بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
«الشـبـيـحـــة» فـــي ســـوريـا: مــن مـافـيــا إلـى مـيـلـيـشــيـا
  03/01/2013

«الشـبـيـحـــة» فـــي ســـوريـا: مــن مـافـيــا إلـى مـيـلـيـشــيـا


بيسان الشريف - من صفحة "فنون الثورة السورية" على "الفايسبوك"

شكيب الورّاق *

ظلت الدولة السورية وأجهزتها الرسمية طوال سني حكم البعث، مؤسسات واجهية، وهذه واحدة من سمات نظام التسلطية الأمنية الحاكمة التي قامت بتغييب آثار التراتبية في الدولة لصالح تعدد الأجهزة الأمنية الحاكمة، ونقل وتبديل السلطات فيما بينها، وتنظيم تنافسها التناحري ضمناً، مع استمرار استيلاد الجديد منها عند مواجهة أي تغيّر ظرفي مهدِّد لبقاء النظام، والإبقاء على القديم بشكل موازٍ، وتخفيض الصلاحيات حيناً وتعزيزها حيناً آخر.
تقسيم العمل بين الأجهزة
واليوم، تسعى السلطة السورية، عبر أجهزتها القديمة كلها، من فرق نخبة الجيش وعشرات الأجهزة الأمنية، إلى إنجاح القمع وجعله مثمراً، عبر تدمير المناطق الثائرة بالقوة النارِّية، وتفكيك حواضنها بالتهجير الممنهج الذي تدفع إليه المذابح الجماعية. ويبدو تقسيم العمل بين الأجهزة على الأرض هشاً وغير واضح التخوم ومناطق النفوذ. لكن الجليَّ أن جهاز الشبيحة المستحدث قد تسلم مهام عمليات التطهير في معارك الكر والفر بين النظام والمنتفضين، بدءاً بالنهب الواسع والشامل للمدن والقرى والأحياء، وصولاً إلى ذبح السكان.
منشأ وأصل الشبيحة الطبقي والاجتماعي والثقافي
شهدت المدن الساحلية السورية المطلة على شواطئ البحر المتوسط، منذ أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي، ظهور عصابات سيطرت على تجارة التهريب، وتحكمت في المعابر غير الشرعية للموانئ البحرية. دارت هذه العصابات في فلك عائلة «الأسد»، وهي متشكلة فعلياً من سكان الريف الجبلي الفقير المحيط بالمدن الساحلية، الذي ينتمي معظم قاطنيه إلى الطائفة العلوية. تقوم عقيدة الشبيحة على الولاء المطلق لزعمائها، وتتميز بطبيعتها الإجرامية، وتفلتها من العدالة، واستعلائها على الدولة والقانون، لشمولها بحماية زعماء كبار من عوائل الطائفة العلوية، الذين يتشاركون مظلة المصالح والعلاقات العائلية مع رؤساء الأجهزة الأمنية، مما ساهم في إعطائها سمات «المافيا».
يبدو بأن اسم «شبيحة» هو أفضل وصف دلالي لهذه العصابات، فهو يوحي بالرهبة والخوف، كما يدلل على طبيعتها العنفية، ونوعية أعمالها. فهي أشبه بالأشباح التي تظهر فجأة فتعيث فساداً، ويتصف عالمها الداخلي بالغموض والسرية، رغم ما يتبدى من دونية أتباعها تجاه تسلطية و«زعرنة» متنمريها وزعمائهم، الذين غالباً ما قاموا بتنفيذ أعمالهم علناً، مما يدلل قطعاً على مكانتهم فوق - الدولة.
إن معظم منتسبي الأجيال الأولى من هذه العصابات هم من صغار المزارعين، أو العمال المحرومين من الملكية الزراعية، أو الذين لا يملكون أية موارد متحصلة من العمل الزراعي، والذين قادتهم وعورة الجبال وسوء تنميتها، وضعف الإنتاجية الزراعية، إلى هجر الريف والتوجه إلى مدن الساحل، وخاصة بعد الانتهاء من الخدمة العسكرية الإلزامية، ودفعَهم عدم الكفاءة الناتج من سوء التحصيل الدراسي والأمية، إلى العمل كمياومين في ميناءي اللاذقية وطرطوس ومرافق وخدمات المدن، أو كبروليتاريا رثة تقوم بأعمال ثانوية، كبيع السجائر والسلع المهربة وفتح الأكشاك على الأرصفة. خلق كل ذلك بيئة ساعدت في تحول شريحة منهم إلى مجرمين صغار وبطانات لزعماء محليين. وهم تجمعوا كشلل قبضايات وزعران، تدير عمليات مافيوية محدودة، ظلت ضمن أطر معقولة ومسيطر عليها، حتى منتصف السبعينيات.
حصة في اقتصاد الحرب
كانت النقلة النوعية في تاريخ هذه المجموعات بعد وصول حافظ الأسد إلى الحكم، هو تشكل زعامات لها من أولاد عوائل السلطة، في أطر تجارة تهريب التبغ والمخدرات والأجهزة الكهربائية، من المنافذ البحرية، ومن لبنان إلى الداخل السوري المغلق بفعل سياسات البعث.
ويطرح هنا سؤال ينطبق على سوريا كما على سواها من الانظمة المشابهة، حيث يؤدي تحكم السلطة بالنشاط الاقتصادي بصورة قاطعة واحتكارية، في ظل ضعف الانتاجية والميل الى الاقتصاد الاستهلاكي (وتمويت القطاع العام)، الى بروز أصحاب الامتيازات والأفضليات من أبناء الحكام أو أقربائهم، الذين ينالون رخص الاستيراد الحصرية والتوزيع الخ... كما يؤدي الى ولادة اقتصاد مواز قائم على التهريب الذي ينعم بغض الطرف من قبل السلطة، وهو سماح يناله أيضاً المفضلون من أقرباء الحكام.
أدى ذلك التهريب، الذي سهلته سنوات الحرب الاهلية في لبنان، ووجود الجيش السوري فيه، الى تراكم أرباح طائلة، ونمو سلطة متفارقة وموازية للسلطات المحلية، تحكمت في مناطق نفوذ امتدت مع الزمن لتشمل الداخل السوري. لقد توسع اقتصاد الحرب الذي ساد في لبنان اجمالاً، وبالأخص خلال سنوات الحرب الاهلية الطويلة، ليطال سوريا بحكم التداخل الشديد بين البلدين.
الترييف القسري للمدن
ويعتبر الزمن الذهبي للشبيحة، كعصابات «اقتصادية»، هو الفترة الممتدة من منتصف السبعينيات إلى نهاية التسعينيات. حينها تكرست كمافيا، تتشابك مصالحها مع النظام وتتكامل، وتزرع الرعب في نفوس سكان الساحل، حتى من العلويين أنفسهم. وظلت أخلاقها وقيمها تندرج في باب الترييف الممارس قسراً على المدينة، بقوة السلاح والعلاقات الأمنية الطائفية. وهي تميزت بفرض حداثة شكلية رديئة الذائقة، تنحو باتجاه الاستعراض القائم على القوة الباطشة والجلفة، حتى في العمران والموسيقى.
من مافيات إلى مليشيات
مع بداية الانتفاضة السورية، في آذار/مارس 2011، بدأ يتواتر اسم الشبيحة كمليشيات مقاتلة ضد المتظاهرين، حيث تفيد المعلومات المتقاطعة من مختلف المناطق السورية، عن نشوء تشكيلات مقاتلة جديدة، غير نظامية، تُستقطب من أوساط المهمشين العاطلين عن العمل وغير المتعلمين وأصحاب السوابق، والمجرمين واللصوص ومدمني المخدرات وتجارها، المطلق سراحهم بكثافة بناء على مراسيم العفو الجمهوري التي فُصِّلت على مقاسهم. وتفيد تلك المعلومات المتقاطعة نفسها بأنه أشرف على تجنيد عناصر تلك التشكيلات، فرق حزبية وأجهزة أمنية، وبعض العائلات والعشائر ممن يمتهنون التهريب والأعمال غير الشرعية، وبعض الزعامات التقليدية والدينية. أطلق على هذه المليشيات اسم الشبيحة، وبدأت تظهر في كل المناطق السورية في فترة متقاربة. وكانت تضم في صفوفها أناساً من جميع المذاهب والطوائف والقوميات، وتقوم بمهام شتى، بدءاً من تفريق المظاهرات بقوة السلاح، إلى ملاحقة وترهيب الناشطين، وإقامة الحواجز الطيارة والثابتة في عمق الأحياء السكنية، والسطو على بيوت المغتربين والأغنياء، والمعارضين، وخطف الناس وطلب الفدية. وتختلط تلك المجموعات بمن يُسمَّون «اللجان الشعبية المسلحة»، ويظل ولاؤها المطلق لزعمائها كشكل من أشكال الاستزلام والتبعية، إذ أنها تخلو تقريباً من مراتب وسطى، وتتلقى أوامرها مباشرة من «المعلم» أو»الزعيم» أو»الكبير»، وهي صيغ شديدة المرونة والفعالية.
... التهديد بحرق البلد
إن التحول من صيغة العصابات إلى جهاز قمعي على شكل ميليشيات، بدأ مع التحول من مبدأ «الأسد الى الأبد» إلى «الأسد أو نحرق البلد»، المترافق مع شن السلطة لحربها المفتوحة على الشعب السوري الثائر ضدها، والتي سُجِّل فيها دخول كبار متمولي السلطة وأثريائها على خط دعم النظام، حيث تواترت الأنباء منذ منتصف العام 2011 عن قيام تجار وشركات كبرى وجمعيات خيرية بتطويع وإعداد عناصر الشبيحة وإمدادهم بالمال والسلاح. والأنباء تقول إنه وزعت على كل متطوع بندقية وراتب شهري يبلغ 10 آلاف ليرة سورية، وتم توكيلهم بالمهام القذرة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية. وبالعموم فقد تم تعميم نموذج الشبيحة الناجح في الساحل على الجسد التنظيمي لهذا الجهاز، وإن كان الرأس قد ظل حكراً على زعمائها التاريخيين من آل الأسد: «نمير الأسد» و«محمد الأسد» الملقب بشيخ الجبل»، وآل «مخلوف» و«ديب».
منحى الصفاء الطائفي
مع الوقت، ظهرت حالة التنقل بين شبيحة المناطق المختلفة، حيث تقوم باصات النقل الداخلي، وخصوصاً أيام الجمعة في ذروة التحركات العامة، بنقل مجموعات الشبيحة من مناطق الى سواها لضمان عدم وقوع مواجهات بينهم وبين ذويهم من المتظاهرين. لكن هذا الإجراء لم يصمد أمام امتداد التمرد الشعبي وتمكنه من أدواته، وبدأت جماعات الشبيحة تقتصر على أبناء الأقليات بصورة متزايدة، وعلى العلويين تحديداً، علاوة على أبناء عدة عشائر سنية تدين بالولاء للنظام، هذا مع عدم احتساب الحالات الفردية.
النهب بديلاً عن المرتبات
ومع انحسار الإمكانيات المالية للنظام منذ نهاية العام 2011، بدأت عصابات الشبيحة تعاني من نقص في مواردها، وعدم انتظام في تسلم رواتبها. وترافق ذلك مع إطلاق يدها المتزايد على أملاك المواطنين في مناطق الاقتتال، وخاصة في حمص. ونتيجة لكون مجموعات الشبيحة صارت شبه صافية طائفياً، فإنها تخوض معاركها بـ«دافع» طائفي و«تبرير» ديني لما ترتكبه. ولكونها ذات تكوين طبقي متماثل من البروليتاريا الرثة، فإنها تشكل فعلياً مليشيات من المفقَرين المعوزين الذين ينهبون كل ما يجدونه. وليس غريباً بأن تكون «فرقة الجراد» إحدى أهم تشكيلاتهم القتالية مزدهرة الأعمال، و«البستان» هي جمعيتهم الخيرية.
يقوم الشبيحة بالجانب القذر من معارك السلطة. يدخلون غالباً إلى المناطق المحاصرة من قبل الجيش بعد إنهاكها بالقصف وتجويعها زمناً طويلاً، كما حدث في الحولة والقبير وداريا والتريمسة وغيرها، ويقترفون مذابح بمختلف صنوف الأسلحة، حيث الهدف هو ممارسة عنف ارهابي، فيقتلون كل ما يتحرك، ثم يأخذون كل ما يمكن نقله، ويكسرون ويحرقون كل ما تبقى. وغالباً ما امتدت طوابير السيارات والشاحنات المحملة بالغنائم مسافات طويلة، وهي تُقتسم بينهم وبين ضباط الجيش والأمن، وفق نسب معينة يبدو أنه متفق عليها سلفاً. وفي حين يحتفظ زعماؤهم بحصصهم من المال والمصاغ، غالباً ما يقوم عناصر الشبيحة ببيع غنائمهم من آثاث وكهربائيات إلى أسواق جديدة بدأت تنشأ لعرض هذه البضائع، ضمن مسمى «أسواق السنّة»، لتشير إلى مصدر البضائع الطائفي!
تكاد مؤسسة «الشبيحة» اليوم تعمل باستقلال ذاتي، تديرها مجموعة اقتصادية ـ أمنية سبق لها أن سيطرت ونهبت الاقتصاد السوري في العقد الماضي. وهي تمتلك تنظيمياً جيشاً من المقاتلين المحترفين بأجر، يقدر أن عددهم يزيد على الـ60 ألفاً. وعبر «الشبيحة» وممارساتها، يدفع بالبلد إلى حدود الهذيان.
* باحث في علم الاجتماع من سوريا

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات