بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
اعترافات معتقل لبناني بين أنصار وعتليت في ثمانينات القرن العشرين (1-2)
  13/07/2010

اعترافات معتقل لبناني بين أنصار وعتليت في ثمانينات القرن العشرين (1-2)


المعتقلات أخصب من المجتمعات للتعبئة والتحريض وإنجاب المقاومين

واحدة من خيم المعتقل. مجموعة من المعتقلين في أنصار.

حلقة اولى من اعترافات يساري عن يوميات اعتقاله في "انصار" و"عتليت" حينما كان يعمل في صفوف "المقاومة الوطنية اللبنانية" للاحتلال الاسرائيلي في اواسط ثمانينات القرن الماضي.

- 1 -
في أواسط الثمانينات من القرن العشرين، كنت في الحزب الشيوعي اللبناني، وعضواً في "المقاومة الوطنية اللبنانية" للاحتلال الإسرائيلي. وفي أعقاب واحدة من العمليات العسكرية التي شاركت فيها، قام جيش الاحتلال باعتقالي في احدى قرى الجنوب، فأمضيت خمسة اشهر في معتقل أنصار، قبل نقلي الى معتقل عتليت في اسرائيل، قرب حيفا، أو يافا على الأرجح، حيث أمضيت نحو ثلاثة أشهر، أطلق سراحي بعدها في عملية التبادل المعروفة التي قامت بها منظمة "القيادة العامة" التابعة لأحمد جبريل، عبر الحدود السورية في الجولان.
كان معتقل عتليت يضم نحو عشرة مخيمات متجاورة، يحوي كل منها عشر خيم، ينزل في الواحدة منها عشرة معتقلين أو أسرى لبنانيين من الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي و"حزب الله" و"حركة أمل"، وفلسطينيين من منظمات مختلفة. فكرة أننا معتقلون أو أسرى داخل اسرائيل، في مكان ما نجهل موضعه، كانت تبعث في نفوسنا وجوارحنا شعوراً داخلياً، بطيئاً وخفياً ومقيماً، بالرعب. رعب قد يكون مصدره أننا أسرى ومنقطعون تماماً عن العالم، وخارج أي عرف وقانون يحمياننا كبشر وقعنا في قبضة جيش نقاوم احتلاله بلادنا، اضافة الى انه جيش دولة لا حضور لها في وجداننا إلا بوصفها دولة تمثل في قيامها ووجودها الأصلي القوة والعدوان والطرد والاقتلاع والاحتلال على نحوٍ مطلق.
- 2 -
حياة الاعتقال أو الأسر في عتليت كانت أقسى كثيراً علينا مما في معتقل أنصار. ومن ضروب تلك القسوة ذلك الإذلال المعنوي المنظم والمبرمج والمتواصل الذي مارسه علينا الحراس من الجنود الاسرائيليين. كان علينا كلنا واحداً واحداً وجميعاً وعلى نحوٍ قطيعي، أن نهبّ من نومنا باكراً وفي كل صباح، لاستقبال معتقلينا وأعدائنا ومذلّينا، مؤدين لهم آيات الاحترام والشكر والتبجيل، على النحو الآتي: كان علينا أن نخرَّ فوراً ساجدين في حضرة أي جندي اسرائيلي، ويدي كل منا مشبوكتي الأصابع خلف رأسه، والرؤوس كلها مطأطئة منحنية ومنكسرة نحو الأرض، الى الحد الذي لا يتيح لعيوننا أن تبصر أعلى من أحذية الجنود الذين يقف واحد منهم في باب كل خيمة في المعتقل الكبير. وفيما كنا نخر ساجدين على هذا النحو الموصوف، كان علينا أن نصرخ في صوت واحد: حاضر أفندم، جاهز أفندم.
في أوقات كثيرة من النهارات كنا نؤدي تمرين إذلال أنفسنا وإهانتها، كلما نودي علينا للحصول على الطعام، وكلما كان يجري تعدادنا أكثر من ثلاث مرات في النهار، وكلما أرادوا إبلاغنا بأمر ما، طارئ مستجد أو روتيني. وإمعاناً منهم في إذلالنا وإهانتنا، عينوا أميراً منا في كل خيمة، لينوب مناب الجندي، فنؤدي له، وهو منا ومعتقل مثلنا، طقوس الذل والمهانة أو تمارينها اليومية. لكن عليَّ أن أذكر أيضاً أن تكرار هذا التمرين جعله يوماً بعد يوم تمريناً يشبه الشعائر التي يجري أداؤها آلياً، مما قد يخفف وطأتها على النفس.
- 3 -
في صبيحة أحد النهارات، وبعدما أدينا تمرين الذل والمهانة الصباحي، تلا علينا أمير خيمتنا أسماء بعض منا، وقال إن علينا أن نتهيأ لمغادرة الخيمة، فأدركنا أن الخبر الذي سرى بيننا منذ أيام سريان الشائعة، قد اقترب موعد تنفيذه: مبادلة قسم منا بجنود اسرائيليين أسروا، أو بجثث جنود إسرائيليين قتلوا في لبنان. عند الظهر جُمع العشرات، بل المئات، الذين تليت اسماؤهم في ناحية من المعتقل. شعورنا بفرحة اقتراب موعد اطلاق سراحنا المفترض، كان يمازجه حذر وخوف مقيمان من أن نسترسل في التفاؤل والفرح والحبور بإختيارنا من بين رفاقنا المعتقلين للإفراج عنا. ذلك لأن تجاربنا السابقة في أنصارعلمتنا كم سيكون مريراً وقاسياً ومحبطاً أن ينجلي اختيارنا وفرحتنا به عن تدبير جديد يقضي بعزلنا عن رفاقنا تمهيداً لنقلنا الى معتقل آخر أو الى زنزانات انفرادية، نظام الاعتقال أو السجن فيها أشد وطأة وإيلاماً، باعتبارنا المعتقلين الخطرين بين رفاقنا.
-4-
على نحو ما نقلونا سابقاً من معتقل أنصار الى عتليت، نقلونا، نحن الذين تُليت أسماؤنا، الى خارج المعتقل: معصوبو العيون ومغلولو الأيدي خلف ظهورنا، رمونا كقطيع أغنام وكدسونا في شاحنات رُميت أجسامنا فيها كما تُرمى المهملات أو النفايات. وحيال اخراجنا من الدائرة الانسانية على هذا النحو، كان على الواحد منا، وأنا نفسي على الأقل، أن يميت في نفسه وفي جسمه شعوره بكرامته الانسانية. وهي إماتة تستلزم من المرء أن ينزع عن جسمه كل صفة معنوية خاصة وشخصية، فيستسلم الى خدر أو غيبوبة تشبه الإمحاء الذاتي.
في المساء وزعونا على زنزانات، كل عشرة معتقلين في زنزانة، فاجتاحتنا موجة من الحيرة والقلق حيال غموض مصيرنا الجديد وما سيفعلونه بنا: هل سيطلق سراحنا في عملية التبادل المفترضة، أم أننا عُزلنا تمهيداً لاعتقال سيكون مديداً؟ كل واحد منا أخذ يجري في نفسه وخفية عن الآخرين عملية استطلاع لأوضاع المعتقلين المختارين: مميزاتهم، مراتبهم وأدوارهم، مقارنة بالذين لم يجرِ اختيارهم وتركوا في المعتقل. وذلك لتقدير ما الذي يجمع بين المختارين وما هي أوجه الشبه بينهم، عل هذا السيناريو يفضي الى تحديد أسباب اختيار كل منا ومصيره.
لا أحد منا كان يبوح للآخر بما يدور في رأسه من احتمالات، سلبية أو ايجابية. فتجربة الاعتقال والتحقيقات التي خضعنا لها، علمتنا أن نقصر ما يدور بيننا من أحاديث على الأولي والضروري والذي لا يكشف للآخرين من نزلاء المعتقل معلومة جديدة لم يدل بها في التحقيقات المنتهية والتي أقفلت ملفاتها. ذلك لأن كل معلومة جديدة نتفوه بها، قد تورطنا في ما لا تحمد عقباه، سبب الخوف من وجود عملاء مدسوسين بيننا.
-5-
طوال الليلة التي أمضيناها في الزنزانة، لم يُنِم القلق أي منا إلا عند الفجر، وبعدما أرهقنا الأرق فيما نحن مسترسلون في تقليب مصيرنا الذي أخذ يزداد غموضا في ذهن كل منا، كلما أمعن في تقليبه. حين كانت تغمرني موجة من التفاؤل، اي حين أقدّر أنه سيطلق سراحنا، كان يغمرني شعور مفاجئ بالذنب حيال الذين تركوا لبؤسهم في المعتقل. كأن اختياري من بينهم لإطلاق سراحي من دونهم، لم يكن إلا ظلماً مني وخيانة لهم، معتبراً أن حياتي اللاحقة، في حال إطلاق سراحي، ستكون مسروقة منهم. أما حين كنت أستسلم الى موجة أخرى من التشاؤم، معتبراً أن الذين ظلوا في المعتقل هم من سيطلق سراحهم، فكان ينتابني شعور مفاجئ بالحسد منهم، يتبعه أو يخالطه شعور مؤلم باحتقار النفس لأني حسدتهم، ثم لا ألبث أن أرثي لحالي هذا، وللمصير البائس الذي ينتظرني. أخيراً وسط عاصفة الظنون والشكوك المؤرقة هذه، وجدتني أريح نفسي منسرحاً في احلام يقظتي المتخيلة خارج عالم المعتقلات والسجون، حتى أخذني حذر بطيء، فغفوت. في الصباح، وفيما كان الجنود يوزعون علينا الطعام، دخل الى زنزانتنا رجال من الصليب الأحمر الدولي، وقالوا لنا إن سراحنا سوف يطلق في عملية تبادل مرتقبة. فجأة أغرقتنا هذه الكلمات في موجة عارمة من الحبور، وزودت مخيلاتنا بمادة غزيرة من أحلام اليقظة السعيدة المستمدة صورها من العالم الخارجي الذي كان قبل هنيهات بعيداً وقصياً الى ما لا نهاية، بل منسياً ولا وجود له، ولا نجرؤ على استعادة صوره التي أخرجتها من ذاكرتنا كثافة الحياة وثقلها في المعتقل.
- 6-
أيقظت كلمات رجال الصليب الأحمر مقدرتي على الحلم والإتصال الخيالي بالعالم الخارجي الممحو في ذاكرتي. ومن هذه المقدرة يستمد المعتقل قوة يكون أفقده إياها ما تعرض له من تحطيم نفسي وجسدي طوال مدة اعتقاله. قوة مصدرها شعوره أن العالم الخارجي موجود وقائم، وأنه، هو الأسير أو المعتقل، موجود أيضاً في ذاكرة ذلك العالم الخارجي البعيد والممحو. فالحزب، حزبك الذي تنتمي إليه، قد اختارك وميزك عن غيرك من رفاقك، وأدرج اسمك في قائمة التبادل ليطلق سراحك. إنه لم ينسك، إذاً، ويفكر بك، بل يميزك ويختارك. وهذا يبعث في نفسك العزاء والقوة على البدء في عملية اخراج نفسك وجسمك من كونهما حطاماً وخردة ومهملات ونفايات في عالم الاعتقال والمعتقلات.
لكن المعتقل سرعان ما يروح يتساءل: لماذا اختارني الحزب في عداد من اختارهم لعملية التبادل، ولم يختر غيري من الآخرين؟
لاحقاً، بعد خروجنا، أدركنا أن عوامل كثيرة تتدخل في عملية الاختيار. عوامل قوامها حاجات الحزب الذي ينتمي إليه كل أسير أو معتقل. فالحزب يختارك لأنه في حاجةٍ إليك في الخارج. وهو لم يختر غيرك من رفاقك الذين في مثل وضعك ومرتبتك التنظيمية، لأنه في حاجةٍ اليهم في المعتقل، من اجل الحفاظ على تماسك المعتقلين. ويتدخل في موازنة عملية الاختيار أيضاً الوضع العائلي والنفسي والجسدي للمعتقل: حال أهله، مقدرته على الصمود وتحمل قسوة الاعتقال، وعدم استسلامه للانهيار هنا لا بد من التنبيه الى أن المعتقلات تشكل أرضاً أشد خصوبة بما لا يقاس من المجتمعات، لعمليات التعبئة والتحريض وتجنيد المقاومين وجذبهم وصناعتهم. فـ"حزب الله" مثلاً - على ما لاحظت في الأشهر الثمانية التي أمضيتها في المعتقلات الاسرائيلية في أواسط الثمانينات حين كان هذا الحزب في بدايات نشأته وصعوده - شكلت المعتقلات إطاراً أساسياً لعمله التعبوي والدعوي والتحريضي. ثم ان العناصر البشرية الفاعلة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، على ما بينت بعض الاستطلاعات، هي في الغالب من صنيع المعتقلات والسجون الاسرائيلية. فهل نقول إن هذه الظاهرة تشكل مفارقة مأسوية وعبثية لصانعيها والمشاركين فيها الذين ما أن تأخذهم في دوامتها ومتاهتها حتى يستحيل عليهم الخروج منها؟!
-7-
من العوامل المؤثرة في عملية إخراج الأسير لنفسه وجسمه من كونهما قد تحولا حطاماً ونفايات في المعتقل، أن خروجه المرتقب من عالم المعتقلات المسفّل الذي ينزع عن نزلائه كل قيمة بشرية، سوف يجري في عملية تبادل، ورغماً عن ارادة معتقليه وسجّانيه. أي أنه لن يخرج خروج من كدسوا كالنفايات والقطعان في شاحنات، وجرى رميهم كالنفايات والقطعان على الحدود، ليعودوا الى بلدهم وأهلهم، بارادة الإسرائيليين الذين لم يعودوا في حاجة اليهم. فالخروج في عملية تبادل، مهما كانت مقاييسها، ترفع من معنويات المعتقل، وتساعده، منذ لحظة إعلان اختياره في عملية التبادل المرتقبة، في الاتصال الخيالي والمعنوي بالعالم الخارجي. والاتصال هذا يكون ثأرياً وتعويضياً في حقيقته. كأنما المعتقل في هذه اللحظات يسترد نفسه وجسمه من الإماتة المعنوية والمادية التي استسلم لها كي يتحمل آلام الاعتقال وعذاباته. وعملية الاسترداد هذه تنطوي على شعور بالثأر لنفسه وجسمه المسفّلين المحطمين، وتعويضاً عما تعرض له طوال مدة الاعتقال.
لكن الاختيار والتميز اللذين ينالهما المعتقل من حزبه، يجلبان له أيضاً شعوراً بالذنب حيال رفاقه غير المختارين الذين سيغادرهم ويتركهم في بؤس المعتقل. ليعتق نفسه من شعوره بالذنب، يقول المعتقل المختار في نفسه إن حزبه هو الذي اختاره، ولا ير له في ذلك. وهذا ما يمنحه شيئاً من عدم المسؤولية عن الجراح المعنوية التي سيخلفها اختياره لإطلاق سراحه، في نفوس رفاقه الذين سيبقون في العالم المسفّل الذي سيغادره.
- 8 -
في الزنزانة التي نقلنا اليها في انتظار إطلاق سراحنا، بدأ الجنود يعاملوننا بفظاظة وقسوة كانوا قد أقلعوا عنهما في المعتقل الذي تركنا فيه كمهملات، وكانت آليات إذلالنا وإهانتنا فيه منظمة ومبرمجة، على نحو غير مباشر. لكن الفظاظة والقسوة المباشرتين والمستجدتين في الزنزانة أيقظت فينا قوة جديدة على مواجهة الجنود الذين قد يكون مصدر فظاظتهم وقسوتهم هاتين شعورهم بأنهم مرغمون ارغاماً على اطلاق سراحنا بعد حين من الوقت.
وهكذا رحنا نصرخ في وجوههم قائلين اننا لا نريد هذا النوع من الأكل، ثم نرميه جانباً. فإدراكنا أننا سنخرج رغماً عنهم زودنا بحصانة معنوية لم نكن نعرفها في المعتقل. حصانة بدأت تغير علاقتنا بأنفسنا وأجسامنا التي جرى تحطيمها سابقاً. فالصفعة أو الركلة التي تتلقاها من الجندي حين تكون منذوراً لعملية تبادل قسرية موعودة، هي غيرها تماماً حين تكون أسيراً مرمياً في المعتقل من دون أمل، كأنما الى الأبد. ففي أثناء التحقيقات التي تخضع لها، وكذلك في زمن رميك في المعتقلات، عليك أن تتلقى الصفعة أو الركلة وأنت خائر القوة تماماً، ومستسلم، كأنك فاقد الحس والمعنى، أو في حال من الخدر والإغماء والاستقالة المعنوية والجسدية من بشريّتك وإنسانيتك. انها حال من الامانة النفسية والجسمانية التي تمنحك طاقة سلبية على تحمل ما أنت فيه وتتعرض له.
أما حين تتلقى صفعة أو ركلة من الجندي وأنت تنتظر اطلاق سراحك رغماً عن هذا الجندي، فإن هذه الصفقة أو الركلة توقظ فيك شعوراً بكرامتك الانسانية الجريحة، فتنتفض وتصير مشاكساً وقادراً على مقاومة ايجابية. ذلك لأن اطلاق سراحك المرتقب قد بدأ يخرجك من كونك كائناً مخدراً حيال المهانة والذل، ويعيدك الى الدائرة الإنسانية التي ستستقبلك بعد خروجك من المعتقل.
لكن الحصانة المعنوية التي يمنحك إياها انتظار تحريرك من الأسر، رغماً عن إرادة معتقليك وسجانيك، تترك في نفسك شعوراً بأنهم سوف يعيدون اعتقالك في المستقبل، إذا تسنى لهم ذلك. والحق أن هذا ما ظل يراودني لوقت طويل بعد خروجي من المعتقل.
- 9 -
مرّ علينا اسبوعان اثنان في الزنزانة من دون أن يقول لنا أحد شيئاً، فأصبحنا على حال من التوتر النفسي والعصبي الشديد، جراء استغراقنا المتواصل في التفكير في مصيرنا: هل سيطلقون سراحنا حقاً؟! أم أن الكلام عن التبادل، وكذلك حضور عناصر الصليب الأحمر الذين أبلغونا بأن العملية اقترب موعدها ثم غابوا واختفى أثرهم، ليسا إلا كذبة علينا ومكيدة لنا هدفهما عزلنا وإبقاؤنا في السجن، بل إخفاؤنا، بينما أطلق سراح الآخرين الذين تركناهم في المعتقل؟! وقد بلغ بنا التفكير الدائم بوضعنا الجديد، حدّ التطير والهلوسة، في أثناء اليقظة وفي المنامات التي رحنا نبصرها في أوقات نومنا القليل طوال الاسبوعين اللذين أمضيناهما في الزنزانة.
ومما ضاعف هلوساتنا وفاقمها أننا أعطينا الكتابات التي رأيناها منذ البداية على جدران الزنزانة، دلالة جديدة. كنا نعرف أنها كتابات سجناء فلسطينيين كانوا نزلاء قبلنا في الزنزانة. وإذا كنا لم نكترث كثيراً بهذه الكتابات في الأيام الأولى، حين كنا موقنين بأننا ننتظر الافراج عنا، فإن هذه الكتابات نفسها صارت في الأيام التالية، دليلنا الأكيد على أنهم وضعونا في هذه الزنزانة، لأننا خطرون كالفلسطينيين، وأن ما ينتظرنا مجهول وأشد قسوة مما سبق، وسنبقى هنا مدة طويلة لا نستطيع تقدير نهايتها.
لكن هذه الهلوسات انتهت فجأة، وكأنها لم تكن قط، ما ان دخل زنزانتنا في المساء متطوعون في الصليب الأحمر، وقالوا إن علينا أن نحضّر أنفسنا لإطلاق سراحنا في الغد، بحسب اتفاق عملية التبادل المرتقبة.

رواية واصف عبدالله كتابة محمد ابي سمرا
جريدة النهار اللبنانية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

قاسم عقل

 

بتاريخ :

03/01/2012 03:51:10

 

النص :

وبعد أكثر من 26 عاما على تلك التجربة، أجد نفسي مطضرا للتعليق على ما يقال. أمر مربك حقا،،، لقد استفزتني فكرة الخلط بين تجربة أنصار الأولى المختار للمعسكر والشاويش للخيمة،،، فلم يكن بالمطلق من يعين من قبل العدو ليقوم بإذلال الأسرى في خيمهم،،، بل كنا حتى نمارس اقصى درجات الحيطة الأمنية،،، حتى السكاكين التي صنعناها بعد انتزاع نصلاتها من الأحذية العسكرية كانت كافية لترعب من تسول له نفسهاالتمادي مع المعتقلين بإساءة،،،لقد شعرت بالإهانة و أنا أقرأ تلك الجزئية البغيضة من المقال. إن تجربتنا الثرية تلك بكل ما للكلمة من معنى،،، تجربة ثقافية غنية لوجود رجال دين وكوادر يساريين، وصفوة المجتمع من اللذين رفضوا الذل خارج الأسلاك الشائكة،، لم يكونوا ليرضوا به داخلها،،، إن التعامل مع الخبث اليهودي في عمليات التبادل يتطلب نباهة متوقدة،، فليس بالضرورة اختيار الحزب فقط ما يتوقف عليه اختيار المفرج عنهم،،، فمثلا تم الاحتفاظ بجميع الأسرى الفلسطينيين في عتليت لوجود جثة الأسير الإسرائيلي سمير أسعد لدى الجبهة الديمقراطية،،، لم يكن الاعتقال رغم كل عذاباته ومعاناته وقهره ليشكل حالة ذل وهوان،،، بل حالة دائمة من التحدي والرفض والعنفوان.