بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
سحق الذاكرة الوطنية ...العلم السوري: النظام يعرض الوطنية في البازار
  09/09/2012

سحق الذاكرة الوطنية ...العلم السوري: النظام يعرض الوطنية في البازار

نبراس دلول : كلنا شركاء


 

طابعين من اصدار الحكومة السورية وعليهما علم الاستقلال 2003 2007.
تزداد أزمة النظام السوري مع فجر كل يوم جديد من انتفاضة الكرامة التي أتمت منذ أيام شهرها السابع عشر. واذا كان الحديث قد كثر حول أزمة النظام سياسياً واقتصادياً وعسكرياً (( كان أخرها حديث رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب)) فان الحديث عن الأزمة الأخلاقية هو من الضروريات هذه الأيام, خصوصاً وأن النظام لم تتسنى له وسيلة الا واستخدمها لتخوين الشعب السوري بثواره ومعارضيه.
من تجليات أزمة النظام الأخلاقية هي عمله مع وسائل اعلامه المنحطة على تشويه تاريخ سوريا الحديث وتدمير الذاكرة الوطنية السورية من خلال وصف من يحمل علم الاستقلال السوري بأنه يحمل علم الانتداب الفرنسي!!!.
يتوقع الكثير منكم الأن أن أبدأ دحضي لهكذا افتراءات بالحديث عن الخلفية التاريخية التي تم فيها تبني علم الاستقلال في سنة 1932. لكن لا! حيث ان هذا الأسلوب تم العمل به من قبل عديد المعارضين السوريين ولكنه للأسف لم يأتي بأي نتيجة, حيث استمرت وسائل اعلام النظام ومؤيدوه بالحديث عن علم "الانتداب", في اهانة واضحة للشخصية السورية.

صورة لطابعين للعامين 2002-2003 يظهر علم الاستقلال من خلالهما بوضوح

سأبدأ حديثي اذاً من زاوية أخرى, وهي كذب وتدليس النظام السوري على كل من يشعر بأنه خصمه حتى لو اضطره الأمر الى نقض تاريخه وسلوكه!! فعندما يتحدث هذا النظام عن أن علم الاستقلال هو علم الانتداب الفرنسي وفي نفس الوقت كان هذا النظام نفسه هو من يرعى احتفالات عيد الجلاء حيث يرفع علم الاستقلال في كل الاحتفالات وفي كل اللوحات التمثيلية عن ثوار الغوطة, فلا معنى بعدئذ لحديث يطول عن الخلفية التاريخية التي من خلالها تم تبني علم الجمهورية السورية في العام 1932.
اذاً, النظام السوري يدلس ويعرف أنه يفعل ذلك ولا مانع عنده من تدمير الذاكرة الوطنية السورية طالما أنها المفتاح لبقاءه واستمراره حتى ولو قضى عمره الافتراضي المتبقي في السلطة مع شبيبة مبعثرة الروح ومشتتة الذاكرة وتائهة العقل. لايمكن الرد على النظام السوري في افتراءه على علم الاستقلال السوري الا من خلال سرد مجموعة من الوقائع التي كان النظام من خلالها يرفع هو ذاته علم الاستقلال متفاخراً ومزهواً بانتصار السوريين تحت هذا العلم على الاستعمار الفرنسي:

الواقعة الاولى: في العام 1997 قامت وزارة الاعلام السورية بالتعاون مع التلفزيون السوري بانتاج أغنية مصورة بمناسبة عيد الجلاء (الاستقلال) بعنوان " أنا سوري أه يا نيالي" من تأليف وألحان الفنان حسام تحسين بك ومن أداء الفنان عبدالرحمن أل رشي. الفيديو كليب الخاص بهذه الآغنية كان يصور ثوار الغوطة الدمشقية وهم يغيرون على الثكنات الفرنسية وهم يحملون أعلام الاستقلال مزهوين بأنفسهم وبعلمهم. اذاً,ما الذي تغير بين العام 1997 والعام 2011!!! سؤال برسم النظام ووسائله الاعلامية ومؤيديه. " كليب الآغنية بات متوفراً عل اليوتيوب".


الواقعة الثانية: يحدثنا أرشيفنا الخاص عن أن النظام السوري كان في كل عام تقريباً وبمناسبة عيد الجلاء يصدر طوابعاً خاصة بهذه المناسبة عليها في أغلب الآحيان أحد الثوار وبيده علم الاستقلال!! لدينا صوراً لهذه الطوابع تعود لعدة سنوات كان أخرها طابع من اصدار العام 2007.
الواقعة الثالثة: أيضاً, ومن ضمن البرنامج السنوي للاحتفال بعيد الجلاء, كان النظام السوري يرعى احتفالاً مركزياً يقام بأحد المدن الكبرى. أخر تلك الاحتفالات كان في العام 2010 وكان احتفالاً كبيراً من أرض مدينة حلب الشهباء في صباح نيساني مشمس, حيث قسم الاحتفال (( الذي بثته جميع الآقنية التلفزيونية السورية الحكومية والخاصة على الهواء مباشرةً)) الى فقرتين رئيسيتين ,الآولى عبارة عن لوحات راقصة بمرافقة صوت الفنانة ميادة بسيليس , والثانية عبارة عن لوحات تمثيلية تراثية تصور بطولات السوريين بمواجهة الاحتلال الفرنسي. كان جميع الممثلين يرتدون الزي الشامي الشعبي ويمتطون صهوات الجياد وكل واحد منهم كان ممسكاً ببيرق الثورة : علم الاستقلال ذو اللون الآخضر أعلاه والنجوم الثلاثة الحمراء في وسطه. ان هذه الواقعة حدثت قبل اندلاع انتفاضة الكرامة السورية بأحدى عشر شهراً, ولا أدري كيف أصبح علم الاستقلال بخلال أحد عشر شهراً علماً للانتداب عند النظام ومؤيديه؟؟.

الواقعة الرابعة: منذ تبني علم الجمهورية السورية في 12- حزيران- 1932 وحتى تاريخ نشر المقال لم يتغير سوى مرتين, الاولى العام 1958 على يد دولة الوحدة ثم اعيد العمل به في العام 1961, والثانية كان في العام 1963 على يد انقلاب البعث وحلفاءه الناصريين والى الأن. اذاً هل كان أجدادانا عملاء للاستعمار الفرنسي!! حيث أنهم لم يغيروا علم دولتهم عقب تحقيق الاستقلال في 17-04-1946!! ان هذا هو ما يقودنا الى تحميل النظام السوري مسؤولية العبث بالذاكرة الوطنية والذي ذكرته في بداية المقال. فمنذ عام 1946 تاريخ الاستقلال وحتى العام 1963 تاريخ انقلاب البعث وحلفاءه , كان علم الاستقلال يرفعه رجالات سوريا من شكري القوتلي الى سلطان باشا الاطرش وصالح العلي وهاشم الآتاسي وخالد العظم وغيرهم الكثير من رجالات الوطنية السورية , رجالات الاستقلال. فهل كان هؤلاء عملاء للاستعمار الفرنسي؟؟
تجدر الاشارة أيضاً الى اننا نملك صورة نادرة لاحتفالات أهلنا في دير الزور, يوم وصلهم نبأ خروج أخر جندي فرنسي من على الارض السورية, يرفعون فيها علم الاستقلال في الساحة الرئيسية في المدينة مزهويين برفعه كونه يرفع لأول مرة دونما ملاحقة من قبل البوليس الفرنسي الذي كان يعتبر رفع هذا العلم هو تأكييد على الوطنية السورية بوجه الانتداب.

صورة نشرت في مجلة ناشيونال جيوغرافيك في كانون الاول 1946 تبين احتفالات اهالي دير الزور بالاستقلال
في الحقيقة, لم اكن أتصور ان يلجأ النظام السوري الى (( سحق )) الذاكرة الوطنية السورية فقط ليظهر معارضيه بصورة العملاء. طبعاً هذا عدا عن أنه يبصق في الصحن الذي كان أكل هو منه, بحسب المثل السوري الدارج.
ان هذه الوقائع والمشاهدات المذكورة أعلاه كلها برسم النظام السوري ووسائل اعلامه, وقبل هؤلاء, هي برسم مؤيدي النظام الذين يرددون ترهة: علم الانتداب, دونما وعي الى أنهم يساهمون بتدمير الذاكرة الوطنية السورية وخصوصاً تلك الفترة الممتدة من 1946 وحتى 1963 والتي , باعتراف الجميع, تعتبر من أبهى وأجمل فترات الوجود السوري على هذه الآرض رغم ماشابها من عيوب.
أخيراً, يهمني القول بأنني مازلت أرفع علم سوريا الحالي (( ذو النجمتين الخضراوين)) كون التيار السياسي الذي أنتمي اليه يعمل على أن لا يزيد في انقسام الشارع السوري لا من أجل علم ولا من أجل أي شئ أخر, فالقصة ليست قصة علم وسط هذا الدمار الذي نحياه كسوريين ,وما دفاعنا اليوم عن علم الاستقلال الا تأكيد من قبلنا على الوطنية السورية وتاريخها ورموزها ورجالاتها. انه تاكيد على اعتزازنا بالفترة التي كان يرفع فيها علم الاستقلال كجزء من تاريخنا ومن ذاكرتنا.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات