بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> من ذاكرة الاجيال >>
قاضٍ وقف بوجه رئيس الجمهورية .....وآخر أفرج عن السارقين الصغار ريثما ي
  23/02/2014



صفحات مشرقة من قضائنا السوري ..... قاضٍ وقف بوجه رئيس الجمهورية .....وآخر أفرج عن السارقين الصغار ريثما يعتقل السارقين الكبار ....

اخبار وصحف ايام زمان





في اجتماعه بوزرائه خلال الحرب العالمية الثانية، كانت أوضاع بريطانيا ليست على خير مايرام وخصوصاً أن الطيران الألماني قد وصل حتى مشارف لندن وبدأ ينهال عليها بوابل القنابل المتفجرة، كان النقاش محتدماً حول كيفية الخلاص من الوضع السيء الذي تعيشه بريطانيا،
فالتفت تشرشل إلى وزيري العدل والتعليم وسألهم: ماوضع القضاء والتعليم، فأجابوه: أن القضاء والتعليم على خير مايرام، فقال تشرشل: مازال القضاء والتعليم بخير فإننا بخير ولم نخسر المعركة بعد ... وبالفعل خرج تشرشل وحلفائه من الحرب العالمية الثانية منتصرين على ألمانيا النازية وأصدقائها.

لطالما كان القضاء العادل هو أساس الملك، ولا يصدق أحد أن هناك بلد متطورة في العالم لايكون لقضائها النزيه اليد العليا في هذا التطور، فمتى كان جميع المواطنين على اختلاف درجاتهم ومناصبهم سواسية أمام القانون فلن تجد أحد قادر على سرقة حق الضعيف أو اغتصاب ماله أو التعدي على شرفه.
ومتى ذهب القضاء وتحزب، وأصبح يتحدث باسم الحزب الواحد والقائد الواحد، فستجد البلاد تعيش في شريعة الغاب، يأكل القوي فيها الضعيف، ولا يكون للقضاء دورٌ حينها، إلا التصديق على قرارات الفساد والظلم والطغيان.
والماضي السوري شاهد على عظمة القضاء السوري ورجالاته، فلقد كان القاضي السوري، لايحسبُ حساباً إلا للحق، ولايخاف إلا من ضعيفٍ مظلوم لم يستطع أن يأخذَ لهُ حقهُ من ظالمٍ متجبرٍ متكبرٍ.
ربما لا يعرف الكثيرون من قضاتنا ومحاميينا اليوم، من هو القاضي (محمد آقبيق) رئيس محكمة الجنايات بدمشق في العام 1945، ذلك القاضي الذي شغل الدنيا بنزاهته وجرأته، لقد كان هذا القاضي إنموذجاً يحتذى به لكل قاضٍ عاصره، ومنهجاً يجب أن يسير عليه كل القضاة الذين جاؤوا بعده ولم يعاصروه، لقد ذكرت مجلة الصياد إحدى قصص أحكام هذا القاضي الأسطورة كما قالت، فجاء في القصة:
جلس القاضي محمد آقبيق خلف مكتبه يقرأ الدعاوي المعروضة عليه، هو رئيس محكمة الجنايات في دمشق عرف عنه سرعة البديهة والمعرفة القانونية الواسعة، وأهم شيء عرف عنه الجرأة والاستقلالية في اتخاذ القرار والعدل، وهو يقرأ في الأضابير والملفات المعروضة عليه، قرأ دعوى مرفوعة على موظف صغير في وزارة الإعاشة ثبت له أنه سارق !!!
جاء موعد محاكمة هذا الموظف، وعندها تفاجئ الجميع بتلاوة قرار تبرأة هذا الموظف، حتى المحامي وكيل الموظف لم يكن ليتوقع بأحسن الأحوال أن تتم تبرئة موكله بعد أن ثبتت تهمة السرقة عليه ...
ومع هذا الذهول قرأ القاضي محمد آقبيق حكمه، وذكر في حيثيات القرار:" إنكَ سارقٌ صغير، برأتك المحكمة، لأن كبار الموظفين الذين يسرقون بالأطنان والقناطير لاتسوقهم الأقدار إلى دوائر العدل وتحقيقات القضاة وأحكام المحاكم ".
وفي تعليقه على الحكم، قال القاضي آقبيق: سيرتدع الصغار، عندما يجدوننا نحاكم بكل نزاهة كل من اعتقد أنه خارج عن سلطة القانون، سيرتدع هؤلاء الصغار، عندما يرون السارقون الكبار قابعون في السجون .....
وهذا الحكم قد نشرته معظم مجلات العالم العربي التي أشادت بنزاهة القضاء السوري بشكل عام، ونزاهة رئيس محكمة الجنايات بدمشق الاستاذ محمد آقبيق بشكل خاص.
الصياد 22 كانون الثاني 1945
وفي حكاية أخرى لاتقل عظمة وجرأة عن حكايتنا الأولى، يروي القاضي السوري (حنا مالك) في مذكراته، إحدى القصص الرائعة عن نزاهة القضاء السوري، أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا، يقول القاضي حنا مالك رحمهُ الله:
"عينت لأخدم في مهنة القضاء من العام 1925 إلى العام 1954، وعلى الرغم من أن الفرنسيين كانوا احتلالاً لسورية، إلا أنهم تجردوا من كل شيء إلا العدل في قضائهم، فقد نقلوا العدالة من المحاكم الفرنسية إلى المحاكم السورية ... وأضافوا ما أضافوه إلى القانون السوري ... وقد صدفت خلال عملي في المحاكم المختلطة والتي كان يرأسها القاضي الفرنسي السيد (إيتين ليك) رئيس المحكمة المختلطة الناظرة في قضايا الأجانب، أن كانت لدى المحكمة دعوى تركة المرحوم عزة باشا العابد باعتبار أن إحدى وريثاته أجنبية لزواجها من إنكليزي، وكان ولده عبد الرحمن بك هو الذي تقدم بالدعوى، وكانت العلاقات بينه وبين أخيه محمد علي بك، رئيس الجمهورية آنئذ، على غير مايرام .
وقد فكر محمد علي بك وهو رئيس الجمهورية أن يتدخل في موضوع الدعوى لمصلحته طبعاً، فطلب من أحد وزرائه سليم بك جانبرت، وكان صديقاً حميماً للمرحوم والدي، أن يدعوني لزيارة قصر الرئاسة ، ففعل.
ولكنني اعتذرت في بادئ الأمر معللاً ذلك بأن زيارتي لفخامته، وله قضية في المحكمة المختلطة وأنا قاضٍ فيها، تفسر بأحد أمرين: إما أنني ذاهبٌ لزيارته زيارة تملق ونفاق ولعرض خدمة عليه، أو أنني مدعو لأتلقى التوجيهات اللازمة وفي الحالتين فإن نفسي تمجهما وتأباهما مزاجي وكرامتي.


ولكن فخامة الرئيس أصر على وزيره لدعوتي لمقابلته، وكان الوزير رجلاً طاعناً في السن، وصديقاً لوالدي كما أشرت، فخجلت منه ولم أجد بداً والحالة هذه من تلبية الدعوة مكرهاً وعلى مضض وتأثر.
وبالفعل قمت بزيارة القصر الجمهوري واجتمعت إلى فخامة الرئيس، وبعد المقدمات والمجاملات من قبل فخامته، أخذ يبحث معي في موضوع القضية ذاتها، تركة المرحوم والده عزة باشا العابد، وأظهر توجيهه بحذاقة ومهارة، بحجة عدم التحيز لأخيه عبد الرحمن بك، وهي براعة في الطلب من فخامته، ولكنها لم تخف علي، فقلت لفخامته متأثراً "يافخامة الرئيس، إن المحكمة التي لا تتأثر لمصلحة فخامة رئيس الجمهورية بالذات، فإنها من باب أولى لا تتأثر لمصلحة أخيه، وإنه لمن دواعي الفخر أن تكون في سورية محكمة لا تتأثر حتى لمصلحة فخامة رئيس الجمهورية"
قلت هذا، وشعرت بأن فخامة الرئيس لم يكن ليتوقع مثل هذا الجواب، فانزعج منه وكان بالطبع ينتظر العكس تماماً، فودعته وانصرفت.
ولم يقم رئيس الجمهورية على الرغم من كلامي هذا بأي عمل منتظراً انتهاء الدعوى، وعند الانتهاء من البت فيها، لم يعجبه الحكم فأصدر بعد بضعة أيام مرسوماً بنقلي من المحاكم المختلطة إلى المحاكم الأهلية ".
قد تبدو هذه القصة غريبة، وضرباً من ضروب الخيال، فيما لو قارناها بقضائنا اليوم، فمن الذي يستطيع اليوم من السادة القضاة أن يقف بوجه مساعد درجة عاشرة في الأمن، ليقف بوجه رئيس الجمهورية دفعة واحدة، ولنفترض جدلاً أن احداً منهم تجرأ وغامر كهذه المغامرة الغير محمودة العواقب، فهل سيكتفي حينها رئيس الجمهورية وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى بنقل هذا القاضي من محكمة لأخرى ...!!!!؟؟؟؟
سأل فرعون ذات مرة من الذي أعطاك الحق لتطغى وتتجبر على الخلق والعباد، فقال بكل برودة أعصاب: لأنني لم أجد من يقفُ بوجهي فينتزع الحق من الظالم ويعطيهِ للمظلوم.
وللأسف فنحنُ اليوم مازلنا نعيش في زمن فرعون وجبروته، فليس للضعيف إذا ما اغتصبَ حقه من مكانٍ آمنٍ يلجئ إليه، فينتصر له ويأخذ له حقه، في غياب القضاء تنحدر مفاهيم المواطنة والعدالة إلى الحضيض، ويصبح الوطن مجرد كلمة تعيث بها الفئات الظالمة طغياناً وفساداً.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات