي مباشر لتطوير أراضيهم والحفاظ عليها، وهذا الدعم لم تنجح الحركة الوطنية بتوفيره رغم وعيها للحاجة. خلاصة الأمر هو أن الأهالي لم يقدروا على دفع الأقساط، فصار بإمكان الحكومة مصادرة الأرض، لكنها لم تفعل، بل قامت بخطوة مزدوجة. من ناحية، شرعت بتعديل الاتفاقية مرة تلو الأخرى لتقدم تسهيلات محددة بما يمنع انهيار الاتفاقية بالتمام؛ ومن ناحية ثانية، أتاحت بيع الأراضي لملاك أفراد من خارج المنطقة بما فيها الشركات الصهيونية قبل انقضاء مدة دفع الأقساط، مما تسبب في انتقال ما يقارب ثلث الأراضي إلى الجهات الصهيونية. إذن تمت حماية السكان بشكل جزئي وتم تمكين الاستيطان بشكل جزئي وكأنه حق ليبرالي عادي ومشروع. الحماية الحكومية التكنوقراطية إذن لم تُدعّم بالاعتراف بسيادة أصحاب الأرض الأصليين. ونلاحظ أيضا أن هذه الحماية التكنوقراطية صارت جدية أكثر خلال الحرب العالمية الثانية وذلك كجزء من إستراتيجية الحرب، إذ حصرت إمكانية شراء الأرض العربية من قبل اليهود في مناطق محددة من فلسطين دون غيرها، لكن هذه الخطوة أيضا لم تكن كافية لأنها لم تقترن بالاعتراف بالسيادة لأهل البلد. ونلاحظ أيضا أن الاستيطان اليهودي في بيسان تطور بشكل عسكري خلال الثورة في الأعوام 1936-1939، فيما يعرف بنمط "السور والبرج" (حوماه وميجدال)، وكان ذلك بدعم عسكري بريطاني مباشر، أي أن المسألة لم تقتصر على حجب حق الفلسطيني سياسيا، بل شملت أيضا الإرهاب المنظم ضده.

أريد أن أعود إلى نقطة أعتقد أن ما زال لها أهمية في الحاضر، وهي مسألة التمثيل السياسي ومقدرة الحركة الوطنية على تنظيم الجماهير. إلى أي مدى نجحت الحركة الوطنية الفلسطينية في هذا الأمر خلال الانتداب؟

سؤال مهم جدا وراهن. لا يمكن الحديث عن نخبة متنورة وفاعلة من جهة، وجماهير تنتظر أن تقاد، من جهة أخرى! هناك صراعات طبقية وثقافية بين النخبة والجماهير وفي داخل كلّ منهما. مثلا، المشروع الوطني بشقه التنويري كان يرى بالملكية الفردية أساسا للانتماء الوطني، لكننا بالنظر إلى الواقع لا يمكن أن نهمل عنصر "الوصاية" في هذا المشروع، أي الإحساس لدى النخبة أن هناك من يعرف الصحيح وهناك من يجب أن يقاد. لكن قوة المشروع لم ترتكز على الفكرة أو الإحساس، إنما على وجود سلطة ومشروع حكومي ينشر الملكية الفردية. هذا المشروع استثنى الحركة الوطنية مع مرور الوقت واحكم وصايته الكولنيالية على السكان، وعلى هذه الأرضية الحكومية نشأ الحراك الشعبي الذي كان فيه للنخبة كما للقوى المحلية أدوار وممارسات مختلفة. على ذات الأرضية الحكومية حاول الحاكم الاستعماري والمستوطن ادعاء تمثيل أهل البلد الأصليين، مما أنتج سياسة أو تفاوض أو مقاومة تنطلق من ضرورات اللحظة، ولا تشتق دوما وبشكل منهجي من المشروع الوطني المنظم الذي عملت عليه النخبة. هذا العالم من السياسة والحراك الشعبي التكتيكي وغير المنتظم في رؤيا منهجية، مهم لأنه جزء هائل من الواقع الاستعماري، ولا يمكن محوه من التاريخ بمجرد الرغبة في ذلك.

ما هو تحليلك لمسألة أراضي وقف العمار في مجدل شمس؟ هل يمكن أن تشرح الأمر للقارئ الذي لا يعرف شيئا عن هذا الموضوع؟


لست على اطلاع على التفاصيل عن كثب لكن بالإمكان التحدث عن المسألة بعموميتها ومن زاوية محددة. لمجدل شمس، كما لجميع القرى التي نجت من التطهير العرقي للجولان عام 1967، أراض على سفح جبل الشيخ الغربي، معلومة حدودها ومتفق عليها منذ العهد العثماني، مع السلطة العثمانية ذاتها كما مع القرى المجاورة. خصصت هذه الأراضي للرعي وجمع الحطب للأهالي، وفيها ما يسمّى بالأرض المشاع، أي المتروكة للتوسع العمراني لسكان البلدة دون سواهم، وكما أسلفت فإنّ كلمة "مشاع" تشمل ممارسات مختلفة وفيها أعراف وأحكام يقررها أهل البلد. إذن، هي نظام اجتماعي وليست فوضى. وتبعا لهذا المفهوم قام الأهالي قبل أكثر من عقد من الزمن بإعلان هذه الأراضي وقفا لأبناء مجدل شمس تقسم على جميع الأسر بالتساوي وحسب عدد الذكور في كل منها. من يعرف تاريخ المشاع في بلاد الشام لا يفاجئه هذا الأمر أبدا، ويمكن بالطبع انتقاده لأنه يعيد إنتاج مركزية الذكر في المجتمع دون انصاف للنساء، لكن ليس هذا هو مركز الصراع اليوم. الآن يدور الصراع بين الأهالي وبين أفراد اعتدوا على أرض الوقف. لا شك عندي أن الحراك الجماهيري لكافة شرائح المجتمع، من علمانيين ومتدينين، من رجال ونساء، قادر على حسم الأمور. النقطة هي أن الناس إذا تقدموا ظفروا وإذا تراجعوا خسروا. هذه هي المعادلة الآن وفي كل وقت؛ إنها معادلة المرحلة القادمة أيضا، وهي الأخطر والأصعب بما لا يقاس، أي مرحلة الصراع مع سلطة الاستعمار من أجل انتزاع الاعتراف بحقوق الأهالي في أراضيهم. لا بدّ أن نقف صفا موحدا ونرفع صوتا موحدا.

أعتقد أن غالبية أبناء المجتمع يدركون مدى الخطورة الكامنة في الاستمرار بالصمت ويقولون كلاما مشابها وإن اختلفت الآراء حول التفاصيل. أشكرك على هذا اللقاء.


شكرا لك.



* د. منير فخرالدين  دكتوراة , دراسات شرق أوسطية وإسلامية
الأستاذ المحاضر في جامعة بير زيت، محاضرة حول التاريخ الاجتماعيّ لفلسطين قبل النكبة،.


شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات