بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
من حوران هلّت البشاير: عام على الثورة
  13/03/2012

من حوران هلّت البشاير: عام على الثورة


كلنا شركاء – حسين ابازيد

في هذه الأيام تمرّ الذكرى السنوية الأولى لانطلاقة الثورة السورية التي انطلقت من درعا في 18 آذار 2011، والتي ارتبطت باعتقال عدد من الأطفال (ممن تأثروا من خلال وسائل الإعلام بما يحدث في تونس ومصر) الذين كتبوا على جدران المدارس عبارات تطالب الرئيس السوري بشار الأسد بالرحيل.

قد تكون هذه الحادثة هي الشرارة المباشرة التي أشعلت الثورة ولكن سبق قيام الثورة العديد من التحركات الشعبية والفردية على طول البلاد. فمنذ استئثار حزب البعث بالسلطة واستفراد آل الأسد بالحكم فيما بعد تعرضت سورية للكثير من الحركات المطالبة بالحرية من تيارات سياسية مختلفة كان أشدها التمرد الذي قاده الإخوان المسلمون في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي، ولكن بسبب القبضة الأمنية الشديدة وغياب الإعلام وبسبب الظروف الدولية آنذاك تم القضاء على كل هذه التحركات والتي بقيت ضمن مناطق جغرافية محدودة. فما الذي حدث في درعا قبل عام؟؟.

محافظة درعا تقع أقصى جنوب غربي سورية ويبلغ عدد سكانها أكثر من 1200000 نسمة يعمل معظمهم في الزراعة وبعضهم في الوظائف الحكومية، كما تضم عدداً كبيراً من أبنائها ممن يعملون في الخليج، ومن أهم مدنها وبلداتها نوى وازرع والصنمين والحراك وطفس وخربة غزالة والجيزة وجاسم وإنخل وداعل وبصرى الشام، وتمتد على مساحة 3730 كم2، وتشكل الجزء السهلي من هضبة حوران.

في يوم ٢٧ شباط ٢٠١١ تم اعتقال عدد من أطفال درعا، شعلة ثورة الكرامة والحرية. الأطفال الذين اقتلعت أظافرهم وعذبوا لكتابتهم على حائط مدرستهم بداية تاريخ جديد لسوريا وهو إسقاط النظام الاستبدادي الحاكم منذ اربعين عاماً. والأطفال هم:

معاوية فيصل صياصنة، يوسف عدنان سويدان، سامر علي صياصنة، أحمد جهاد أبازيد، عيسى حسن أبو القياص، علاء منصور ارشيدات أبازيد، مصطفى أنور أبازيد، نضال أنور أبازيد، أكرم أنور أبازيد، بشير فاروق أبازيد، نايف موفق أبازيد، أحمد ثاني ارشيدات أبازيد، أحمد شكري الكراد، أحمد سامي الرشيدات (ما زال مجهول المصير)، عبدالرحمن نايف الرشيدات، محمد أيمن منور الكراد، أحمد نايف الرشيدات أبازيد، نبيل عماد الرشيدات أبازيد، محمد أمين ياسين الرشيدات أبازيد.

أما الانتفاضة الشعبية فقد انطلقت يوم الثلاثاء 15 آذار عام 2011 ضد القمع والفساد وكبت الحريات بدعوات ناشطين على الفيس بوك وذلك في تحد غير مسبوق لحكم بشار الأسد متأثرة بموجة الاحتجاجات العارمة المعروفة باسم (الربيع العربي)، والتي اندلعت في الوطن العربي أواخر عام 2010 وبداية عام 2011، وخصوصاً الثورة التونسية والمصرية. وكانت الاحتجاجات قد انطلقت ضد الرئيس بشار الأسد وعائلته المستبدة بحكم البلاد منذ عام 1970 وحزب البعث السوري المستبد به تحت سلطة قانون الطوارئ منذ عام 1963. قاد هذه الاحتجاجات الشبان السوريون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ورفعوا شعار: «الله سوريا حرية وبس»، لكن قوات الأمن والمخابرات السورية ومليشيات موالية للنظام (عُرفت بالشبيحة) واجهتهم بالرصاص الحي فتحوّل الشعار إلى «إسقاط النظام». في حين أعلنت الحكومة السورية أن هذه الحوادث من تنفيذ متشددين وإرهابيين من شأنهم زعزعة الأمن القومي وإقامة إمارة إسلامية في بعض أجزاء البلاد.

بدأت الاحتجاجات بمظاهرة صغيرة في العاصمة دمشق في الثلاثاء 15 آذار 2011 بعد دعوات مسبقة قبل ذلك ببضعة أسابيع، لكن الأمن اعتقلَ جميع المتظاهرين. وفي اليوم التالي خرجت مظاهرة أخرى شارك فيها حوالي 100 شخص طالبوا بالإفراج عن المعتقلين، وفي مساء يوم الخميس تجمع العشرات من شباب درعا أمام مسجدي الحمزة والعباس وهتفوا مطالبين بالإفراج عن أطفال درعا. وفي اليوم الثاني الجمعة 18 آذار تحت شعار «جمعة الكرامة» خرجت المظاهرات في مدن درعا وحمص ودمشق وبانياس وقابلها الأمن بوحشية. خصوصاً في درعا عندما حاول المحتجون التوجه من المسجد العمري في "درعا البلد" إلى "المحطة" وكانت قوات الأمن المركزي قد تمركزت على الجسر الواصل بين البلد والمحطة لمنع تحرك المحتجين، فقابلوهم بإطلاق النار الحي وفي هذا اليوم سقط أول شهيدين على أرض درعا وأربعة جرحى وتفرقت المظاهرة وطُورِد المحتجين حتى درعا البلد وفي اليوم التالي كانت الدعوة لتشييع الشهداء حيث بلغ عدد المشيعين حوالى 300 ألف شخص ولم يطالبوا يومها بإسقاط النظام ولكنهم داخلياً كانوا متأثرين بالربيع العربي وأحسوا أن زمن الخوف ولى. مشاعر الناس لم تكن فقط ضد عاطف نجيب (المسؤول الأمني عن اعتقال وتعذيب الأطفال) أو المحافظ، والإهانة نتيجة اعتقال الأطفال تحديداً ولكن بشكل عام كان الغضب من سنين طويلة من القمع، وبعدها تابعوا التظاهر، فسقط عدد من القتلى والجرحى على يد الأمن السوري، فاشتعلت درعا بمظاهرة حاشدة ضمت الآلاف في تشييع أول شهيدين في الثورة السورية هما حسام عبد الولي عياش وأكرم الجوابرة، وتحوَّلت المظاهرات لباقي الأسبوع إلى اشتباكات دامية في محيط المسجد العمري ومناطق أخرى من المدينة، قالت منظمات حقوقية أنها أدت إلى مقتل 100 محتج بنهاية الأسبوع. ففي اليوم الثاني أطلق الرصاص بشكل عشوائي مما أوقع الكثير من الإصابات وصلت إلى مائة جريح وتحول المسجد العمري إلى مشفى ميداني خوفاً من اعتقال الجرحى، ومن ذلك اليوم لم تدخل درعا سيارات الإسعاف. في اليوم الثالث خرج المتظاهرون أيضا في درعا البلد وخرج عشرات الآلاف في منطقة المحطة واستطاعوا من الطرفين خرق الحواجز، يومها تسممت أحياء درعا بالكامل بالغاز المسيل للدموع وارتفعت حالات التسمم. في تلك الأيام أصبح أهالي درعا متضامنين بشكل كبير، حتى العشائر التي بينها ثارات ودم نسيت مشاعر الثأر وبدأت بمساعدة بعضها، وكانت المظاهرات النهارية يومية والاعتصامات ليلية وفي يوم 24 مارس اقتحم الجيش والأمن المسجد العمري وسقط ثمانية شهداء وكانت المساجد تكبر كل الليل مع صرخات الاستغاثة، ارتكبت مجازر بحق أبناء القرى وفي أكثر من منطقة، أول مجزرة ارتكبت بحق أبناء القرى الشمالية والشرقية (ناحتةـ المليحةـ الحراك ـ الصورةـ علماـ خربة غزالة) الذين قدموا بما سمي الفزعة لدرعا ومشوا سيرا على الاقدام حوالي 40 كم وانتقلوا من قرية لأخرى محملين بالمساعدات، كانوا بصدورهم العارية يتقدمون ووقعوا بمصيدة الأمن الذين سمحوا لهم بالدخول الى درعا وقرب الساحة الرئيسية انتشر القناصة على أسطح البنايات ودون سابق انذار تم اطلاق النار بشكل كثيف في الهواء من قبل الأمن والقناصة الذين أوقعوا 61 شهيداً وقرابة 100جريح.

في 25 آذار انتشرت المظاهرات للمرَّة الأولى لتعمَّ العشرات من مدن سوريا تحت شعار «جمعة العزة» لتشمل جبلة وحماة واللاذقية ومناطق عدة في دمشق وريفها كالحميدية والمرجة والمزة والقابون والكسوة وداريا والتل ودوما والزبداني، وفي ذلك اليوم وبينما كان أكثر من 300 ألف متظاهر يتجمعون في الساحة العامة بدرعا بعد تشييع شهداء المسجد العمري وردت أنباء من الصنمين تتحدث عن سقوط العشرات بين قتيل وجريح على أيدي رجال الأمن فهب المتجمعون وحطموا أول تمثال للرئيس السوري السابق حافظ الأسد أمام منزل المحافظ ففتح رجال الأمن المتواجدين على سطح منزل المحافظ ونادي الضباط النار على المتظاهرين الذين ما إن انتهوا من تحطيم التمثال حتى هجموا على منزل المحافظ وأحرقوه وسقط يومها عدد من القتلى والجرحى من المتظاهرين، واستمرَّت الاحتجاجات بعدها بالتوسع والتمدد شيئاً فشيئاً أسبوعاً بعد أسبوع.

في 31 آذار ألقى بشار الأسد خطاباً في أول ظهور علنيٍّ له منذ بدء حركة الاحتجاجات، لكن المظاهرات استمرَّت بالخروج مع ذلك. وتحت الضغط المتزايد أعلن بشار في 7 نيسان عن منح الجنسية للمواطنين الأكراد في سوريا بعد حرمانهم منها لعقود، وفي 14 نيسان شُكلت حكومة جديدة للبلاد عوضاً عن القديمة التي استقالت الشهر الماضي. ثم أعلن بشار الأسد أخيراً في 21 نيسان عن رفع حالة الطوارئ في البلاد بعد 48 عاماً متصلة من فرضها.

في 25 نيسان أطلق الجيش السوري عمليات عسكرية واسعة في درعا ودوما هي الأولى من نوعها، وأدت إلى مقتل عشرات الأشخاص من المدنيين جراء حصار وقصف المدينتين والقرى المحيطة بهما. وبعدها بأسبوع فقط بدأ الجيش عمليات أخرى في بانياس، ثمَّ بعدها بأيام في حمص، متسبباً بمقتل المزيد من المدنيين. في 14 أيار بدأ الجيش حملة مشابهة على تلكلخ أدانتها منظمات حقوقية، واتهمته منظمة العفو الدولية بعد الحملة بشهور بارتكاب ما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية في حق أهالي تلكلخ خلال عملياته. وفي 28 أيار بدأت حملة أخرى في مدينتي الرستن وتلبيسة أوقعت حوالي 100 قتيل. في 3 حزيران اعتصم عشرات آلاف المتظاهرين في ساحة العاصي بمدينة حماة، ففتحت عليهم قوات الأمن النار مخلفة أكثر من 70 قتيلاً، وهوَ ما بات يُعرف بمجزرة جمعة أطفال الحرية نسبة إلى شعار تلك الجمعة، وتلا المجزرة بعد شهر حصار المدينة وإطلاق عمليات أمنية واسعة فيها. وشهدت محافظة إدلب وخصوصاً مدينة جسر الشغور ومنطقة جبل الزاوية عمليات أخرى ابتداءً من 4 حزيران.

في يوم الأحد 31 تموز ليلة الأول من رمضان أطلق الجيش السوري عمليات في مدن عديدة بأنحاء سوريا أبرزها حماة ودير الزور والبوكمال والحراك، ويُعد ذلك اليوم أكثر أيام الاحتجاجات دمويَّة حتى ذلك الوقت، إذ راحَ ضحيته أكثر من 150 قتيلاً في تلك المدن، أكثر من مئة منهم في حماة وحدها، وتلا العمليات حصار لمدينتي حماة ودير الزور استمرَّ لأسابيع. في 15 آب بدأ الجيش والأمن عمليات عسكرية في مدينة اللاذقية أدت على مدى أربعة أيام إلى مقتل أكثر من 50 شخصاً. في 18 آب حدث تصعيد غير مسبوق في مواقف الدول الغربية من الاحتجاجات، فبعد خمسة شهور من الاكتفاء بإدانة القمع والدعوة إلى الإصلاحات أعلنت فرنسا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة الأمريكية في وقت واحد أن على الرئيس السوري بشار الأسد التنحي على الفور بعد أن «فقد شرعيته بالكامل». في أوائل شهر يونيو وبعد تفاقم حالات الانشقاق في الجيش السوري على مدى ثلاثة شهور أعلنَ عن تشكيل أول تنظيم عسكريٍّ يُوحد هؤلاء العسكريين، وهو «لواء الضباط الأحرار» تحت قيادة المقدم المنشق حسين هرموش، وتلاه بشهرين الإعلان عن تشكيل الجيش السوري الحر بقيادة العقيد المنشق رياض الأسعد، وأعلن هذان التنظيمان عن عشرات العمليات لهما لشهور بعد ذلك قبل أن يَتحد لواء الضباط الأحرار مع الجيش الحر في أواسط شهر سبتمبر، لكن مع ذلك فلم يخض الجيش أي معركة حقيقية حتى أواخر ذلك الشهر عند اندلاع معركة الرستن وتلبيسة وبدء اشتباكات عنيفة بينه وبين الجيش السوري النظامي أسفرت عن مقتل العشرات من كلا الطرفين.

وعودة إلى درعا وبالتحديد إلى حصار درعا وهي عملية عسكرية (نفذها الجيش النظامي ـ الفرقة الرابعة والفرقة الخامسةـ بالإضافة إلى قوات الأمن المركزي وحفظ النظام والأجهزة الأمنية بفروعها المختلفة وما بات يعرف بالشبيحة) ضد ما وصفته الحكومة بالجماعات الإرهابية، بينما هي حملة ضد المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية.

بدأ الحصار في 25 نيسان بنشر الدبابات واقتحام درعا، فقتل 25 شخصا على الاقل. ورافق الدبابات العديد من القناصة الذين قدر عددهم ما بين المئات إلى 6000 قناص، وقد قطع الماء والكهرباء وخطوط الهاتف عن المدينة.

لم يستطع أهل المدينة التحرك من الحصار حتى الشهداء لم يتمكنوا من دفنهم لذا تم وضعهم في برادات الخضار، وللأسف لم ينج حتى الأموات من بطشهم وسرقوا البرادات بالجثث التي فيها ولم يتم تسليمهم إلى ذويهم لدفنهم إلا بعد توقيعهم على تصريح بأن العصابات الإرهابية هي من قتلتهم.

في فترة الحصار دفنت العائلات أبناءها في حدائق منازلهم و اثنان من شهداء درعا دفنا تحت بلاط منازلهم.

- الحصار خلق حالة من التضامن الرائعة بين الأهالي، تقاسموا رغيف الخبز وشربة الماء، والتضامن الأروع كان من أبناء القرى والبلدات المجاورة الذين حملوا الحليب والخبز وتعرضوا للقتل في شوارع درعا التي تلطخت شوارعها بدمائهم الممتزج بالحليب والخبز، في هذه المجزرة اعتقل الطفل حمزة الخطيب و ثامر الشرعي وكانا قد قدما مع أهالي قريتهم "الجيزة" لمعونة اطفال درعا، وقضيا تحت التعذيب، والرواية الرسمية أن حمزة الخطيب كان ينوي سبي نساء الضباط! كم مضحك هذا فالطفل لم يبلغ 13 عاما عندما قتلوه، وذكر الناشط أيمن الأسود "أن حمزة الخطيب تحدث مع والدته بالهاتف من مشفى السويداء في اليوم التالي لاعتقاله بعد أن تعاطف معه أحد الممرضين وسمح له بالتحدث مع أمه". وكان التعاطف كبير من أهالي حوران وإخوتهم الفلسطينيين وحتى بعض الشبان من محافظة السويداء الذين قدموا حالات من الاستبسال لتوصيل المواد الغذائية لمدة أسبوعين عانى فيها أهالي درعا كما تحمل أهالي القرى المجاورة الأعباء والمخاطر لإيصال المعونات لأهل درعا المحاصرين.

وقد قال المعارضون خلال حصار المدينة الكامل بأن القناصة على أسطح المنازل يستهدفون جميع الذكور الذين يحاولون الخروج إلى الشوارع، ولكن سمحوا للنساء فقط بالخروج إلى المخابز وفي أوقات محددة. وكذلك أفادت التقارير بأن الجيش قصف أجزاء من المدينة واستخدم الرشاشات الثقيلة ضد المتظاهرين.

بثت قناة الجزيرة في 28 نيسان لقطات لجنود جرحى يتلقون مساعدات من الأهالي أصيبوا من الوحدات الموالية للنظام بعد رفضهم الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين. وفي 29 نيسان قتل ما لا يقل عن 50 شخصا في أنحاء سوريا نتيجة لتعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات التي انطلقت بعد صلاة الجمعة. خمسة عشر من الذين قتلوا كانوا بالقرب من محافظة درعا بعد محاولة آلاف المتظاهرين الدخول إلى المدينة المحاصرة فأطلقت قوات الأمن النار عليهم.

تعرض المسجد العمري في 30 نيسان الموجود بالجزء القديم من المدينة لعملية عسكرية، حيث كانت الاحتجاجات تنطلق منه كل الجمعة في تلك البلدة. ووفقا لشهادة أحد السكان فقد هاجمت الدبابات بقذائفها ورشاشاتها الثقيلة المسجد وشارك بتلك العملية ما لا يقل عن ثلاث هليكوبترات في إنزال مظليين على سطح المسجد. فقتل جراء هذا خلال الهجوم ستة أشخاص بينهم نجل الشيخ أحمد الصياصنة، واعتقل العشرات بمن فيهم الشيخ نفسه، وقد توزع القناصة على سطح المسجد.

بدأ الجنود بالانسحاب من المدينة في يوم 5 أيار بعد انتهاء العملية العسكرية. وظل بعضهم مع الدبابات لإبقاء الوضع في درعا تحت السيطرة. وفي نفس الوقت قالت تقارير أن هناك قوات ستنتشر حول محور آخر للمعارضة وهي مدينة بانياس الساحلية. ومنذ ذلك الوقت لم تخل مدينة أو بلدة في سورية من حركة احتجاج. وبعد كل المعاناة الناس تقول لا عودة إلى زمن العبودية ولا رجعة.

وجوه من درعا
حمزة علي الخطيب: الطفل الذي صار أيقونة.


حمزة علي الخطيب (تشرين الأول 1997- أيار 2011) هو طفل سوري من بلدة الجيزة في محافظة درعا، تعرض للتعذيب الجسدي وهو يبلغ 13 عاماً أثناء الاحتجاجات السورية في 2011. خرج من بلدته الجيزة التابعة لمحافظة درعا مع آخرين لكسر الحصار الذي فرضه الجيش السوري على مدينة درعا، تم اعتقاله عند حاجز للأمن السوري قرب مساكن صيدا في حوران يوم 29 نيسان 2011 وبعد مدة تم تسليم جثمانه لأهله، و بدت على جسمه آثار التعذيب والرصاص الذي تعرض له حيث تلقى رصاصة في ذراعه اليمنى وأخرى في ذراعه اليسرى وثالثة في صدره وكسرت رقبته ومثّل بجثته حيث قطع عضوه التناسلي.
بعد أن ظهر فيديو يظهر التعذيب البدني الذي تعرض له من القوات السورية، أنشأ ناشطون صفحة باسم "كلنا الشهيد حمزة علي الخطيب" لإعلان رفضهم لما حدث من قبل النظام السوري، وقد وصل عدد المعجبين بهذه الصفحة إلى أكثر من 16000 معجب خلال أقل من 24 ساعة.
حمزة الخطيب يمثل مئات الأطفال السوريين الذين ذهبوا ضحية النظام فاستحق لقب أيقونة الثورة السورية.

الشيخ الكفيف أحمد صياصنة: كيف صار ملهماً للثورة.

ولد الشيخ أحمد عيد الصياصنة، في مدينة درعا البلد عام 1945 في أسرة فقيرة وبسيطة، أصيب بالأشهر الأولى من ولادته بالرمد، مما أدى لفقدانه نعمة البصر بسبب الجهل، واللجوء لطرق العلاج البدائية.
دخل الكتّاب في العام 1950, وفي عام 1954 طلبت وزارة الشؤون الاجتماعية ترشيح بعض المكفوفين لإرسالهم إلى مصر للتعلم, فسافر عام 1955 إلى مصر ودرس في المركز النموذجي لرعاية المكفوفين في حي الزيتون بالقاهرة, وتعلم فيها لغة بريل للمكفوفين. لكنه لم يستطع إكمال دراسته في مصر بسبب الانفصال بينها وبين سوريا عام 1961 فعاد إلى سوريا.

وفي عام 1965حصل على الشهادة الإعدادية دراسة حرة. عام 1967 حصل على بعثة على نفقة الجامعة العربية في كيفية تعليم المكفوفين وتأهيلهم في جمهورية مصر.
عام 1969 حصل على الشهادة الثانوية الفرع الأدبي دراسة حرة. عام 1970 تم قبوله في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والتحق بها بنفس العام.

عام 1973 حصل على شهادة الليسانس من كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بتقدير جيد جداً. عام 1975 عين إماماً في مدينة ازرع، عين بعدها مدرساً دينياً في مدينة بصرى الشام. عام 1978 عين خطيباً في الجامع العمري حيث أصبح المسجد يغص بالمصلين في خطبة الجمعة.

تم إيقافه ومنعه من الخطابة في المسجد العمري أكثر من مرة, كان آخرها في عام 2008. ظل موقوفاً عن الخطابة حتى 18 / 3 / 2011 حيث أعيد بناءً على طلب المحتجين، وتعرض للتحقيق والاستدعاء من كافة الفروع الأمنية المختلفة في دمشق والسويداء بشكل شبه أسبوعي.

عرف عن الشيخ مواقفه المعارضة للنظام القائم في سوريا منذ سنوات طوال، ولم يتورع عن نقد الأخطاء والفساد من على منبر المسجد العمري، وبغيره من الأماكن. كما عرف عن الشيخ عدم انتماءه لأي تيار أو جماعة أو حزب سياسي وكان يتمتع باستقلاليته وقربه من جميع الناس من مختلف التيارات.

عندما انطلقت الثورة السورية من درعا البلد في 18\3\2011 كان أول من باركها. والتف حوله الشباب، واختاروه لمحاورة النظام ومفاوضته حول مطالبهم في بداية الثورة، فحاور مختلف قياداته الأمنية والسياسية ومن بينهم الرئيس دون جدوى أو نتيجة, ولأنه صدح بالحق على منبره وفي القنوات الفضائية ورفض أن يفرط بدماء الشهداء أو أن يخون ثقة من اختاروه طاردته الأجهزة الأمنية السورية وحاولت تشويه صورته وسمعته واتهم بالعمالة والإرهاب، كما حاولت اغتياله اكثر من مرة وفشلت، لكنها استطاعت قتل فلذة كبده ابنه الشاب أسامة (24 سنة) في اقتحام درعا، واعتقال بعض أولاده، وفرضت عليه الإقامة الجبرية لعدة أشهر.
رفعت الإقامة الجبرية عن الشيخ في 26-1-2012 لكن الأجهزة الأمنية ظلت تلاحقه مما اضطره إلى اللجوء الى الاردن.
عرف عن الشيخ بساطته، وطيبته، وسماحة خلقه، كما أنه يتمتع بحافظة قوية، ذو وجه بشوش محب وأبعد ما يكون عن التعصب.

أيمن الأسود: من مدرس رياضيات إلى ناشط سياسي وإعلامي حر.

أيمن الأسود من مواليد درعا عام 1964، متزوج ولديه طفلين، عمل كمدرس رياضيات وتم نقله بقرار أمني منذ أربع سنوات للعمل الإداري لمنع احتكاكه بالطلاب، وذلك لمشاركاته في بعض المنتديات واستقباله في بيته مجموعات من الشباب الناشطين والمهتمين بالشأن السياسي لمناقشة الأوضاع العامة في البلد.. ولم يتوانَ يوما عن التصريح برأيه في الاجتماعات النقابية وهو ذو توجه يساري علماني.

تحول مدرس الرياضيات أيمن الأسود إلى ثائر وناطق إعلامي باسم درعا، وهو أول من تحدث باسمه الصريح وظهر بصورته الحقيقية للإعلام العربي والعالمي من داخل درعا مع بداية الثورة، وأول من هتف في أولى مظاهرات درعا.. في بداية الأحداث تعرض لمحاولة اغتيال من البعثيين، فبدأ التخفي خوفاً من تكرار عملية الاغتيال أو الاعتقال، وأصبحت مهمته نقل الصورة عبر وسائل الإعلام والفضائيات. وتحدث مع تلفزيون "ال بي سي" باسمه الصريح ومن تلك اللحظة انتقل دوره إلى إعلامي وخاصة أن اسمه الصريح أعطاه مصداقية لدى وسائل الإعلام.

هذا المدرس أصبح المطلوب الأول في درعا من قبل رجال الأمن، استطاع أن يتخفى لعدة أشهر بمساعدة وتعاون أهالي درعا للحفاظ على حياته، وهم من قرروا رحيله من سوريا حفاظا على حياته، لم يتوقف لحظة عن المشاركة في الثورة السورية بطرق أخرى، إن كان في الاهتمام باللاجئين السوريين في الأردن وبالأخص الجرحى منهم، وبقي صلة الوصل بين أهله في الداخل ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية في الخارج.

بدأ نشاطه في اليوم الأول في درعا أي في 15 آذار عندما حاول مع مجموعة القيام بمظاهرة أمام القصر العدلي للإفراج عن الأطفال المعتقلين، وفشلت المحاولة لوجود أعداد كبيرة من رجال الأمن.. وفي اليوم الأول للتظاهر أي 18 آذار كان بين الناس وأول هتاف ردده المتظاهرون خلفه كان "يا حرية وينك وينك حلف العسكر بيني وبينك".

في فترة حصار درعا كانت مهمة أيمن الأسود إعلامية فقط، فكان يجيب على اتصالات الفضائيات والإعلاميين لنقل صورة الوضع العام في درعا، كان يتنقل من بيت إلى بيت وحالة التضامن معه كانت رائعة ففي درعا تم تجاوز الكثير من العادات لأن ثقة الأهالي ببعضهم تجاوزت الكثير فهو الملاحق كان يلجأ لأي عائلة والنساء كن يدخلنه إلى بيوتهن حتى لو لم يكن في البيت رجال.

في أيار، وبعد أن تم تشديد الحصار ارتأى الشباب النشطاء ضرورة خروجه ليتابع نشاطه الإعلامي، وكان الخيار لخروجه إلى الأردن وساعده مجموعة من الناشطين عبر طرق ترابية وبعدة وسائل نقل. أقام في الأردن مع اللاجئين السوريين وتواصل بشكل دائم مع أهالي درعا لنقل نشاطهم والتحدث عن معاناتهم واستمر في تغطية أحداث درعا.

أيمن الأسود الآن عضو في المجلس الوطني ويتابع نشاطه السياسي من فرنسا ويقول أن الثورة ستنتصر مهما بلغت جرائم النظام فالشعب في معظم سوريا حسم أمره بإسقاط النظام ولن يتراجع عن هدفه هذا ومحاكمة المجرمين ورموز النظام وعائلة الأسد.

 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات