بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
" لا دمار يستمر مع شعب لايموت
  29/10/2013


"لادمار مع شعب لايموت ...."

اخبار وصحف ايام زمان



قالتها ألمانيا وطبقتها سوريا بعد الحربين العالميتين .. فهل تطبقها بعد حربها اليوم ...؟؟؟

" لا دمار يستمر مع شعب لايموت …. " هذا الشعار الذي رددته الحكومات المتعاقبة على ألمانيا الاتحادية بعد كل أن أصبحت الدولة تعيش على الأنقاض من أقصاها لأدناها نتيجة الحربين العالميتين التي دخلتهما ألمانيا .


هذا الشعار أوصل ألمانيا لتصبح صاحبة أكبر اقتصاد في دول أوروبا ، ورابع أقوى اقتصاد في العالم ، ولم يكن هذا الشعار لينجح لولا إرادة الشعب والحكومة الألمانية الحقيقية لإنجاحه .



سوريا الدولة ذات الخمسة والعشرون مليون نسمة ، تعيش اليوم في أنقاض حرب هي الأولى على مر تاريخها منذ أن سكنتها البشرية ، لم تشهد سوريا اقتتالاً أهلياً كالذي شهدته منذ العام 2011 والذي يستمر إلى يومنا هذا .

إلا أن سورية تلك الدولة المتوسطية ، تأثرت بشكل كبير بالأحداث العالمية التي مرت بها المنطقة في العصر الحديث ، وأخص بالذكر الحربين العالميتين الأولى والثانية .

وعلى الرغم من تأثرها استطاعت سوريا العودة وبقوة لتنافس الغرب ، سواءاً بتطورها السياسي أم بتطورها الاقتصادي .



قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى بأشهر قليلة ، زار مؤسس دار الهلال الراحل جرجي زيدان مدينة دمشق في العام 1914 ، وأورد بعض الملاحظات التي استخلصها خلال زيارته ، يذكر جرجي زيدان في مقال طويل عن دمشق ، أنها المدينة التي لاتنقع فيها الكهرباء نظراً لرخصها ، وهي المدينة التي تمر السكك الحديدية بكل أنحائها وأزقتها ، وأن أهلها يميلون لرغد العيش لكثرة خيراتها الاقتصادية .



ماقاله جرجي زيدان ، ليس إلا غيض من فيض عن الحياة الهانئة التي كان يعيشها السريون ، كانت نسبة البطالة ضئيلة جداً لدرجة أنها غير مستحقة الذكر ، ولم تنتشر في أرجاء دمشق ظاهرة " الشحاذة " الدارجة في أيامنا هذه حتى في أيام الحرب نفسها

هذا التطور والازدهار الاقتصادي ، تراجع قليلاً خلال أيام الحرب ، فقد ذاق الشباب السوريون الكثير من الويلات نتيجة لإرغامهم على الدخول للحرب ، والقتال إلى جانب الدولة العثمانية التي كانت تحكم سوريا آنذاك ، هذا كله لم يمنع الشعب الذي تردت أوضاعه المعيشة بسبب الحرب ، إلى الإصرار على الاستقلال عن الدولة العثمانية وهذا ماكان ، فقد استقلت سوريا عن الدولة العثمانية مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في العام 1918 ، وأقيمت المملكة السورية التي ترأسها الملك فيصل .

لم تكن نتائج الحرب مطمئنة للسوريين ، على الرغم من استقلالهم ، فقد كانوا ضحية مؤامرة أخرى رسمها الاستعمار لهم ، وهي مؤامرة الانتداب الفرنسي واحتلاله لسوريا لمدة خمس وعشرون عاماً.

خلال سنوات الانتداب الفرنسي على سوريا ، لم تتوقف حياة السوريين ، بل على العكس ، إرادتهم وعزيمتهم وحبهم للعمل ، جعلهم يستمرون في تطورهم الاقتصادي والعمراني من جهة وفي كفاحهم لنيل استقلالهم من جهة أخرى .

ولمعرفة مستوى المعيشة التي كان يعيشها السوريون في تلك الأيام ، نعود لوثيقة منشورة في العام 1934 كتبها الفنان المصري الكبير آنذاك " علي الكسار " الذي اشتهر بتجوالاته حول العالم وكتابة الأوضاع فيها ، وخلال زيارته لبلاد الشام يقول علي الكسار :

(سوريا هي جنة العالم …. فمستوى المعيشة في بيروت غالية ، وفي القدس متوسطة أما في دمشق فهي أرخص وأمتع معيشة ….)

ويتابع الكسار قائلاً : ( في دمشق ، نرى عظمة الله في جمال الطبيعة ، قد كنا نسير في الطرقات فنجد المياه تنساب من جدران المنازل ، كنت أتنقل بسيارتي وأستمتع بمناظر دمشق الخلابة ، وببساطة أهلها وكرمهم )

ماوصفه الكسار عن سوريا ، يعتبر من أجمل المقالات التي كتبت عنها ، تحدث عن الاقتصاد ، وعن رخص البضائع ، وتحدث عن نشاط السوريين وعملهم المتواصل حتى إنك لم تعد ترا محتاجاً واحداً ، إلا وهناك دار لرعايته وتطبيبه .
بعد نشر هذه الوثيقة بخمسة أعوام ، اشتعلت نيران الحرب العالمية الثانية في العام 1939 ، وكما هي العادة ، دخلت سوريا القابعة في ظل الاحتلال الفرنسي في زوبعة هذه الحرب ، تأثرت سوريا تأثراً كبيراً بهذه الحرب من جميع النواحي ، ذلك أن فرنسا التي تحتل سوريا قد احتلت من قبل ألمانيا النازية ، وكان على سوريا أن تقاتل لجانب فرنسا الحرة لتنال استقلالها الموعود ، قدمت سوريا الكثير خلال الحرب ، سرق الفرنسيون محاصيلها ومنتوجاتها ، ونهبوا ما استطاعوا نهبه من خيراتها ، وكانت سوريا في نفس الوقت تقاتل من أجل نيل استقلالها وتبذل كل ما تملك من أجل ذلك وهو ماحدث بعد الحرب العالمية بسنة استقلت سوريا في السابع من نيسان عام 1946 وبدأت صفحة جديدة من تاريخها الحديث ، ألا وهو مرحلة الجمهورية السورية .

إلا أن آثار الحرب لم تنتهي بهذه السهولة ، فلقد شهدت الأسواق السورية كساداً كبيراً جعلت من السوق السورية السوق الأرخص بالأسعار ولكن دون أن يكون هناك من يشتري .

وقد نشرت مجلة " الدنيا " مقالة خاصة عن الكساد الذي لحق بالأسواق السورية مابعد الحرب العالمية الثانية جاء فيه :

كل شيء رخيص ، السجادة التي بلغ ثمنها بعد الحرب بقليل ألف ليرة أصبحت بمئتين وياليت هناك من يشتري.

والبدلة التي كانت تكلف ثلاثمئة ليرة ، وتجد ألف زبون لها ، أصبحت تباع بمئة وليس هناك من شاري.

حتى القرويين زبائن سوق الخجا أعرضوا عن هذا السوق

قال لي أحد التجار الكبار:

" هل تتصور أنني لم أبع منذ أسبوع بعشرة ليرات ومن أين أدفع أجرة المحل والماء والكهرباء والضرائب ؟ "

واليوم في سوق الحرير أو النسوان ، فالمرأة تشتري قطع من الاقمشة الامريكية "دستة" دبابيس ، "كركر" خيطان.

لقد تبدلت الحال بحال.



كانت كلمة واحدة من الزوجة أو الخطيبة أو الابنة تكفي لشراء نصف السوق .

أما الآن ، فكلمة أكثر أو أقل يتم الطلاق ، أو فسخ الخطبة.
الدنيا 3 شباط
لقد عانت سوريا ما عانته خلال الحربين العالميتين ، إلا أنها استطاعت النهوض ببنيانها واقتصادها ، لدرجة أنها أصبحت تنافس أوروبا بالنسبة لجودة بضائعها ومنتوجاتها ، لم تتوقف المدينة يوماً عن العمل ، ولم تشهد سوريا حركة نزوح لسكانها منذ تاريخها ، كحركة النزوح التي تشهدها اليوم .

لقد دمرت هذه الحرب كل شيء ، الاقتصاد والعمران والبنى التحتية ، دمرت كل شيء إلا أننا إذا أردنا العودة لأفضل مما كنا عليه فيمكننا ، إذا لم نترك هذه الحرب أن تدمر نفوسنا ، وعندها فقط سنردد على صفحات مجلتنا تلك المقولة الألمانية :

" لادمار يستمر مع شعب لايموت ….. "


عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات