بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
المسيحيون في الجولان.. جذور ممتدة في صخور الماضي
  29/10/2010

المسيحيون في الجولان.. جذور ممتدة في صخور الماضي

موقع الجولان/ ايمن ابو جبل

مخطط لبانياس قديماً
في أيلول من العام الماضي زار الجولان السوري المحتل, وفدا من مركز السبيل وهي حركة لاهوت تحرر مسكونية، متأصلة الجذور بين أبناء الجذر الفلسطيني من أبناء الطائفة المسيحية في مناطق العام 1948. هدفت الزيارة بالإضافة إلى التعرف على المناطق السياحية والتاريخية والسياحية في الجولان،الاطلاع والتعرف على أثار وبقايا الوجود المسيحي في الجولان المحتل قبل عدوان حزيران عام 1967. وقام الوفد مع عشرات المتطوعين من أبناء الجولان المحتل بتنظيف ما تبقى من الكنيسة المدمرة في قرية عين قنية، التي احترقت في العام 1928 اثناء الانتداب الفرنسي على سوريا، ضمن سياسية التحريض الطائفي وفرق تسد الفرنسية بهدف انهاء واجتثاث الثورة في الجولان،وما تلاها من تخريب وحرق احد الامكنة المقدسة لفي مقام الست شعوانة في قرية عين قنية في العام ذاته ..

زيارة الاخوة والاشقاء من مركز السبيل حملت امالا كبيرة واحلاما عديدة في استحضار ذاك الانسجام الطائفي الذي شهده الجولان منذ ان وطأت فيه اقدام مواطنيه قديماً، فكان مشهد المتطوعين من الشباب والصبايا من ابناء قرية عين قنية واعضاء مركز السبيل لوحة وطنية وانسانية تركت رغبات وحاجات مطلبية في العمل من اجل اعادة بناء الكنيسة وترميمها، في المستقبل القريب.. مضى عام اخر، ولم تلقى الرغبات والنداءات التي اطلقها ابناء الجولان وابناء الطائفة المسيحية اية أذان صاغية بعد ؟؟؟؟؟
فيما مضى وفي صفحات تاريخ الجولان السوري المحتل سكنت الطائفة المسيحية الجولان منذ القدم،وبدأت المسيحية تلقى تجاوباً متنامياً، منذ بدايات السلام الروماني، الذي بزغ فجره في عهد الإمبراطور "قسطنطين" الكبير، بعد أن أطلق الحرية للدين المسيحي وشجعه في عام 313، فتحولت منطقة الجولان برمتها، من الوثنية إلى المسيحية، وتولى أمراء الغساسنة العرب النصارى أمر الحفاظ عليها وانتشارها وازدهارها فشيدت الكنائس والأديرة في ربوع الجولان، وحظيت مدينة "بانياس" بكرسي أسقفي لمنطقة الجولان، ولا تزال بقاياها قائمة لغاية اليوم..
وذكر انجيل "متي الرسول " ان السيد "المسيح" توجه في إحدى جولاته مع تلاميذه إلى "قيصرية فيلبي" وهي مدينة "بانياس اليوم" في أقصى شمال الجولان، حيث وقف أمام كهف "بان" العظيم الذي يخرج منه نبع بانياس او نبع الاردن، حيث سلم "يسوع" رسوله "بطرس" مقاليد السلطة في الكنيسة، هذا الحدث المفصلي في تاريخ الديانة المسيحية حدث على أرض الجولان.. ومن هنا تعد أرض الجولان أرضاً مقدسة ومقصداً للحجاج المسيحيين السائرين على خطا السيد "المسيح"
استمدت بانياس اسمها من الإله الوثني "بان" وهو إله الرعاة، والغابات، والحيوانات البرية، والجبال عند الإغريق، وعرفت بأسماء أخرى، خلال فترات من تاريخها، فقد أطلق عليها فيلبيوس بن هيرودوس اسم قيصرية، تكريماً للإمبراطور طيباريوس، وأضاف إلى هذا الاسم اسمه، تمييزاً عن قيصرية الساحل الفلسطيني، فصارت تعرف باسم قيصرية فيليبي. وكذلك أطلق أغريبا الثاني اسم نيرونياس عليها، تكريماً للامبراطور الروماني نيرون، وحصلت على لقب " المدينة العظيمة" و " مدينة الله" مع تأسيس أبرشية بانياس، وقيام أسقف عليها.

مقام عثمان الحزوري(ر)
قدمت منطقة الجولان فيما مضى لوحة بانورامية ثرية بتاريخها واحداثها منذ الفترة الوثنية والمسيحية والعربية والاسلامية، وقد شهدت احداثاً تعتبر مفصلية في التاريخ العربي عامةً والسوري خاصةً، وقد زارها السيد المسيح وامضى الكثير من ايامه في ربوع هذه المنطقة, وشرب من ينابيعها العذبة، واكل من ثمارها الشهية، واوكل الى تلاميذته نشر المسيحية فيها، وسلمهم مفاتيح الكنائس في بانياس وطبريا ومنهم تلميذه سمعان ..
والجولان منبت خمسة من تلاميذه الاثني عشر , وهم سمعان وأخوه أندراوس , ويعقوب وأخوه يوحنا, وأخيراً فيليب, ثلاثة منهم كانوا أفراد الحلقة الداخلية, وهم سمعان, والأخوان يعقوب ويوحنا, وواحد منهم من كتبة ألاناجيل الأربعة, وهو يوحنا, الذي حظي بمحبة خاصة من يسوع المسيح.
إن أرضا تشرفت بالسيد المسيح, والرسل والرجال الصالحين من ابا ذر الغفاري ويهوذا عليه السلام والست ساره (ر) ومقام الخضر وعثمان الحزوري والشيخ صفا والشيخ مهنا في قرية الغجر المحتلة،لهي أرض تستحق ان ترتفع وتسمو الى مرتبة القداسة, يملي الواجب على كل حر وشريف العمل على إحياءها على طريق التجدد, بالمزيد من الاهتمام بها، بصدقية القول والفعل، وتقديم البدائل والحلول لمعاناة سكان الجولان وعلى وجه الخصوص تشتت العائلات الجولانية من المسيحين والعلويين والدروز المتجذرين في ارضهم ما بين دمشق ولبنان وفلسطين، سعياً وراء الاستقرار العائلي والديني ومنحهم الحق في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية والاجتماعية والانسانية.

اعادة رسم كاتدرائية بانياس
وفي حديث مع الاستاذ الاعلامي اندرياس شحاذه- ابن مجدل شمس- الموجود في مدينة القنيطرة المحررة اليوم قال
:

"عاش المسيحين في انسجام ووئام طائفي مع باقي الطوائف داخل القرى الجولانية، منذ القرن التاسع عشر، وشكلت نسبة المسيحيين في قرى الجولان المأهولة اليوم مثل مجدل شمس وعين قنية حوالي ثلثي السكان،ولغاية الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي،بعدها عملت سلطات الانتداب مع بدايات العام 1928 على تهجير السكان المسيحيين من القرى ونقلهم الى مدينة القنيطرة، لضمان عدم اندماجهم باعمال الثورة السورية، واستغلالهم كقوى عاملة اقتصادية في المدينة التي بدأت تنتعش وتكبر، وشكلوا بعد الشركس النسبة الأكبر من عدد السكان فيها.. فيما اضطر قسم كبيراً الى الهجرة الى دول امريكا االلاتينية واوربا ، ورغم سياسية التفرقة التي اعتمدها الانتداب الفرنسي من تأجيج الانقسام الديني والمذهبي الا ان عائلات عديدة بقيت،إلى جانب الثوار في قرى جبل الشيخ وخاصة مجدل شمس، ولا تزال عدة عائلات مسيحية تسكن القرى الجولانية تحت الاحتلال، رغم وجود المصاعب الكبيرة التي تفرضها سلطات الاحتلال بمنع تواصلهم مع اقربائهم واماكن العبادة الخاصة بهم وممارسة معتقداتهم الدينية المشروعة "


لم يتبق من مسيحيّ الجولان السوري المحتل بعد عدوان حزيران عام 1967سوى عدة عائلات من الطائفة العربية المسيحية، موزعين في مجدل شمس وعين قنية، ولم يتبق من الكنائس والأماكن الدينية سوى كنيسة للطائفة المارونية في عين قنية، تستقبل المؤمنين والزوار، وبقايا كنيسة أخرى تابعة لأوقاف الطائفة المارونية، وهي بعهدة الأوقاف الدينية الدرزية كأمانة مقدسة حتى تحرير الجولان وعودتهم الى ديارهم، وبقايا كنيسة للطائفة الأرثوذكسية في مجدل شمس، تدمرت أكثر من مرة كان أخرها أثناء قصف الطيران الفرنسي للكنيسة وتدميرها في العام 1925، وكنيسة بانياس التاريخية التي
سلمت من التدمير الاسرائيلي بعد عدوان حزيران عام 1967، ولم يتم تهديمها كما تم تهديم بانياس بقرار من وزير الدفاع الاسرائيلي موشي ديان انذاك، وقد جرى ترميم الكنيسة اكثر من مرة، الا ان ابوابها مغلقة اليوم امام الحجاج والمؤمنين ...

الخالة ام شحاذة-عين قنية

فيما بادر أبناء قرية عين قنية في العام1983 وبشكل طوعي شمل العشرات من ابناء القرية في إجراء إصلاحات وترميمات مختلفة لإعادة الكنيسة في القرية الى سابق عهدها لاستقبال الزوار واقامة الشعائرالطقوس الدينية فيها. رغم انه لا يوجد في القرية سوى ثلاثة عائلات مسيحية تتبع للطائفة المارونية، وجسد الأهالي مثالا للتعاون والإخوة والمحبة بين أبناء الجولان على مختلف مذاهبهم وطوائفهم التي كانت سائدة قبل الاحتلال الإسرائيلي للجولان. ويشهد تاريخ الجولان النضالي بصمات رائعة الى دور الاخوة المسيحين في دعم الثوار اثناء الثورة بتوفير المال لشراء السلاح، واغاثة الفقراء من ابناء الشهداء، ودورهم في تزويد الثوار بالمعلومات التي حصلوا عليها من البعثات التبشيرية التي قصدت المنطقة، اضافة الى تطوع العشرات منهم مع الثوار والمحاربة في صفوفهم انتصاراً للوطن والارض المسلوبة، وخاصة ابناء جباثا الزيت وعين قنية ومجدل شمس وخسفين ودير القروح..
لقد عمل مسيحيو الجولان في مختلف الأعمال التجارية الصغيرة، وصُنفوا ضمن طبقة الرأسمال الصغير، بحكم ان معظمهم اعتبروا من المتعلمين ويتحدثون اللغات الاجنبية الفرنسية والانجليزية، جراء اشتراكهم في مشاريع النهضة التي دخلت المنطقة من خلال البعثات التبشيرية، وساهموا في رفع الحالة الاقتصادية إلى جانب إخوانهم من باقي الطوائف الأخرى، وساهموا في بناء المدارس الابتدائية، وتطوع عدد من الأساتذة إلى تعليم الأطفال الكتابة والقراءة، في الصفوف التي خصصت للتعليم في سنوات العشرينيات والثلاثينيات، وكانوا جزءً من النسيج الاجتماعي في البلدة، بالحقوق والواجبات، واشتركوا في مشروع تقسيم اراضي مجدل شمس وتوزيعها بشكل عادل بين أبناءها، ونالوا حصتهم من الأراضي بشكل متساو وعادل.وشهدت بلدة مجدل شمس قبل الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي افتتاح أول مدرسة فيها بمبادرة من رئاسة الطائفة المسيحية في البلدة وافتتحت مدرسة داخلها (كانت تقع بجانب منزل المرحوم فؤاد كنج أبو صالح، ومتحف الاثريات التاريخية التي تم تدشينه مؤخراً ) وتم استقبال الطلاب على اختلاف مذاهبهم لتلقى العلم، والمعرفة، وبرز آنذاك كأحد الأساتذة في كنيسة مجدل شمس الأستاذ والوطني السوري الكبير فارس بك الخوري،الذي أصبح فيما بعد رئيس البرلمان السوري ورئيسا للحكومة، ولا تزال بعض بقايا الكنيسة قائمة لغاية اليوم في محيط ساحة مجدل شمس، فيما تنتشر أراضي وأملاك عديدة للاخوة المسيحيين لا تزال أمانة تحت إشراف الأوقاف الدرزية..


الاستاذ المربي ابراهيم نصرالله وهو من سكان مجدل شمس،كان مربيا في سلك التربية والتعليم، وفصلته سلطات الاحتلال الاسرائيلي بسبب رفضه القرارات والتعليمات الإسرائيلية حول تدريس المناهج الإسرائيلية بدل المناهج السورية، وتم اعتقاله والحكم عليه لسنوات طويلة في سجون الاحتلال الاسرائيلي قال في حديث معه" لقد انتشر المسيحيون بكل قرى الجولان تقريباً مجدل شمس جباثا الزيت زعورة وعين فيت وخسفين التي شكل عدد المسيحين فيها نسبة50% وكان فيها كنيسة يعود بناءها إلى القرن الثامن الميلادي تم هدمها وقصفها خلال الحرب العدوانية، وقد تعرض المسيحيين أسوة بباقي ابناء الشعب السوري إلى اضطهاد المستعمرين والمحتلين فخلال الثورة بين عام 1925-1927 نزح قسم منهم من مجدل شمس الى قرية جباثا الزيت، وعادوا خلال عام 1928، ومن ثم تتالت الهجرات إلى مدينة القنيطرة الواقعة على مفترق طرق بين لبنان وسوريا وفلسطين، واتسعت الهجرة أكثر خلال سنوات الخمسيينات لتشمل عددا من أبناء الطائفة الدرزية ايضاً حيث كانت المدينة اخذة في الازدهار، واخر هجرة للمسيحيين من مجدل شمس كانت في العام 1954وبرز فيها هجرة الـ عبد الله شحاذة. وكان هناك خوري اسمه فلمون حداد وهو وحيداً لأهله، كان يملك 25 دونما من الأراضي منحها للكنيسة دون اي مقابل. ولم يتبق من العائلات المسيحية سوى الـ نصرالله وعائلة عبد الله يوسف الحداد الذي انتخب في العام 1965 ممثلاً للفلاحين في الجولان داخل البرلمان السوري، وانتقل قسريا بعد حرب حزيران إلى الشام وبقى هناك، وكانت هناك عائلة الـ فرزلي ومنهم المرحوم المعروف أبو رجا سمعان فرزلي وهو من سكان الشام وتزوج من امرأة من مجدل شمس، وجاء الى مجدل شمس أثناء فترة الصيف لتصريف الأعمال الزراعية ووقعت الحرب وبقى هنا.. لقد سكنت البلدة عائلات مسيحية من الروم الأرثوذكس وشكلوا الأغلبية، والكاثوليك والبروتستانت، وأقامت كل طائفة كنيسة للعبادة لها عدا الكاثوليك حيث لم يكن عددهم كبيرا آنذاك.. ورغم عمليات الهجرة الطوعية للمسيحيين، الا ان البصمات العديدة التي تركوها ورائهم اليوم لاتزال حية في وجدان من تبقى في ارضه من ابناء الجولان بعد الاحتلال، حيث لا تستطيع الا ان تستحضر هذه البصمات كلما مررت ببقايا الكنيسة في مجدل شمس، او بالقرب من مقبرة القرية، او زرت قرية عين قنية وزرت الكنيسة فيها وبعض العوائل التي لاتزال تعيش هنا في أرضها ومسقط راسها، على امل ان يلتئم شمل الجولانيين وعودة كل النازحين الى ديارهم ، لاستكمال ما بدأه جيل الاجداد والاباء في هذه المنطقة ....
المحمية الأثرية بانياس - السوق
في بانياس اليوم محمية أثرية تبرز فيها آثار المدينة القديمة لتدل على عظمتها. في المحمية آثار سوق قديمة، وقطع من الأعمدة والحجارة المنحوتة، وبقايا مبان ودور سكنية، ومعابد وطواحين ومعاصر زيتون قديمة.





المصادر:
الباحث السوري تيسير خلف
الباحث السوري عزالدين سطاس
لقاء مع السيد ابو شحاذه ابراهيم نصرالله
حديث مع الاعلامي السوري اندرياس شحاذة
مركز الجولان للاعلام والنشر
ملاحظة: صور الكهف من ملحق الصور لكتاب (المسيح في الجولان) تاريخ وآثار للباحثين "تيسير خلف" و"عزالدين سطاس"
.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات