بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> أبحاث وتقارير >>
الجولان منذ الاحتلال وحتى اليوم
  30/11/2003

 

الجولان منذ الاحتلال وحتى اليوم
اعداد  أيمن أبو جبل

30/11/2002

كان احتلال الجولان أحد الأهداف الرئيسية للحرب العدوانية التي شنتها الدولة العبرية في حزيران عام 1967، إذ تمكنت إسرائيل، من احتلال مساحة 1,250كم2، من
اصل مساحة الجولان الكلية البالغة حوالي 1860كم2، بما فيها المنطقة المنزوعة السلاح، التي تبلغ مساحتها 100كم2.
لقد طردت إسرائيل من سكان الجولان، أثناء وبعد العدوان 131 آلف نسمة، من اصل عدد السكان البالغ، قبل الاحتلال، 153 ألف نسمة، حسب إحصاء 1966.  وقد كان احتلال الجولان تنفيذاً لمخطط صهيوني، كان قد اوجزه دافيد بن غوريون في العام 1918 حين حدد :
"ستضم الدولة العبرية النقب برمته ،ويهودا والسامرة، والجليل، وسنجق حوران، وسنجق الكرك (معان، والعقبة)، وجزء من سنجق دمشق (اقضيه القنيطرة ووادي عنجر وحاصبيا )". واثناء انعقاد مؤتمر الصلح في سان ريمو عبر وايزمن أمام المؤتمر : "وضعت المنظمة الصهيونية، منذ البدء الحد الأدنى من المطالب الأساسية لتحقيق الوطن القومي اليهودي. ولا داعي للقول إننا لن نقبل، تحت ظرف من الظروف، خط سايكس بيكو، كأساس للتفاوض، لان هذا الخط لا يقسم فلسطين التاريخية، ويقطع منها منابع المياه، التي تزود الأردن والليطاني فحسب، بل يفعل اكثر من ذلك، انه يحرم الوطن اليهودي بعض أجود حقول الاستيطان في الجولان وحوران، التي يعتمد علبها المشروع بأسره الى حد كبير ".
الاستراتيجية الصهيونية تجاه الجولان :  مرحلة 1948-1967 :
بعد انتهاء حرب عام 1948، "النكبة" واعلان قيام الدولة العبرية على ارض فلسطين، وهزيمة الجيوش العربية الرسمية، وانسحاب جيش الإنقاذ، بقيادة المجاهد فوزي القاوقجي الى الجنوب اللبناني، تم التوصل الى توقيع اتفاقيات الهدنة تحت إشراف الأمم المتحدة، بين الدول العربية والدولة العبرية ( إسرائيل ومصر بتاريخ 24 شباط 1949)، ( إسرائيل ولبنان بتاريخ 23 آذار 1949)، (إسرائيل والأردن بتاريخ 3 نيسان 1949)، ( إسرائيل وسوريا بتاريخ 20 تموز 1949)،
بدأت إسرائيل بتنفيذ سلسلة من الاعتداءات العسكرية ضد سوريا، في المنطقة
المنزوعة السلاح، وذلك بقصد ضم هذه الأراضي أليها، وتوطين مستعمرين يهود فيها. ومن اجل ذلك صادرت ، بالقوة العسكرية، أراضى الفلاحين والمزارعين العرب وطردتهم
الى داخل الأراضي السورية، وقصفت طائراتها الحربية قناة تحويل مياة نهر الاردن ،ودمرت المعدات الهندسية المستعملة في القناة، ودمرت قرى ومواقع سورية عديدة
متاخمة لخط الهدنة. ردت القوات السورية على تلك الاعتداءات المتكررة بقصف المستعمرات اليهودية .وقد اعترف موشية ديان، وزير الحرب الإسرائيلي، لصحيفة يديعوت احرونوت : "لقد كنا نرسل جرارا للحراثة، في مكان لا يمكن ان يُعمل فيه شئ، في المنطقة المجردة من السلاح، ونحن نعلم مسبقا ان السوريين سيبداون إطلاق النار، واذا لم يطلقوا النار، كنا نقول لسائق الجرار ان يتقدم اكثر، الى ان يخرج السوريون في النهاية عن طورهم فيطلقون النار. وعندئذ كنا نستخدم المدافع، وفي وقت لاحق سلاح الجو ايضا. وهكذا كانت الحال، 80% من الاعتداءات نحن كنا نبادر اليها، لاستفزاز السوريون". وهكذا حتى حلول حزيران 1967، حيث بادرت إسرائيل الى شن عدوانها على مصر والأردن وسوريا، إذ تحركت على الجبهة السورية قوة إسرائيلية مدعومة بسلاح الجو الإسرائيلي وتقدمت في الجولان السوري،
على ثلاثة محاور، بقصف مركز بالقنابل والنابلم وتمشيط الجولان، وقد استشهد اكثر من 600 مقاتل سوري دفاعا عن الجولان، وبعد يومين من وقف المعارك وسريان مفعول إطلاق النار احتلت القوات الإسرائيلية موقع جبل الشيخ الإستراتيجي.
مرحلة 1967-1973:
بعد ان أحكمت إسرائيل سيطرتها الكاملة على الجولان، عسكريا، بدأت في عملية طرد السكان وبناء المستعمرات، وتوطين اليهود محل المواطنين العرب السورين. وقد
أظهرت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وبيانات الأحزاب الصهيونية، مدى تمسكهم بالجولان ،وتأكيدا لهذه المواقف اعتمدت الحكومة الإسرائيلية، عام ،1969 خطة مدتها عشر سنوات، تضمنت التمهيد لضم الجولان إلى الدولة اليهودية، وتوطينه بـ 50الف مستوطن إسرائيلي، وإنشاء مدينة تضم 30 ألف مستوطن. وفي المرحلة الأولى، تم إنشاء21  مستعمرة أخذت الطابع العسكري، من ناحية الموقع الجغرافي والمستعمرين، الذين أدوا الخدمة العسكرية قي الجيش الإسرائيلي .
 أما الخطة، الرامية الى إفراغ الجولان من سكانه الأصليين، فقد باشرت السلطات الإسرائيلية في تنفيذها أثناء الحرب مباشرة، وبعدها، إذ طردت ما يقارب 150 ألف
نسمة من ديارهم، ودمرت قراهم ومزارعهم، واقتلعتهم من أرضهم، دون أي رادع، أخلاقي. ولم يتبق من السكان الأصليين، سوى 7 الآلاف مواطن، موزعين على ستة قرى، هي: مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية، الغجر، سحيتا(تم تهجير وطرد سكانها في العام 1971).
أما أسباب بقاء تلك القرى فيعود الى عدة أسباب وعوامل:
أولا: تجارب السكان، الذين سكنوا سفوح جبل الشيخ "الحرمون" منذ مئات السنين، مع قوى الاحتلال والاستعمار العثماني والفرنسي. حيث عانى سكان المنطقة من
تهجيرهم وطردهم واقتلاعهم من أرضهم وقراهم، لاكثر من مرة، نتيجة لمقاومة السكان لقمع المستعمرين الأجانب .
ثانيا:ً اعتماد السكان في حياتهم على زراعة الأرض بالأشجار المثمرة، التي ساعدتهم على التمسك بأرضهم، مهما تعاظمت قوة البطش والظلم عليهم .
ثالتاً : وجود مخطط صهيوني، يرتكز على إنشاء دويلات طائفية تحمي الحدود الإسرائيلية مع الدول العربية، حيث تضمن المخطط، الإسرائيلي، إنشاء دويلة طائفية درزية تضم الجليل الفلسطيني والجولان، حتى جبل حوران، واجزاء من جنوب لبنان. إلا ان هذا المخطط، الذي حاولت إسرائيل فرضه في أوائل سنوات الاحتلال فشل بعد كشف الوطنيين العرب السورين في الجولان له ورفضة بشدة .
مشاريع ضم الجولان:
فيما كانت إسرائيل تنفذ خطط الاستيطان والتحصين، في الجولان، ظهرت عدة مشاريع تعالج موضوع هذه البقعة المحتلة من الأرض السورية، وعلاقة إسرائيل بها . ومن أهم هذه المشاريع :
· مشروع ألون: سمى على اسم ييغال الون، أحد قادة حزب العمل الصهيوني، واحد القادة الصهاينة، الذي اقترح مشروعه في العام 1976، وكان يومذاك وزيرا في
الحكومة العمالية الإسرائيلية. وينص المشروع على ان تحتفظ إسرائيل بمنطقة استراتيجية في الجولان، لمنع الحكومة السورية، من إمكان التعرض لمصادر المياه ، ولمنع حدوث هجوم سوري مفاجئ على الجليل. ورسم الون خط الحدود المقترح،  ممتدا من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك، على شكل قوس يوازي خط وقف إطلاق النار، ويحتفظ لإسرائيل بالقسم الأعظم من الجولان .
· مشروع حزب المابام : وهو حزي صهيوني، وشريك حزب العمل في تجمع المعراخ. طرح هذا المشروع في منتصف العام 1976، في مؤتمر الحزب. ونص المشروع على ان تمر الحدود، مع سورية، فوق هضبة الجولان، بشكل يوفرالامن، والسلامة، لمستعمرات الجليل الأعلى وغور الأردن، ومن ثم يعتبر ما بقى من الهضبة، منطقة منزوعة السلاح. واستعمل الحزب أسلوب الغموض في طرح المشروع، إذ انه نادى بحدود يمكن الدفاع عنها، واكد، ان إسرائيل لن تعود الى حدود الرابع من حزيران عام 1967.
· مشروع تكتل الليكود: وهو اكثر المشاريع الصهيونية وضوحا، فقد أعلن في الوثائق التي أصدرها، وفي تصريحات زعمائه، ان الجولان جزء من اسرائيل. وفي
برنامج حكومة الليكود في العام 1981، عبر الحزب عن تصميمه في ضم الجولان، إذ جاء في البند إلحادي عشر من البرنامج: "ان إسرائيل لن تتخلى عن الجولان، ولن
تزيل أية مستعمرة أقيمت فيه، والحكومة هي التي ستبت بشان التوقيت المناسب،  لتطبيق قانون الدولة العبرية وقضائها، وادارتها، على هضبة الجولان". وقد مهدت
حكومة مناحيم بيغن لضم الجولان بسلسلة من التدابير كان أبرزها:
1. حزيران عام 1979 : توقيع 73 عضوا من أعضاء الكنيست الصهيوني، يمثلون معظم الأحزاب، وبخاصة الليكود والمعراخ، على عريضة تقول: "ان الجولان جزء لا يتجزأ من إسرائيل ".
2. تموز عام 1980 : تعديل قانون الجنسية الإسرائيلية، بحيث اصبح من حق وزير الداخلية منح الجنسية الإسرائيلية لسكان من المناطق المحتلة في العام 1967، وهكذا آخذت سلطات الاحتلال في الجولان تفرض الجنسية الإسرائيلية، على المواطنين السوريين، وتوزع عليهم الهويات الإسرائيلية، بشكل هادئ بعيد عن الإعلام .
3. تشرين أول حتى اذار في العام 1981: تقدم بعض اعضاء الكنيست بمشاريع واقتراحات لضم الجولان .
4. قانون ضم الجولان : تقدمت الحكومة الإسرائيلية في مشروع ضم الجولان الى الكنيست الإسرائيلي. وجاء في مشروع قانون ضم الجولان في مادته الاولى: " يسري قانون الدولة وقضاؤها وادارتها علي المنطقة المتعارف عليها بـ منطقة مرتفعات الجولان في 14/12/1981. وقد حاز المشروع بعد مناقشة قصيرة وسريعة في الكنيست بتأييد 63 عضوا  ومعارضة 21 عضوا . وقد قدم مناحيم بيغن المشروع بخطاب قال فيه: "لن نجد في بلدنا أو خارجه رجلا جادا درس تاريخ ارض إسرائيل، في وسعه ان يحاول إنكار ان هضبة الجولان كانت، على مر أجيال كثيرة جزءا لا يتجزا، من ارض إسرائيل. لقد كان من الواجب إذن ان يمر خط الحدود الشمالية لأرض إسرائيل، التي دعيت باللغة الأجنبية باسم فلسطين في تصريح بلفور، وأيضا في الانتداب الدولي، بهضبة الجولان" وبعد ان زيف بيغن الحقيقة، وكذب على التاريخ، أضاف، ان السوريين رفضوا" يدنا الممدودة منكرين إنكارا تاما حقنا في الوجود كدولة يهودية"
المقاومة في الجولان : مرحلة 1967-1973
كان من الطبيعي ان تترك هزيمة حزيران المشؤومة، الآثار السلبية على المواطنين، الذين صمدوا تحت القصف وعمليات الهدم والتدمير الشامل، الذي تعرضت له قراهم الآمنة، وتشرُّد معظم سكانه، وطردهم من ديارهم الى شرقي الشريط (الشريط الفاصل بين قوات العدو، والقوات السورية). ومنذ ان وضعت الحرب أوزارها وبدأ
تطبيق الإجراءات الصهيونية، التي مهدت لمشاريع ضم الجولان الى الكيان، بدأ مواطنو الجولان، الذين بقي منهم، داخل الأرض المحتلة 7 الآلاف مواطن، من اصل 153 ألف مواطن سكنوا الجولان، يجمعون صفوفهم، وينظمون أنفسهم في اجتماعات سرية، للإعداد للمقاومة، فمنذ اللحظات الأولى لدخول القوات الإسرائيلية ارض الجولان، انطلقت خلايا المقاومة الوطنية، تحث المواطنين على التشبث، بالأرض والصمود، وتدعوهم الى مواجهة الاحتلال، ومخططاته، الهادفة الى سلخ الجولان عن وطنه الام سوريا، وتغيير انتمائه العربي الأصيل، من خلال استبدال المنهاج التدريسي السوري، الذي كان سائدا حتى العام 1967، وفصل واعتقال الطاقم التدريسي في سلك التعليم تحت حجج امنية واهية، واعتماد المنهاج الدراسي الإسرائيلي، في المدارس الابتدائية، والمراحل الإعدادية والثانوية. في العام 1976 تم ابتكار برنامج
تدريسي جديد، يستند على التميز بين العرب "والدروز"، وترافق مع انتهاج مناهج منفصلة خاصة بالطلبة الجولانيين، بهدف تشويه هوية المواطنين الرازحين تحت نير
الاحتلال، والنيل من انتمائهم الوطني والقومي والسياسي. وقد مارست سلطات الاحتلال في الجولان ذات السياسة العنصرية التهويدية التي عانى منها مواطنو الارض
المحتلة في فلسطين، إلا ان الجولان تعرض الى سياسة مركزة من قبل المحتلين، تستهدف سلخه، ارضا وشعبا وهوية، عن وطنه، وامته العربية العريقة.
ففي فلسطين لم تلغ سلطات الاحتلال المناهج العربية الأردنية، أو المصرية، بخلاف الجولان، الذي منع تدريس المنهاج السوري فيه، وتعرض للسجن والاعتقال كل من طالب بإعادة منهاج التعليم السوري الى طلبة الجولان. ففي أعقاب عدوان 1967 وتهجير الأغلبية الساحقة من مواطني الجولان الى مخيمات اللجوء داخل الوطن ألام سوريا، نتج نقص في الكادر التدريسي، الأمر الذي سهل على سلطات المحتل تعيين أشخاص غير أكفاء تربويا وعلميا، لم ينهوا المرحلة الثانوية بعد، في الوقت الذي سجنت وفصلت عدد كبير أخر من المعلمين، أصحاب الكفاءة العلمية والتربوية. وهذه اول خطوة كانت لسياسة غسل أدمغة أطفال الجولان، منذ المراحل الدراسية الأولى. في هذه الأثناء، بدأت تتبلور مظاهر المقاومة- مع ان الرأي العام المحلي السائد آنذاك، لم يتوقع ان يطول الاحتلال، إلا ان السكان بدأوا، بتنظيم صفوفهم للمقاومة، من خلال إنشاء خلايا سرية، ركزت معظم جهودها في جمع المعلومات خاصة العسكرية، ونقلها الى دمشق عبر خطوط وقف إطلاق النار. وقد تم ضرب هذة المجموعات في مطلع عام 1973 اثر استشهاد المناضل عزت شكيب ابو جبل، في كمين إسرائيلي، قرب خط وقف إطلاق النار، وتبعت ذلك حملة اعتقالات واسعة شملت العشرات. وقد استغلت إسرائيل، الفراغ السياسي الناشئ عن الاعتقالات، لتثبيت وجودها، وذلك بإقامة عدة مؤسسات تابعة لها، كتعيين مجالس محلية للقرى، واقامة محاكم مذهبية، وفرض الضرائب ( ضريبة الدخل، والتامين الوطني، وضريبة الاملاك)، علما بان إسرائيل، قد فشلت في تنفيذها قبل ذلك، نتيجة لرفض ومقاومة السكان لها. وتلا ذلك انخراط عدد كبير أخر من الشباب الوطني، في الجولان المحتل، في صفوف المقاومة السرية ضد الاحتلال- تم كشف القسم الأكبر منها في أواخر السبعينيات، وتقديم أعضائها الى المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وفرض احكام جائرة عليهم .
مرحلة 1973-1981 :
منذ العام 1973، وبعد ضرب مجموعات المقاومة الوطنية ، واندلاع حرب تشرين ،بدأت فترة انتقالية بين مرحلة النضال السري، والنضال السياسي العلني في الجولان، وهي بمثابة مرحلة التقاط الأنفاس، واعادة تقييم الأوضاع، المحلية الداخلية في الجولان السوري المحتل. ففي العام 1980 قررت الحكومة الإسرائيلية فرض الجنسية الإسرائيلية على سكان الجولان، مما أثار السخط والغضب بينهم، وتم عقد اجتماع شعبي حاشد في بلدة مجل شمس تقرر فيه فرض الحرمان الاجتماعي والديني على كل من يتعاون مع سلطات الاحتلال، حيث ورد في الوثيقة الوطنية الصادرة في حينه ما يلي :
" كل مواطن من هضبة الجولان السورية المحتلة تسول له نفسه استبدال جنسيته السورية بالجنسية الإسرائيلية، يسيء الى كرامتنا العامة، والى شرفنا الوطني،
والى انتمائنا القومي وديننا وتقاليدنا... ويكون منبوذا ومطرودا من ديننا ومن نسيجنا الاجتماعي ويحرم التعامل معه ....". كان هذا القرار هو السلاح الأمضى ضد المتعاونين مع الاحتلال وسياسته. وعندما فشلت السلطات المحتلة في تطبيق قرارها تراجعت مؤقتا عنه، وكان هذا أول انتصار سياسي للموقف الوطني. وقد وصفه أحد المتعاونين مع الاحتلال " بلوي ذراع إسرائيل في الجولان "
مرحلة 1982، ضم الجولان واعلان الإضراب التاريخي :
في 14 كانون الأول عام 1981، اتخذ الكنيست الإسرائيلي قرارا بضم الجولان تحت اسم "تطبيق القانون الإسرائيلي المدني على هضبة الجولان". ابرز هذا القانون بشكل قاطع السياسة الإسرائيلية القائمة على التوسع والهيمنة، وهو قرار الضم الثاني بعد القرار الأول بضم القدس الشريف الى الدولة العبرية. وقد استقبل سكان الجولان هذا القرار بالرفض التام والشامل ، وطالبوا حكومة إسرائيل بالتراجع عن قراراها، واعلنوا الإضراب، لمدة ثلاثة أيام احتجاجا عليه، كما أعلنت الحكومة السورية ان هذا القرار، هو خرق صارخ لقانون الدولي، القاضي بعدم جواز احتلال أراضى الغير بالقوة، واصدر مجلس الأمن قرارا، يرفض فيه القرار الإسرائيلي ويعتبره غير شرعي.
إزاء إصرار، إسرائيل، على قرارها، أعلن سكان الجولان الإضراب العام والمفتوح في كافة المجالات والمرافق والأعمال، ابتداء من 14 شباط عام 1982، وطالبوا الحكومة الإسرائيلية بالتراجع عن قرارها، كما طالبوا الأسرة الدولية بتحمل مسؤولياتها، والضغط على حكومة إسرائيل، بالتراجع عن قرارها الجائر .
استمر الإضراب اكثر من خمسة اشهر، تصاعد خلالها النضال الوطني، كما ونوعا،وكان من أهم مظاهره محليا ازدياد تماسك الناس وتعميق، وعيهم وانتشاره وعزل
العملاء وتراجع بعضهم.
إسرائيليا:  تم زج آلاف الجنود الذين فرضوا، حصارا مشددا على القرى (حسب تقديرات محلية كان عدد الجنود اكثر من عدد سكان الجولان المحاصرين" حوالي 17 الف جندي")، حاولوا من خلاله فرض الهويات، الإسرائيليةعلى السكان بالقوة، مستخدمين كافة، ساليب القمع ( إطلاق نار، اعتقالات إدارية، منع تجول، اقامات جبرية، اعتقالات واسعة، حصار تام، مداهمات متواصلة للمنازل ، ملاحقة مناضلين .....).  أما على مستوى الشارع السياسي الإسرائيلي، فقد أيقظ الإضراب، وما رافقه من
قمع شعورا بالتضامن، من قبل بعض قوى اليسار الإسرائيلي.
على الصعيد الفلسطيني: في الأراضي المحتلة عام 1967 وفي الداخل الفلسطيني عام48، تحققت عمليا وحدة النضال العربي ضد الاحتلال وممارساته، حيث شُكلت عدة لجان للتضامن مع الجولان. قدمت مختلف أنواع، المساعدات المادية والمعنوية . هذا ما أدى الى ربط النضال الوطني السوري في الجولان، مع النضال الوطني الفلسطيني في الداخل، برباط عضوي لم ينقطع حتى ألان .  في صيف عام 1982، وبعد مرور اكثر من خمسة اشهر على بدء الإضراب، وبسبب الظروف الدولية، وخاصة الغزو الإسرائيلي للبنان، تم تعليق الإضراب، دون ان تستطيع إسرائيل فرض الجنسية الإسرائيلية على السكان. غير إنها فرضت بطاقات هوية، كتب عليها : الجنسية غير محدّدة، كما حصل مع سكان القدس الفلسطينيين عام 1978 ، وما زال السكان يحملونها حتى الآن .
بعد فشل التجنيد الإجباري في جيش الاحتلال، كسر قانون الضم والإلحاق الى الدولة العبرية، شعبيا ، وسياسيا .بعد عام 1982 أعاد المسؤولون الإسرائيليون . تقييم سياستهم في الجولان ، وتبنوا سياسة اكثر قمعا وتعسفا ( اصبح القمع اكثر شمولا وعمقا )، يمكن اختصارها بعقوبات اشد، واغراءات اكثر، طال ذلك كل مجالات الحياة: البناء، التعليم، الصحة ، الزراعة ، السير ... حتى عواطف الناس ومشاعرهم، تم استغلالها لابتزاز مواقف سياسية مهادنة للاحتلال ( استغلال شوق الناس لرؤية أقاربهم وزيارة دمشق لكسر مقاومتهم ). وقد شكل الاحتلال لهذه الغاية طاقما خاصا من رجال الأمن،  الحاليين، والسابقين، للإشراف على كل جانب من جوانب الحياة اليومية للسكان ، تحت إطار يجمع كل الإدارات يسمى" مكتب منسق أعمال رئيس الوزراء". وهذا المكتب يرأسه رجل امن إسرائيلي، وهو المسؤول عن كل شؤون الجولان ( تم تشكيل هذا الطاقم بتوصية من مفتش المعارف بعد دراسة شاملة أجراها عن السكان في الجولان ) وعند هذا المسؤول الأمني تبدأ كل المسائل وتنتهي، بما فيها القضايا الإنسانية، كذلك التعليم في الجامعات السورية، وتعيين معلمين في المدارس الجولانية المحلية، إعطاء رخص بناء، السماح بري المزروعات، السماح برعي المواشي، الخ... كذلك دأب هذا الطاقم على انتهاج سياسة تشتيت الوحدة الوطنية وضربها من الداخل، ان أمكن، مستغلا بذلك، الخلافات مهما كان نوعها، بالإضافة الى سياسة ضرب كل المظاهر الوطنية، حتى لو كانت ملاحقة من يملك في بيته ، أو سيارته، شريط مسجل يحتوي ، أغان وطنية، او غير ذلك، من أمور تتعلق بالثقافة، أو التراث،
أو ألوان العلم السوري، والشعار العربي السوري، الذي اعتاد السكان تطريزه،  وابرازه في صدر بيوتهم .  مقابل سياسة القمع تبلورت مواقف وطنية اكثر حدة. وجدت تعبيرها في أطر تنظيمية سرية، وعلنية، وضعت هدفا لها العمل السياسي، والعسكري، في الجولان المحتل، كالمؤسسات والأندية الوطنية والثقافية، التي هدفت الى العمل السياسي والاجتماعي والإنمائي، لسد الاحتياجات المعنوية والفكرية والثقافية، وملء الفراغ الذي ولده الإضراب التاريخي سياسيا، وعملت على تنفيذ عدة مشاريع تطوعية عامة تخدم السكان في ميادين عدة.  وعسكريا، عملت مجموعة من الشباب الوطني على تأسيس حركة المقاومة السرية في لجولان، التي قامت بعدة أعمال عسكرية نوعية، كمداهمة مخازن المستعمرات والاستيلاء على معداتها العسكرية، وتفكيك الألغام اأارضية واستخدام مادة أل ت. ن. ت التي فيها لتصنيع النتفجرات، واستخدامها في تفجير معسكرات قوات الاحتلال، وزرع قسم منها في طريق الآليات العسكرية الاسرائيلية. ولا يزال اكثر من 15 أسيرا عربيا سوريا من الجولان، يقضون أحكاما بالسجن لفترات طويلة، بتهمة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.  ورغم الضربات التي لحقت المقاومة السورية في الجولان، نتيجة للاعتقالات، وقلة التجربة، إلا ان وميض المقاومة ما زال مستمرا.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات