بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
الى ابي في ذكرى رحيله العشرين
  31/12/2012

الى ابي في ذكرى رحيله العشرين

موقع الجولان
آيـة الأتـاســــــــي



أنا ابنة السجن....ابنة سنوات القمع....ابنة الانتظار الطويل..... ابنة نور الدين الأتاسي
أبي الذي سرقته مني السياسة ومدت لي لسانها تقول: رجال السياسة لا أبناء لهم ...انسيه ياصغيرتي....أبوك ملكية عامة
كرهت السياسة يومها....و تخيلتها غولا يسرق الأباء من أبنائهم ويتركهم يتامى. مر العمر ومات أبي ولم أتصالح مع السياسة ولم أغفر لها بل ازدادت الهوة بيننا. حاولت أن أرى أبي كأي أب آخرمن لحم ودم، لحظات حنان كثيرة ولحظات قسوة قليلة، لكنني كنت دائماً أجدني محاصرة برجل السياسة، بمؤيديه ومنتقديه...برفاقه وأعدائه...بفترة حكمه القصيرة وفترة سجنه الطويلة
في مثل هذا اليوم، وقبل عشرين عاما رحل أبي عن الحياة ...رحل الأب حاملاً معه كل الأبوة المؤجلة وكل خفايا السياسة وكل أوجاع السجن وآلامه.....لم أتوقف يوماً عن استحضار صورة الأب وذكرياته، وحجبت صورة السياسي و تناسيتها، ولكنني أحس يوماً بعد يوم بضرورة الحديث عن مرحلة من تاريخ سوريا، لا تخصني وحدي بل تخص كل السوريين، مرحلة حاول النظام بكل ما أوتي من بطش طمسها والتعتيم عليها ابتداءً من زج رجالها في السجون وقتلهم على البطيء، وانتهاء بإزالتها من الكتب المدرسية ومن التاريخ. كأن تاريخ سورية بدأ بالأسد وسينتهي به.
كنت أفاجأ أحياناً أن جيلا كاملا ولد وترعرع في ظل الديكتاتور الأب لا يعرف من كان رئيس سورية قبل الأسد، في وقت كنت أسافر فيه لأبعد بقاع الأرض كي أجد من يسألني، عندما يسمع اسمي، عن أبي وماذا حل به. تجنبت كثيراً الخوض في السياسة وأسئلتها ورفضت كثيراً أن أتكلم عن أبي كرئيس سابق وأدافع عنه على مبدأ ' كل فتاة بأبيها معجبة' لقناعتي أن التاريخ سينصفه وأنه ليس بحاجه لإبنة تدافع عنه ولأنني لم أكن أرى نفسي يوماً كإبنة رئيس سابق، فأنا كنت ومازلت ابنة السجن و معاناته....لم أر نفسي يوماً مع أصحاب السلطة، بل مع اصحاب الحق المسلوب وابنة للسجناء والمعتقلين.
في ذكرى رحيله العشرين، سأسمح لنفسي أن أستحضر الأب السياسي، أستحضره من البداية ومن لحظة الوجع الأولى....عندما كان صبياً ذا إثنتي عشرة سنة يقف أمام قبر أمه ويبكيها بكاءً، نشفت دموعه من بعدها...بكى أياماً و ليالي حتى جفت دموعه وصارت من حينها تسيل إلى الداخل ويكتمها كي لا تخرج، وصار يبحث عن الأم الصغيرة الغائبة في صورة الأم الكبرى الحاضرة سورية. اكتشف باكراً طريق السياسة فخرج في مظاهرات ضد الإحتلال الفرنسي....ثم انتسب في سن مبكرة إلى حزب البعث.....في مرحلة كانت أحلام الشباب تدور حول الوحده العربية والإشتراكية. في الثامنة عشرة من عمره تمرد على والده وعائلته من ملاكي الأراضي ليمضي بحلمه حتى النهاية.
دخل جامعة دمشق و درس الطب هناك، وترأس الاجتماعات الطلابية وقاد المظاهرات ضد حكم الشيشكلي وتم اعتقاله فسجن في سجن تدمر الصحراوي لمدة سنة، عندما اعتقل طلب منه أن يوقع على تعهد يترك بموجبه العمل السياسي والنشاط التظاهري ولكنه رفض، وعندما طُـلب من جدي الضغط عليه للتوقيع....ما كان من جدي، الذي كان يعارض أفكار ابنه ونشاطه، إلا أن قال له: طالما هذه هي قناعاتك فأنا لن أجبرك على تغييرها....ابق رجلا وتمسك بموقفك حتى النهاية.
تخرج من كلية الطب عام1955 وتخصص بالجراحة في مستشفى المجتهد، و في عام 1958 شارك كمتطوع في الثورة الجزائرية على رأس مجموعة من الأطباء، و كان اسمه السري 'عبد القادر بن عبد الوهاب'.....بعد وفاته تم تكريمه في الجزائر، وتم افتتاح مستشفى باسم 'مستشفى نور الدين الأتاسي' وفاء من بلد المليون شهيد، لمن ناضل جنباً إلى جنب مع ثوارها، عاد بعد ذلك إلى مدينته حمص وافتتح عيادته فيها وعمل كطبيب هناك حتى عودة حزب البعث واستيلائه على السلطة عام 1963، فتم استدعاء والدي وسلم حقيبة الداخلية كي يبدأ رحلة السياسة من جديد، رحلة لم يدفعه إليها لا نداء سلطة ولا شهوة مال ولا جاه.....فهو لم يكن ينقصه أي منهما. لم يكن ابن طائفة ... ولا عسكريا يبحث عن سلم ليتسلق على ظهور العباد، بل بكل بساطة لاقتناعه بأفكار، آمن بها وحلم بها من أجل سورية. أحلام ربما تختلف عن أحلامنا نحن جيل اليوم و لكنها كانت أحلام جيلهم في زمن المد القومي والعروبي.
في عام 1966 أصبح والدي رئيساً للدولة بعد أن كان عضواً في مجلس الرئاسة، و لكنه لم يكن الرئيس الواحد الأحد...ولا كان الرئيس الخالد المفدى....كما اعتدنا عليه عند رؤساء الدول العربية المستبدين....بل كان جزءا من قيادة حزبية، يتم اتخاذ قراراتها عن طريق التصويت داخل القيادة. لا أدعي أن تلك المرحلة كانت مشرقة ومن دونما أخطاء، ولكننا لا نستطيع أن نرى بعيون اليوم حقبة الستينيات وأحلام القومية والناصرية وأولوية القضية الفلسطينة. حقبة تشي غيفارا وحركات التحرر واليسار العربي. لم أعش تلك الفترة و لم أكن على سطح هذه الأرض بعد....ولكنني أعرف أن أبي، رئيس الدولة حينها، كان يسكن في بيت بالأجرة.....وبعد سجنه ظللنا نسكن فيه و ندفع أجرته، مثلنا مثل أي مواطن سوري أخر. لم يستفد من منصبه و لم يترك لنا بعد سجنه و موته لا سيارة باسمه ولا حساب ببنك، لم يترك لنا إلا سمعة حسنة و يدا بيضاء، حاولنا جاهدين الحفاظ عليها ناصعة كما ورثناها
بعد أن احتدمت الخلافات داخل القيادة بسبب محاولة الأسد التفرد بالسلطة، وبعد انكشاف الدور المتواطئ لحافظ الأسد في أحداث أيلول الأسود، عندما رفض إرسال تغطية جوية للقوات السورية التي حاولت الدخول لحماية الفلسطينيين في الأردن، قدم والدي استقالته من كل مناصبه احتجاجاً على موقف وزير الدفاع وعلى تدخل الجيش في السياسة. تم بعد ذلك عقد المؤتمر الإستثنائي العاشر للحزب وعلى إثره تم استبعاد حافظ الأسد ومصطفى طلاس من الحزب.
وفي 16 نوفمبر قام الأسد بانقلابه وانتهى فعلياً حزب البعث. تمت مصادرة سورية لصالح رجل واحد مستبد....كتب سورية باسمه و جعل أبناءها عبيدا ورعايا. ثم كما يورث المتاع، تمت نقل ملكية سورية وشعبها لإبنه من بعده في هذا اليوم عرض الأسد على والدي البقاء في مناصبه معززاً و مكرماً، ولكن هذه المرة ليصبح فعلاً غطاء و ستارة يتلطى من ورائها الأسد، لكنه رفض ليس من أجل صلاح جديد، الذي كثيراً ما اختلف معه في وجهات النظر ولكن لإدراكه أن الأسد سيحول سورية إلى سجن سوري كبير، وليس اعتقال رفاقه القدماء إلا البداية له
دخل أبي السجن و بقي فيه 22 سنه، ولأنه لم يكن يريد أن يغطي على مشروع ولادة الأسد الديكتاتور، ولم يكن يريد أن يكون جزءا من دولة الاستبداد رفض في عام 1970 أن يكون جزءا من هذا النظام المجرم. ورفض تلك الفكرة في عام 1980 عندما تم إخراجه لاستراحة القصور التابعة للدولة، ووضعه هناك قيد الإقامة الإجبارية من أجل التفاوض معه. وعندما طلب منه مندوب الأسد، محمد الخولي تأييد النظام رفض ذلك، لأن سنوات السجن والمراجعة لم تزده إلا قناعة باستحالة إصلاح هذا النظام ولإيمانه أن لا مستقبل لسورية إلا بالديمقراطية
لا اطلب من الأخرين الإيمان بقناعات أبي ومعتقداته ولكن أطلب منهم احترام تاريخ رجل وطني، اتفقنا أو اختلفنا معه، وقد حاول الأسد بعد ذلك كي لا يخرج أبي من السجن ويقدم خلاصة تجربته ومراجعته لها، فتركه في غياهب السجون حتى تفشى سرطان السجون في روحه و فتك بجسده، وعندما سمح له بعد 22 سنة سجنا بالسفر لفرنسا للعلاج كان المرض قد تفشى في كل خلاياه و لم يكن قادراً لا على السير ولا الكلام ومات بعد أسبوع من وصوله باريس.
اليوم سمحت لنفسي أن أتحدث عن أبي لا باسمه. حاولت أن أكتبه كما تراه عيناي، ولكنني تعمدت أن أخذ مسافة عاطفية، وتسمح لي أن أكون منصفة و حيادية
اليوم يا أبتي .....و بعد 20 سنه على رحيلك.....لا أستطيع ان اقف عند قبرك، ولا أن أضع الزهور كما اعتدت أن أفعل. اليوم لا أتصالح مع السياسة التي أخذتك مني....بل أتكئ، أنا التي لا تتقنها ولا تتقن ألاعيبها، اتكئ عليها لأحكي عنك لمن لا يعرفك. يحكي لساني عن رجل سياسة... و يحكي قلبي عن رجل الحياة والإنسانية وتحكي دموعي عن رجل المعاناة والألم. دموع أحاول أن أبكي بها ما عجزت دموعك عن سرده والبوح به
يا أبتي....اشتقت لك....لن أسألك: لماذا مضيت في سراديب السياسة وتهت عن ابنتك الصغيرة؟....سؤال لطالما أردت ان أسأله لك و لم أفعل ...لأنني كنت أعرف جوابك من غير أن تنطقه: سامحيني يا حبيبتي ....أحبك...ولكنني أحببت بلدي أكثر.

 أقرأ ايضاً ...

الرئيس نور الدين الأتاسي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

rami

 

بتاريخ :

31/12/2012 09:27:41

 

النص :

رحمه الله كثير من رفاقه عانوا ما عاناه لمجرد وقوفهم بوجه محاولات حافظ الاسد للتفرد بالسلطة و اغلبهم من اليبعثيين و ذلك لعلمهم بدناءة حافظ الاسد