بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
لا يُبقِي عالم المعتقلات لنزلائها سوى البروباغاندا النضالية لتدارك انه
  21/07/2010

اعترافات معتقل لبناني بينأنصار وعتليت في ثمانينات القرن العشرين (2-2)

لا يُبقِي عالم المعتقلات لنزلائها سوى البروباغاندا النضالية لتدارك انهيارهم المعنوي

محررون. معتقل أنصار.

حلقة ثانية وأخيرة من اعترافات الأسير اللبناني المحرر من معتقل "عتليت" الاسرائيلي في تبادل منظمة القيادة العامة في أواسط الثمانينات من القرن الماضي. وهي تتتبع الأثر النفسي والجسماني الذي تتركه المعتقلات في نزلائها، وبعد عودتهم منها.
-1-
حين يوقن المعتقل أن الإفراج عنه لم يعد إلا مسألة وقت، يغمره شعور براحة وطمأنينة غاب عنه تذوق طعمهما طوال مدة اعتقاله، كأنما أثقال جبل سقطت فجأة عن صدره. والجبل هذا هو الذاكرة المادية لحياته في الاعتقال، والتي يبدأ بطيها وتنحيتها جانباً والقفل عليها في موضع ما، قصي وسري في نفسه. والقوة التي تصحو في نفس المعتقل وجسمه، وتمكنه من إزاحة جبل الذكريات المادية السوداء هذه ومواراتها في نفسه، إنما تأتيه من استئناف اتصاله بصور في العالم الخارجي، عالم الحرية، التي تروح تتدافع مجدداً الى ذاكرته، بعدما أقصاها زمن الاعتقال وكاد ان يمحوها من ذهنه.
أطياف العالم الخارجي التي راحت صوره تهب غزيرة وقوية في مخيلتي، أخذت تحتل رأسي وجوارحي وتنحي جانباً وقائع حياتي في الاعتقال، كأني بدأت أصحو من غيبوبة طويلة. والصحوة هذه ملأتني بتوتر وتحفز فائضين يشوبهما شيء من نشوة تبعث على الخفة الشبيهة بالتحليق والطيران، والمعاكسة على نحو تناظري، لثقل حياتي في المعتقل وذكرياتها، تلك التي كانت قبل لحظات تشدني إلى الأسفل، نحو الأرض، فأرزح تحتها مسفّلاً محطماً، ومستسلماً للذل والمهانة، كأني في غيبوبة. خفة التحليق والطيران هي التي قذفتني نحو الزمن المقبل والعالم الخارجي اللذين رحت أصنع سيناريوهات كاملة للقائي المرتقب بهما بعد حين قصير من الوقت. لكن ما كان ينغص على نشوتي بهذه السيناريوهات، هو خوفي من أسئلة الناس عن وقائع حياتي في المعتقل بعد خروجي منه ولقائي بهم.
فالمعتقل العائد من عذاب المعتقلات، لا يطيق أن يسأله الناس الذين يعود إليهم عن عذاباته ويلحون عليه لسرد وقائعها ونبش ذكرياتها ونَكء جروحها التي يحاول أن يواريها ويدملها في نفسه. وهو يفضل ويرغب أن يتهجى الناس علامات تلك العذابات والجروح، بفراستهم الصامتة، وعلى نحو مغفل أو موارب، ويقرأون ملامحها في وجهه وعينيه، من دون أن يلحوا عليه لسردها وروايتها، لتعرية نفسه أمامهم وفي حضرتهم.
-2-
لم أنم ولا غمض لي جفن طوال الليلة التي سبقت إخراجنا من الزنزانة لإطلاق سراحنا. وهذا ما أصاب غيري من نزلاء الزنزانة أيضاً. أتذكر أني تمددت على ظهري، وغرقت في أحلام يقظة صامتة مدارها صور العالم الخارجي وأطيافه.
والأرجح أن مادة هذه الأحلام، نمطية لدى المعتقلين جميعاً. وقد يكون الأكل، أي مآكل العالم الخارجي التي أنسانا المعتقل طعمها، في طليعة صور أحلام اليقظة تلك. والحق أن الكلام عن المآكل واشتهاءها يشكل موضوعاً أساسياً في أحاديث المعتقلين وتسلياتهم اليومية. وقد لا يكون الطعام المقصود في هذه الاحاديث، الا كناية مواربة عن الشوق الى الطقوس واللقاءات التي تحف، عادة، بأوقات الأكل في البيوت أو المطاعم.
وبعد الأكل وصوره وطقوسه، تشكل صورة المعتقل عن نفسه في العالم الخارجي الذي سيعود إليه، موضوعاً آخر لسيناريوهات أحلام يقظته. وهكذا رحت أسأل نفسي بإلحاح: كيف سيراني وينظر إليّ أهل العالم الخارجي الذين أعرفهم ويعرفوني، بعد إطلاق سراحي، وكيف سيستقبلوني؟ وهذا السؤال يتبعه ويتعلق به سؤال آخر أيضاً: كيف علي أن أبدو وأظهر في عيونهم، وعلى أي صورة؟
-3 -
أظن أن ليس لدى المعتقل المتهيئ لإطلاق سراحه، سوى "البروباغاندا" النضالية والثورية، أي "بروباغاندا" القضية والبطولة ليرمم بها حطام صورته، أو صورته عن نفسه المحطمة في قسوة المعتقلات وذلها ومهانتها. والحق أن الصورة التي يقوم المعتقل بترميمها ليست صورته الذاتية والشخصية عن نفسه ولنفسه، بل صورته أو تخيله لصورته في عيون الآخرين الذين سيعود إليهم، ويستقبلونه. ذلك أن ليس للمعتقل أي نوع من الدفاعات التي تحميه من الانهيار في خلاء المعتقلات وعرائها، وحيال عمليات التحقيق والتعذيب وقسوتها المنهجية المبرمجة، وحيال محاولات تحطيمه جسدياً ومعنوياً إلى حد اشعاره بأنه أقل من حشرة، بل نفايات بشرية، ليس للمعتقل حيال هذا كله، سوى صورته كمقاوم ومناضل، والتي عليه أن يروح يشحذها في نفسه ويستلهمها كي يستبعد بها الصورة التي تلصقها به الحياة في المعتقلات: نفاية بشرية.
أما الدفاعات الشخصية أو الذاتية للمعتقل، فسرعان ما تنهار وتتحطم في الأيام الأولى للاعتقال، حينما يبدأ جسمه المتعب بخيانته، ويروح يفقد مقدرته وطاقته على تحمل التعذيب الجسدي والمعنوي. وهنا عليه أن يبدأ بإقناع نفسه بأنه في ما يشبه الغيبوبة التي تشكل واحدة من آليات الدفاع عن نفسه ضد محاولات تحطيمه معنوياً.
قد يلجأ بعض المعتقلين إلى آليات دفاعية أخرى غير الغيبوبة: الإقدام على الاعتراف في التحقيقات، للخلاص من آلام التعذيب الجسدي والمعنوي. لكن هيهات للمعتقل أن ينجو، في هذه الحال، من شعوره المرير بالخزي والعار، ومن تعريض نفسه وصورته عنها للتدمير المعنوي.
-4-
ماذا كان يسعني أن أفعل، مثلاً، في الساعات الـ 12 التي رميت في أثنائها في العراء والبرد، مكبل اليدين والرجلين، ملفوف الرأس بكيس من قماش؟! مكثت مرمياً على هذه الحال، فيما الجنود من حولي على مسافة أمتار قليلة يمضون الوقت في حياة عادية. لا، لم يكن في وسعي أن أنتفض غضباً أو يأساً أو ألماً. وحين فعلت ذلك مرة انهال الجنود عليّ بأيديهم وأرجلهم، يضربوني على أي موضع في جسمي حتى سال الدم من أنفي ووجهي.
تعرضت لمثل هذه التجربة ثلاث مرات أو أربع، وكان عليّ أن أستسلم لشعور جسماني بالارتخاء العضلي والعصبي، حتى الخور والخمول والخدر. كأن جسمي لم يعد لي، بل لشخص آخر غيري، ولا سلطة لي عليه.
ربما لكل من المعتقلين طريقته الدفاعية الخاصة في مواجهة أصناف التعذيب المختلفة في عالم المعتقلات والسجون. لكن الجميع على الأرجح يلزمهم وقت طويل، بعد خروجهم من المعتقل، كي يتجرأوا على استعادة ما تعرضوا له من أصناف التعذيب المدمر جسدياً ومعنوياً. وكثيرون منهم لا جرأة لديهم ولا طاقة لمصارحة أنفسهم بما حصل وامتلاك رواية ما عنه، بعد خروجهم من المعتقل. ويغلب على الظن أن السلاح المعنوي الأمضى في الدفاع عن النفس في عالم المعتقلات والسجون القاسي، هو احتضان الأسير أو السجين صورته عن نفسه كمناضل ومقاوم وصاحب قضية. فعالم المعتقلات لا يبقي لنزلائها أي حصانة إنسانية أو بشرية يمكن لهم أن يتحصنوا بها للدفاع عن أنفسهم كبشر، ولتدارك انهيارهم المعنوي، سوى قيم المقاومة والنضال وعدتها التعبوية التي تصير أيقونة الخلاص الوحيدة في ذلك العالم.
وفي هذا المعنى تعتبر المعتقلات والسجون المكان الأنجع للتعبئة والتحريض النضاليين الجذريين ولتخريج المناضلين الأشد صلابة. فهناك، في ذلك العالم شبه البهيمي، حيث تنزع عن البشر صفاتهم الإنسانية، يروح المعتقل أو السجين يشحذ في نفسه ووعيه وجوارحه تلك الدوغما النضالية التي تريه أنه المناضل المطلق وصاحب القضية المقدسة، والضحية المطلقة، وأن عدوه وسجانه هو الشر المطلق والوحش المطلق والجلاد المطلق.
-5-
إذ تحوّل المعتقلات والسجون أجسام المعتقلين والسجناء خردة أو نفاية بشرية، فإنها على الأرجح تنزع من أجسامهم الرغبة والأهواء الجنسية. هذا في ما يتعلق بي على الأقل، أنا الذي دخلت المعتقل يافعاً ومزوداً بصور رومنطيقية عن الأهواء والرغبات والصلة بالنساء. وكيف كان يمكن لهذه الصور أن تزورني، أو أستحضرها إرادياً، في المعتقل، حيث رمي جسمي وترك ليغرق ككتلة مادية خالصة، ثقيلة ولا روح فيها، في عالم مادي رمادي ثقيل، تعامل الأجسام البشرية فيه وكأنها نفايات؟
أظن أن الاستمناء يشكل إحدى آليات دفاع المعتقل أو السجين، عن إنسانيته في ذلك العالم المادي الثقيل. فهو، أي الاستمناء، يتطلب اختلاء المعتقل أو السجين بنفسه، للقيام بهجرة تخييلية أو خيالية من المعتقل أو السجن. وفي لحظات الهجرة الخيالية هذه إلى العالم الخارجي البعيد والممحو في ذاكرته، يستعيد شيئاً من ألوان إنسانيته التي تفقده إياها الإقامة في المعتقل.
لكن التحريم التقليدي وشبه الديني للاستمناء، وكذلك صورته الاجتماعية السيئة في ثقافتنا التقليدية، تحرم المعتقلين من هذه اللحظات الدفاعية عن أنفسهم، وتعرّض من يقدم على توسلها للهروب تخييلياً من المعتقل إلى الفضيحة بين أقرانه، إذا شاهده أحد يفعلها.
- 6 -
في صبيحة النهار الذي سيضعوننا في الحافلات، تمهيداً لعملية التبادل على الحدود السورية، رموا إلينا في الزنزانة كومة من الثياب تشبه تلك التي في البالات، وقالوا لنا أن ننتقي منها ما نريد لنرتديه. كانت كلها فاقعة الألوان وقديمة الطراز، وبدونا في أشكال مضحكة ونحن نرتدي قطعاً منها لنقيسها. وفي الظهيرة، حين وزع علينا حراس السجن أغراضنا الخاصة التي انتزعت منا لحظة اعتقالنا، ومنها محافظ جلدية صغيرة للجيب وبعض الأوراق النقدية اللبنانية وحزام جلدي... غمرني فجأة شعور داهم بالحميمية لم أشعر قط بمثله طوال مدة اعتقالي. شعور داهم بالحميمية حيال مشهد هذه الأشياء وملمسها، كأني بها وعبرها استعدت نفسي التي كنت قد بدأت أفقدها وأنساها شيئاً فشيئاً منذ اللحظات الأولى لاعتقالي قبل ثمانية أشهر. لقد كان سحرياً وأسطورياً حضور هذه الأشياء، واستعادتي لها، فشكلت العلامات المادية الأولى في إعادة صلتي بنفسي قبل الاعتقال، وبالعالم الخارجي الذي سأنتقل إليه. أما زمن الاعتقال والمعتقلات فقد بدأ فعلاً وحقاً ويقيناً ينزاح عني لأطويه شيئاً فشيئاً في مكان قصي من نفسي، وأنا أتلمس تلك الأشياء الشخصية الحميمة التي لم أدرك إن كانت قد سقطت عليّ من الماضي البعيد أم من المستقبل.
فيما كنت أتهيأ لمغادرة الزنزانة للمرة الأخيرة، تذكرت شعوري الغريب بأني أخرج من مكان أترك فيه الكائن الذي كنته في السجن والمعتقل، بل أتخلى عنه وانتزع نفسي منه، في ما يشبه وداع غريب لا أدرك إن كان يستبطن شيئاً من الحزن والأسف والأسى. لكن الأكيد أني رحت أفكر بالذين تركتهم ورائي، هنالك في المعتقل، حين وصلت إلى الباحة الخارجية والتقيت بكثيرين غيري من نزلاء الزنزانات الأخرى، مرتدين مثلي تلك الثياب الغريبة المزركشة. وهناك، في تلك الباحة الخارجية التي اجتمعنا فيها بدأت علاقتنا بالجنود الإسرائيليين تصير علاقة إدارية.
صور الرفاق ونزلاء المعتقل الذين تركتهم هناك ورائي تزايد حضورها في ذاكرتي، فقلت في نفسي لست أنا الذي اخترت خروجي من دونهم. ولشهرين اثنين مقبلين في أعقاب خروجي، ظلت صورهم تلك تحضرني، كلما استمتعت بلحظة ما من حياتي. تفاجئني صورهم، كأني منهم أسرق تلك اللحظات من المتعة.
- 7 -
الصفعة التي كان يتلقاها واحدنا من الجندي الإسرائيلي، في أثناء الساعات الـ 48 التي أمضيناها في الحافلات متجهين نحو الحدود السورية ـــ الإسرائيلية في الجولان، كانت أشد وقعاً ومضاضة علينا من كل الصفعات السابقة، رغم أننا كنا مكبلي اليدين معصوبي العيون طوال تلك الساعات البطيئة والطويلة. كان وقع هذه الصفعات المعنوي قوياً علينا، إذ بدأنا نتلقاها كأشخاص عاديين ونتحفز للرد عليها بمثلها.
وعبرنا ممراً ضيقاً وسط الأسلاك الشائكة على الحدود. كانت لحظات العبور تلك هائلة، كأننا نعبر جسراً يمتد من العدم إلى الحياة، حيث أمضينا ليلة في ضيافة رجال المخابرات السورية في مكاتبهم. كان أولئك الرجال متعبين ومرهقين من الوقت الطويل الذي مكثوا فيه ينتظرون وصولنا في مكاتبهم الحدودية، للقيام بتحقيق روتيني معنا. تحملنا بكل صبر انزعاجنا وارهاقنا في تلك الليلة، بعد يومين وليلتين في الحافلات الإسرائيلية التي سارت بنا متباطئة وتوقفت في محطات كثيرة على طرق طويلة لم نبصر منها الا مشاهد خاطفة من تحت قطع القماش التي تعصب عيوننا.
-8-
في الصباح وزع علينا رجال المخابرات السورية ثياباً عسكرية ارتديناها بدل الثياب الإسرائيلية المزركشة. ومن خلف رقابنا تدلت على صدورنا فوق الثياب العسكرية شالات مرقطة من الطراز الفلسطيني، وزعت أيضاً علينا، فيما كنا نصعد إلى حافلات سورية سارت بنا نحو البقاع في لبنان. على الطريق كانت جموع من الجماهير قد حشدت للاحتفال بنا ورفع شارات النصر تحية لنا.
في أرض فسيحة في البقاع لم أعرف موقعها، كانت الحشود قد احتشدت أيضاً لاستقبالنا، وسط مكبرات صوت ضخمة تبث الأناشيد والأغاني الحماسية الثورية. وفي لحظات نزولنا من الحافلات علت الزغاريد ولعلع الرصاص وارتفعت شارات النصر والرؤوس عالياً، فيما كان قطيع من الماشية ينحر قرب الحافلات في مشهد يشبه ذاك الذي يحدث في المسالخ.
لم أستطع أن أرفع يدي لأداء شارة النصر، ولا رفعت رأسي عالياً شامخاً، كما فعل كثيرون غيري من الأسرى المحررين، ولم أستطع أن أتذوق شيئاً من المآكل المكدسة على ما يشبه المناسف وسط ذلك الاحتفال الصاخب. ربما كنت ما أزال مخدراً من التعب والإرهاق. وربما نفرت من ذلك الفولكلور. وربما لم أكن في حاجة إلى أن أدافع عن نفسي بمثل هذه الطريقة.
في الفنادق البقاعية التي أنزلونا فيها لننام ليلتنا بعد ذلك الاحتفال، وجدنا في الغرف، قرب سرير كل منا، كراساً نشرته منظمة "القيادة العامة"، التي حررتنا نحن "الأسرى والمناضلين الأبطال"، وفق العبارة التي زينت ذلك الكراس الذي حوى أسماءنا جميعاً.
صبيحة النهار التالي كانت سيارات خاصة للحزب الشيوعي اللبناني في انتظارنا نحن المحررين الشيوعيين، فنقلتنا إلى مركز الحزب الرئيسي في وطى المصيطبة في بيروت، حيث استقبلنا أعضاء من المكتب السياسي، وغيرهم من القيادات الحزبية.
- 9 -
كان توقي شديداً الى انتهاء الاحتفالات العامة بنا، كي أنصرف الى الاحتفال الخاص بي مع رفاقي وأصدقائي. لكن هذا التوق المزدوج والمضاعف لم يتحقق، لا لشيء الا لأنه هو نفسه أكبر وأقوى من اي واقع زمني حي.
في المساء بعد لقائي بأهلي وبعض الرفاق والأصدقاء، بدأت أشعر بأن احلام يقظتي الكبيرة والمديدة قد انتهت فجأة، فادهشني كيف تذوي المشاعر الكبرى الصاخبة، وكأنها لم تكن اكثر من طيف عابر، وخيّل لي ان الاحتفال الخاص الذي انتظره وأتوق اليه، لا بد آتٍ غداً او بعد غد. لكني كلما كنت انتظر حدوثه وأمنّي النفس بقدومه، كان يبتعد ويتلاشى.
هل كنت أعلم أن انتظاراتي الدائمة لذلك الاحتفال الخاص الموعود، لم تكن إلا صنيعة خوفي من نفسي وحاجتي الى الهروب منها، خشية أن أختلي بها وأنفرد، لتفاجئني شياطيني السوداء طالعة من عالم المعتقلات الذي خرجت منه لتوي؟!
كنت أقول إن لحظة الذروة لا بد آتية، وأن شيئاً ما كبيراً، حادثة ما كبيرة في طريقها اليَّ. لكن الأمور كلها ظلت تجري جريانها العادي. وحين كان أحد ما يسألني عن حياتي في المعتقل، كنت أقول كلمات قليلة، مقتضبة ومتكررة، لتعقبها لحظات ثقيلة ومضنية من الصمت. لحظات تشبه تماماً تلك التي تحدث في مجلس عزاء بين ناس جاؤوا للقيام بواجبهم حيال أهل الفقيد الذي هو أنا المنبعث بينهم حياً ومن جديد، بعد ثمانية أشهر من الغياب والموت في المعتقلات.
كم كنت أنفر من تلك اللحظات الصامتة وأمقتها، وأود لو تنقضي سريعاً أو تنقلب الى احتفال خاص يندفع فيه الجميع الى الرقص الصاخب، وهذا ما لم يحدث قط، وظللت وقتاً طويلاً أنتظره سدىً وعبثاً.
- 10 -
عادية راحت الحياة تجري بي. والمسافة أو الفجوة الزمنية التي فصلتني عن رفاقي وأصدقائي، أقامت بيني وبينهم شيئاً من القطيعة التي كنت أحسب أن الاحتفال والرقص وحدهما كفيلان بردم هوتها، لأني كنت أشعر بأن الكلمات والأحاديث بيننا تغص بتلك الفجوة الزمنية نفسها، فيبقى الكلام مبتوراً أو مكتوماً لا يفي بحاجتي اليه، أنا الذي كنت شديد التوق الى ان اشرب نبع الحياة وأعبه كله دفعة واحدة وحتى الثمالة، تعويضاً عما فات وانقضى وحدث في غيبتي.
وكان النوم صعباً عليَّ في لياليَّ الأولى. صعب لأنه يدعني أنفرد بنفسي، أنا الذي كنت أريد من كل سهرة الاّ تبلغ نهايتها، حتى لو طلع الفجر.
هل كنت أهرب من صورتي عن نفسي في المعتقل، تلك التي كنت في كل لحظة ألمحها خلفي وتطاردني لتنفرد بي، فأدفعها عني بأن ألقي نفسي وسط الاحتفالات الجامعة والسهرات الخاصة؟!
أمضيت وقتاً طويلاً بعد عودتي من المعتقل، باحثاً عن لحظات حياة صاخبة لتنتزعني من الحال التي كنت عليها طوال الأشهر الثمانية هناك، ولا أدري حتى الساعة ان كنت قد برئت من ذلك التوزع المضني بحثاً عن لحظات عيش كثيف لا تأتي.
لكني لست وحدي المصاب بهذا التوزع، على الأرجح، ولا الذين تعرضوا لتجارب الاعتقال والسجن من اللبنانيين مصابون به وحدهم، بل كل الذين عاشوا حروبنا وعاصروها طوال سنواتها المديدة، لا بد من أن يكون في نفس كل منهم شيء من هذا القبيل.
رواية واصف عبدالله كتابة محمد ابي سمرا
اعترافات معتقل لبناني بين أنصار وعتليت في ثمانينات القرن العشرين (1-2)

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات