بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
أربعة رؤساء وثلاث انقلابات ولا نقطة دماء، نعم إنه العام 1949 وهذا حدث
  16/02/2014



أربعة رؤساء وثلاث انقلابات ولا نقطة دماء، نعم إنه العام 1949 وهذا حدث في سوريا


اخبار وصحف ايام زمان


حسني الزعيم اشترى منزلاً بالدين ولم يستطع تسديد ثمنه ...
لم يكن العام 1949 كغيره من الأعوام، لقد تعرضت القيادة السياسية في سوريا لأول انقلاب عسكري على مستوى العالم العربي أجمع وكما قال المرحوم الشيخ محمد علي الطنطاوي: (المشير حسني الزعيم هو الذي ابتدع في بلاد العرب بدعة الانقلابات العسكرية سنة 1949م، وإن كان قد سبقه الفريق بكر صدقي في بغداد سنة 1936 م بانقلاب جزئي غير كامل).
ابتدأت القصة في يوم الأربعاء 30 مارس 1949، في تمام الساعة الثانية والنصف فجرًا، عندما أعطى حسني الزعيم أوامر لوحدات من الجيش السوري بتطويق القصر الرئاسي ومبنى مجلس النواب والوزارات الرئيسية، كما حوصرت مقرات الشرطة والأمن الداخلي والقوات النصف عسكرية المعروفة باسم (الجندرماية) التابعة لوزارة الداخليّة، واعتقل رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي في المشفى حيث كان يعالج من قرحة في المعدة ومرض في القلب، بينما توجهت الفرقة الثانية نحو مجلس الوزراء، والفرقة الثالثة نحو محطة الإذاعة، والفرقة الرابعة نحو قيادة الشرطة والأمن العام، والفرقة الخامسة نحو قيادة الجندرماية، في حين توجهت الفرقة السادسة نحو بناء الهاتف الآلي، إلى جانب اعتقال عدد من النواب والوزراء منهم فيصل العسلي الذي كان قد وجه سخرية لاذعة للجيش وقادته في اجتماع مغلق لمجلس النواب، فأمر حسني الزعيم بعد اعتقاله بحلق شعره، كما قطعت الاتصالات السلكية واللا سلكية مع العالم الخارجي وأغلقت الحدود، حتى تمت الأمور للرئيس حسني الزعيم واستلم دفة الحكم في سوريا.
لم يهنئ الزعيم بمنصبه الجديد أكثر من 139 يوماً حتى قام صديقه ويده اليمنى سامي الحناوي بانقلاب عليه، ولم يكتفِ الحناوي بتنفيذ انقلابه بل قام بإعدام حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي في 14 آب 1949.
ولم تطل فترة حكم الحناوي حتى انتهت باعتقاله على يد عدد من ضباط الجيش وفي مقدمتهم العقيد أديب الشيشكلي في 16 كانون الأول 1949 وقد أذاع اديب الشيشكلي بياناً في 19 كانون الأول 1949 أعلن فيه اقصاء سامي الحناوي ورئيس وزرائه أسعد طلس لتآمرهم على الجيش ووحدة البلاد، وخرج بعدها سامي الحناوي إلى بيروت واغتيل هناك.


لقد زار الصحفي المصري حسنين هيكل دمشق غداة قيام انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم، والتقى الصحفي نذير فنصة السكرتير الخاص لحسني الزعيم كما التقى بأرملة حسني الزعيم لحظة علمها بالانقلاب الذي تم على زوجها، يقول حسنين هيكل:


قابلت نذير فنصة سكرتير حسني الزعيم وعديله في زنزانته في سجن القلعة، الذي اعتقل فيه منذ أول يوم من انقلاب سامي الحناوي.
أول ماقاله لي نذير حين رأى محمد يوسف كبير مصوري أخبار اليوم: إنني مريض، وأنا راقد في السرير ولست أريد أن يراني الناس هكذا وأخشى أن وهج لمبات التصوير سينبه الحراس ويخلق لنا مشكلة ويكشف الأمر.
ثم قال: أنا أقسم بالله أنني لم أسرق ولم أرتشي ولم أرتكب تهمة واحدة من عشرات التهم التي حاولوا إلصاقها بي، والمسكين الذي قتلوه (يقصد حسني الزعيم) ماذا فعل؟؟
يقولون أنه اشترى بيتاً ... وأنا أريد أن أسألهم هل دفع ثمنه ؟؟؟ لقد اشترى بيته بالدين ولم يستطع أن يسدد الدين ولو كان سرق لكان دفع ثمن البيت !!!
لقد طلبت أن أحال إلى المحاكمة وسمعت شهادتي بالفعل بواسطة لجنة من القضاة شكلت لهذا الغرض، وبالرغم أن أسعد طلس (عديل الحناوي ) كان يجتمع مع القضاة كل ليلة ويحرضهم علي فإن ضمائر هؤلاء القضاة أبت أن تخضع لوعود طلس ووعيده، وها أنا إلى اليوم لم تقدم إلى المحاكمة ... لقد نجوت من الموت مرتين أول مرة حين اعتقلوا حسني الزعيم واعتقلوني معه ... وقتلوا حسني الزعيم ولكن سامي الحناوي أجل تنفيذ القتل لسبب لا أعلمه !!!
والمرة الثانية فوجئت بفصيلة تدخل على زنزانة السجن ثم تقتادني إلى الخلاء ثم أقف أمام أفرادها ويرفعون بنادقهم وأستسلم للموت وفجأة يجيء ضابط سامي كبارة بك وزير العدل ويوقف حكم الإعدام ولو تأخر الضابط دقيقتين لكنت في غير هذه الدنيا ...


وبعد ان انتهيت من مقابلة نذير فنصة ذهبت لأقابل أرملة حسني الزعيم، كانت تظن حسني الزعيم على قيد الحياة ولم تصدق أن يمسه سامي الحناوي بأي أذى ...
ومازلت أتذكر دموعها وصوتها المتهدج ثائراً وهي تقول:
لماذا يعتقلونه؟ ومن الذي يعتقله؟ سامي الحناوي !!! سامي الحناوي دون كل الناس !!!
لقد كان رجله، وكان الرئيس يعتمد عليه، لقد كان سامي الحناوي في رتبة المقدم، ورفعه الزعيم إلى رتبة العقيد ثم قذف به إلى رتبة الزعيم وجعله قائداً للأركان .... إن الرئيس هو الذي صنع سامي الحناوي وكان دائماً يقول لي: أنا واثق ثقة عمياء في سامي الحناوي إنه رجلي.
وفي الوقت الذي كانت الأرملة البائسة تقولُ فيه هذا الكلام كان حسني الزعيم قد مات وشبع موتاً على يد "رجُلهِ" الذي يثق ثقة عمياء به ....
وكانت شقيقتها حرم نذير فنصة تريد أن تخفي عنها هذا الخبر حتى تضع الجنين الذي كانت تحملهُ في بطنها بسلام، وتركت الأرملة يومها تعيش في وهمها المروع.
وعدت بعد خمسة شهور أطرق باب البيت الذي قابلتها به في حي عين الكرش بدمشق أسأل ماذا حدث لها.
ولم تكن الأرملة البائسة به ثم علمت انها في حلب وعرفتُ قصة الأيام الهائلة التي قضتها بين الشك واليقين حتى استقرت اخيراً على الحقيقة المروعة وهي أن حسني الزعيم قتل يوم اعتقاله، وأنها أصبحت أرملة، وأن الجنين الذي تحملهُ كتب له ان يخرج إلى الدنيا يتيماً.
ولقد عرفت أن الأرملة ظلت تجهل الحقيقة حتى بعد أن قابلتها بأسبوع ... ثم حدث أن زارها بعض أفراد أسرتها من حلب ودخلوا عليها البيت وكان شقيقها في الحمام فلم يستطع تحذيرهم، ودخلوا عليها يعزوها بمصابها الأليم وحملقت فيهم الأرملة بذهول ثم وقعت على الأرض مغمياً عليها ... وقد قضت الأرملة شهراً مروعاً من الضنى والأسى والعذاب.
آخر ساعة 28/12/1949 محمد حسنين هيكل.
قد ينتقد العديد من السوريين تلك الحقبة الغير مستقرة من تاريخ سوريا، وهو حق، فالانقلاب الأرعن الذي قام به حسني الزعيم كان بداية سلسلة للعديد من الانقلابات العسكرية التي أخذ مصير سوريا إلى المجهول.
ربما لم يتوقع حسني الزعيم أن يخونهُ أقرب المقربين إليه وهو سامي الحناوي وأن يقوم بانقلابٍ عسكري ضده، ولكن ذلك حدث، وعلى الرغم من عدم الاستقرار في تلك الفترة ولكن يحسب للسوريين ان انقلاباتهم العسكرية لم تراق فيها ولا قطرة من الدماء، وأن جيشهم لم يكن تبعاً لشخص واحد بل كان تبعاً لسورية، وأن مؤسساتهم الحكومية لم تتعطل أبداً بسبب كفاءة موظفينهم المدنيين وتفانيهم للعمل لإيمانهم بأنهم موظفين في خدمة الوطن لا في شركة خاصة يمتلكها الرئيس وزبانيته.
وكم يؤلم أن تعلم أن معظم الرؤساء في حقبة ما قبل الوحدة لم يكونوا يمتلكون في نهاية خدمتهم أكثر من منزل إما ورثوه عن أهلهم كما حدث مع الرئيس المرحوم شكري بك القوتلي أو اشتروه ديناً كما حدث مع حسني الزعيم، بينما في أيامنا هذه ترى موظف في الدرجة العاشرة بإحدى المراكز الحساسة يمتلك نصف قريته أو ضيعته وعشرات المنازل في مدينة دمشق.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات